المحاضرة03 :المرجع النصي
يتكون المرجع النصي من العناصر اللغوية للمضمون ، ويكون مستقطيا من الرواية الأدبية وأشكال تمظهر سردها مثل الوصف والحوارالخطاب السردي، الزمن والمكان الذي تجري فيه الأحداث، كل هذا يعبّر عنه بواسطة تقنية التصوير ليصبح خطابا بصريا داخل الصورة السينمائية، ويتم ذلك عبر المراحل التالية: التوقع- الإنتباه- الادراك- الإنفعال – الفكرة- الفعل.
وكلها تحمل مضامين ومحتويات مختلفة يتم إستخلاصها من خلال الخطاب المرسل أو من خلال الأشياء الحقيقية التي يرجع إليها الخطاب أو ينبعث منها، وعلى المتلقي فك شفراته ورموزه سواء كانت منتقية من الرواية او المسرح أو القصص الشفهية الشعبية، والتي تعتمد على خصائص الحكي كالزمان والمكان والحدث والعقدة والشخصيات.
إنّ الفيلم نوع من الحكي يقدم نفسه عبر تسلسل من الصور، ولغته وسيلة فعالة وضرورية للسرد عبر الصور، يقول أندري بزان" يمكن أن ينكشف الجانب الجمالي الضمني للفيلم السينمائي، إنطلاقا من تقنية سرد خاصة، عبر تناوب لقطاته وإيقاعه وطريقة توليفه ".
وهذا ما نلحظه في رواية " بئر الحرمان" لإحسان عبد القدوس التي أفلمت بنفس العنوان للمخرج "كمال الشيخ
أشكال التمظهر السردي:
تسرد لنا رواية "بئر الحرمان" لـ" إحسان عبد القدوس" قصة ورحلة إمرأة متزوجة عانت من إزدواج الشخصية ملفوظة على لسان طبيب نفسي قام بمعاينة حالات نسائية كانت تعاني من عقد نفسية، والملفت للنظر "أن معظم القصص والعقد النفسية عكست الحالة الأسرية وعلاقة الاب والام على شخصية الطفلة الصغيرة وكيف تطورت العقدة لتصبح مرض مزمن في شبابها..وضحايا مثل هذه الحالات يظلون فتؤة طويلة بدون رعاية ولا ملاحظة للمرض من قبل الاهل ومنهم من ينكر المرض ويستسلم له ومنهم من يذهب للطبيب النفسي لانقاذ ما تبقى" (ملخص رواية بئر الحرمان، 2021).
من الملاحظ أنّ السرد في هاته الرواية شغل دورا مهما ومتميزا في حكي الأحداث المتمثلة بعرض حالة "ناهد" المستعصية من خلال الإستهلال الاول للخطاب الروائي الملفوظ الذي يصوّر فيه الطبيب النفساني الحالات المرضية التي تعرضت إلى نوبات عصبية في عيادته، ومن بين تلك الحالات: حالة بطلة القصة المريضة التي دامت ثلاث سنوات من أجل الوصول إلى الحقيقة التي أدت بـ" ناهد" إلى إزدواج شخصيتها جراء إختلاف الوالدين ومشكل الخيانة بينهما، فكانت دائما تهرب من أسئلة الطبيب التي يوجهها لها، وهذا الخطاب الروائي يبيّن ذلك : "ورغم ذلك فهي لم تذكر سببا واحدا يجعل أمها تصف أباها بأنه ملاك.. لم تتكلم عن العلاقة بين امها وأبيها.. بل كانت تهرب درائما من مواجهة هذه العلاقة، كانت تحتار.. وكانت تبدو صادقة في حيرتها.. وسجلت في مفكرتي،" عواطف مهتزة ناحية الأب والأم.. وغموض في العلاقة بينهما.." " (القدوس، 2012، ص 19)، ولعلّ هذا المقتطف السردي يؤكد أهمية الموضوع الحاسم للرواية، وهي معرفة الحقيقة والتنقيب والغوص في العقد النفسية التي عانت منها شخصية "ناهد" ، تلك الحقيقة التي تعكس أفكارها وأفعالها وأقوالها " علما أنّ الأفعال هي نتاج الأفكار التي تتمظهر في الأقوال. وتنسجم هيمنة نص الكلام – الذي يعبر في جانب مهم منه نص الأفكار-مع الطابع المعرفي للرواية ككل" (محفوظ، 2011، ص 25)
الحوار:
يتمثل الحوار في الكلام الذي تنطق به شخصيات الرواية، فبالملفوظ ترفع عن غطائها وخلجاتها النفسية ومزاجها المتقلب،" والحوار ليس هو الكلام المعتاد : وإنما هو كلام مركز وموجه" (هال، 2012، ص 205) ويبين الأحداث، ويتصاعد الصراع ويكتشف فكرة الرواية ويظهر جوها العام ( البيئة الاجتماعية أو الاقتصادية أو الطبيعية)، ويبين الحبكة وتطورها وتقدمها، وهذا هو هدف الحوار.
وهذا العنصر في الرواية إتكأ على إبراز مرض "ناهد" النفسي الذي أرقّها ولا تحبّ أن تتذكره :
"الطبيب: أرجوك يا محمد بيه.. قول لي على كل حاجة بصراحة.. وسكت، وهو ينظر بعينيه في الفراغ.. وتركته يسكت، إلى أن تكلم من تلقاء نفسه، قال:
- فعلا.. ناهد مش بنتي.. أنا تجوزت امها بعد ماقعدت أحبها خمس سنين.. كانت ساكنة مع امها في الشارع بتاعنا.. وحبيتها.. حبيتها صحيح.. وعملت المستحيل علشان اتجوزها .. ويوم جوازنا.. في ليلة دخلتنا .. إعترفت لي أنها مش عذراء.. وانها حامل.. حامل في شهرين.. واتجننت..
وتنهد نهدة عميقة كأنه يطلق من صدره أبخرة كثيقة .. ثم استطرد قائلا: ماعرفتش ليلتها اعمل إيه.. مافكرتش إني أطلقها لأني كنت بحبها.. ما صدقت إني تزوجتها " (القدوس، م س، ص 45)
الحقيقة التي تجاوزت سنين عديدة، إكتشفها الطبيب النفساني من خلال التساؤلات التي وجّهت إلى والد المريضة، والتي كانت سبب في هدم العلاقة الأسرية الحميمية وتفكّك شمل الأسرة، فالعائلة مرجع معياري يرتكز على قيم، وإن اندثرت تلك القيم واضمحلت إنهار المجتمع بشكل عام والاسرة بشكل خاص، هاته الأوضاع وموضوع الخيانة أربك و أتعب لاشعور شخصية "ناهد " ولم يتركها تعيش بسلام ، وآل بها إلى مرض الفصام الذي أصبح مرض العصر وذيع صيته عند المرضى، وذلك ما يجعل هذا النوع من الروايات ذات قيمة وتحظى بالاهتمام الخاص من طرف الأدباء والأطباء النفسيين.
الوصف:
لا ينتابنا الشك في أن عنصر الوصف في رواية " بئر الحرمان" إرتبط إرتباطا وثيقا بمحور السرد الذي جاء على لسان الراوي (الطبيب النفساني ) وقام بسرد المكبوتات والعقد النفسية وقصة هاته الرواية ألفها إحسان عبد القدوس بعد الغوص والتنقيب في نظريات علم النفس الفرويدي، وتعتبر هاته القصة من النماذج السردية التي تحكي قصة بطلتها زوجة تعاني من إنفصام في الشخصية، فتارة " تغدو امرأة بريئة، عادية، طيبة الخلق، في أحوال صحوها، ولكنها تنقلب إلى نقيضها في الأحوال التي تسيطر فيها أدغال اللاوعي، فتتحول الشخصية إلى نقيضها، حاملة اسماً مختلفاً ومظهراً مضاداً· ويدفع الطبيب النفسي مريضته إلى أريكة التحليل النفسي ويوجّه بأسئلته تداعياتها إلى مرحلة الطفولة شيئاً فشيئاً، وتمضي الجلسات العديدة، لكن دون أن يكتشف الطبيب مصدر العقدة، إلى أن يقرر الاستعانة بالأب، ويلاحقه بأسئلة تتعلق بابنته، إلى أن يحصل منه على ما يبدو مفتاحاً للعقدة، وعندما يتأكد الطبيب من صحة استنتاجه، ينتقل من الأب، عائداً إلى الابنة، فيضعها على أريكة التحليل، ويبدأ في إطلاق تداعياتها التي يوجهها ببراعة إلى قرارة القرار من أصل العقدة وسببها· وعندئذ، تصل المريضة بنفسها" (بئر الحرمان، 2007)
ينظر:محمد أشويكة، الصورة السينمائية التقنية والقراءة،سعد الوزاري للنشر، المغرب، 2005