الدرس الأول: التخلف العقلي

تمهيد:

يعد التخلف العقلي من بين الاضطرابات التي اهتم بها العلماء منذ زمن بعيد والتي حاول العديد من الباحثين معرفة أسبابها وكيفية علاجها، وبتعددهم تعددت التسميات، فمنذ السبعينات ظهرت مجموعة من المصطلحات للتخلف العقلي في الدراسات الفرنسية حيث نجد: Arriération، Oligophrénie، Débilité mentale،Déficience intellectuelle، Structure déficitaire، Retard mental التي تشير كلها إلى التأخر أو التخلف العقلي في اللغة العربية.

1- تعريف التخلف العقلي:

تم تأسيس هذا المصطلح منذ بداية القرن 19م، حيث أطلق عليه Pinelمصطلح (Idiotisme)، وأكثر تحديدا اسم (Idiot)مع Isquirol الذي هو مشتق من مصطلح يوناني يقصد به وحيد Seul، أي أن المتخلف أو المعتوه التي هي ترجمة حرفية لكلمة (Idiot) يشار إليه بوحدته. (Solitude).

كتب Georges Heuyer في 1951 (مختص في الطب العقلي للأطفال): "واحدة من المميزات الأساسية لغياب أو نقص الذكاء الذي يشكل التخلف العقلي (Débilité mentale) تكون في كبيعتها الخلقية (Congénitale): العجر العقلي هو بنيوي (Constitutionnel)" (Perron. R, 2000, p55).

وأعطى René Zazzou التعريف التالي في نص علمي قال فيه: "التخلف العقلي هو نقص فكري أصله بيولوجي، وراثي، أو حادث في الطفولة. (...) لكن هذا العجز لا يسمح بتوظيف ولو جزء بسيط من القدرات الذهنية التي تتطلبها عملية التعلم" (Perron. R, 2000, p56).

عرّف التخلف العقلي من طرف منظمة الصحة العالمية  في1980 كأحد العناصر أو مكونات السيرورة المؤدية إلى الإعاقة. يصيب التخلف وظيفة الأجهزة أو الأنظمة البيولوجية أو النفسية حيث يكون هناك عجز أو قصور على مستوى نشاط الفرد. ينتج التخلف العقلي بسبب تشوّه أو سوء التكوّن، نقص أو قصور في المهارات.

لقد تم اعتبار التخلف إعاقة والتي تتموقع في علاقة سببية مباشرة للعجز أو النقص (Déficit)حيث يكون هناك دمج لهذا الأخير وانعكاسه الاجتماعي بمعنى نوعية الرابطة بين الفرد ومحيطه، وعلى هذا الأساس يعرّف التخلف العقلي على أنه قصور أو عجر في الذكاء ويكون خلقي أو مكتسب والذي يتميز من خلال عمل فكري عقلي متدني عموما، ويرافق هذا التخلف عدم الكفاءة الاجتماعية أو العجز وعدم القدرة على التكيف الصحيح مع الوسط. نجد في هذا التعريف الذي سبق بعدين للتخلف: "تأخر النمو الذهني والنقص والعجز في السلوك التكيفي" (Bloch et autres, 2002, p104).

2- أسباب التخلف العقلي:

توجد مجموعة من الأسباب المعروفة التي ينتج عنها التخلف العقلي بحيث يمكن أن يكون سبب التخلف خلقي: كالاضطرابات الصبغية (تثلث 21 Trisomie)، اضطراب وراثي في عملية التمثيل الغذائي، مرض غددي يخص الغدة الدرقية أو الغدة جنب درقية، وهناك أيضا تشوه مخي جمجمي، التهاب العدسية والصرع. ويمكن أن يكون التخلف مكتسبا بحيث ينتج عن الأسباب البيئية (مثل الفقر، التعسف وإهمال الوالدين)، أسباب قبل الولادة (مثلا تعرض الأم لبعض الأمراض المعدية كالحميراء (Rubéole)، داء المقوسات ويكون ذلك أثناء فترة الحمل أو قد يكون السبب تناول الأدوية في مرحلة من مراحل النمو داخل الرحم، أسباب سابقة للولادة أو التابعة لها (صعوبات أثناء الحمل والولادة)، وأسباب بعد الولادة (مثلا بعد الإصابة أو التعفن الدماغي) (Durond. M, 2002, p725).

إن الحامل التي تتعاطى الكحول يمكن أن يُحدث ذلك اضطرابا للجنين يسمى بتناذر الجنين الكحولي (Syndrome alcoolique de fœtus)، مما يؤدي إلى اضطراب على مستوى التعلم. هناك أيضا إلتهاب الدماغ، إلتهاب السحايا، أو معاناة مخية (ناجمة عن نقص الأكسيجين)، نزيف دموي، يرقان نووي (وهو مرض يتميز بخلل في المادة الرمادية للمخ)، كما أن سوء التغذية للأم الحامل ونقص الأكسيجين لدى المولود قد يؤديان للتخلف (Bloch et autres, 2002, p307).بالرغم من العدد الكبير للأسباب المعروفة المؤدية للتخلف العقلي إلا أن 50 %إلى 70 % من الحالات يمكن ألا تستند لأي سبب من الأسباب وتبقى العوامل المؤدية له مجهولة (Morin. Y, 2003, p237).

وهناك أيضا الإشعاع: فالتعرض المكثف لإشعاعات X أثناء بداية الحمل يشكل عاملا أساسيا لظهور التخلف العقلي. وأيضا عدم التوافق الزمري: لما تكون الأم تحمل عامل ريزوسي سلبي (Rh-) والجنين يحمل عامل ريزوسي إيجابي (Rh+) في هذه الحالة يبدأ جسم الأم في تشكيل الأجسام المضادة للقضاء على النوع النقيض أو المعاكس لزمرة الأم، وهذا يؤثر سلبا على تكوين المخ لدى الجنين. كما أن لنتناولالمخدرات تأثيرا، وكذا بعض الأدوية المُتَناوَلة بجرعات مفرطة أو بدون وصفة طبية (Lambert. J-L, 1978, p46).

3- الجدول العيادي للتخلف العقلي:

المعايير التشخيصية لــ DSM4 الخاصة بالتخلف العقلي تنقسم إلى ثلاث فئات:

- المعيار الأول: الحالة المشخصة يجب أن تكون وظيفتها الفكرية العامة أقل من المتوسط، وهذا يحدد عن طريق اختبار حاصل الذكاء (QI)، والحاصل المقدم من قبل DSM4 يكون إما مساو أو أقل من 70 (تقريبا من 2 إلى 3%من الأشخاص يحملون حاصل ذكاء مساوي أو أقل من 70).

- المعيار الثاني: يحدد النقائص المصاحبة أو الاختلالات التي تمس وظيفة التكيف الفعلي. بشكل آخر لا يكفي إيجاد حاصل الذكاء مساوي أو أقل من 70، يجب أيضا حضور صعوبات واضحة على الأقل من قطاعين من القطاعات التالية: الاتصال، الحكم الذاتي أو الاستقلالية، الحياة العائلية، الاتجاهات الاجتماعية والشخصية، تقديم منافع وخدمات للمحيط، المسؤولية الشخصية، استخدام المكتسبات المدرسية، العمل، الهواية، الصحة والأمن.

- المعيار التشخيصي الثالث يخص سن الظهور: عامة الوظيفة الفكرية هي أقل من التوسط، والنقائص المصاحبة أو اختلالات الوظيفة التكيفية الفعلية يجب أن تظهر قبل سن 18. إن تحديد السن لديه هدف لتفريق وتمييز الأفراد المصابين أين يكون هناك إصابة في المخ أثناء مراحل نموه عن هؤلاء الأشخاص الذين تكون نقائصهم الفكرية والوظيفية ليست ناتجة عن اضطراب مرتبط بالتأخر العقلي. يسمح معيار السن باستبعاد واستثناء من التشخيص الأفراد الراشدين الذين يعانون من صدمات جمجمية، أو شكل من أشكال الخبل الذي يشوش وظيفتهم المنوطة بالعمليات العقلية(Durond. M, 2002, p722-724).

4- أنواع وتصنيفات التخلف العقلي:

         يتم تصنيف التخلف العقلي إما على أساس الأسباب أو على أساس نسبة الذكاء:

4-1- التصنيف على أساس الأسباب:ونجد نوعين:

أ-تخلف عقلي أولي أو أساسي: ويشمل كل حالات التخلف العقلي الناتجة عن عوامل وراثية والتي تم الإشارة إليها في عنصر أسباب التخلف العقلي.

ب-تخلف عقلي ثانوي: ويتمثل في حالات التخلف العقلي الناتجة عن أسباب محيطية أو ثقافية اجتماعية (Marcelli. D, 1993, p1167-168). 

4-2- التصنيف على أساس نسبة الذكاء:بالنسبة لهذا التصنيف نجد أربعة أنواع:

أ- تخلف عقلي عميق:حاصل الذكاء في هذا النوع يكون أقل من 20، ويسمى الأفراد المصابين به بالمعتوهين (idiots)، وُصف هذا المصطلح من قبل Esquirol، ونلاحظ لديهم: غياب اللغة، عدم القدرة على الأكل والتنظيف بأنفسهم، غياب مراقبة والتحكم في عملية الإخراج، ليس لديهم استقلال نفسي حركي، يعيشون حياة خاملة، وعموما تابعين ومتعلقين بوسطهم ويعتمدون على المحيطين بهم في كل شيء بل وأحيانا يكونون طريحي الفراش.

ب- تخلف عقلي حاد: حاصل الذكاء يكون من 20 إلى 40 ويُنعت المصابون به بالبلهاء (imbéciles) أو الأغبياء (crétins) وهؤلاء ليس لديهم إلا لغة ابتدائية وناقصة ومتخلفة، وهم قابلين للتربية ولكن جزئيا بمعنى غير قابلين للتعليم ولكن قابلين للتدريب، يصعب توافقهم اجتماعيا.

جـ- تخلف عقلي متوسط: حاصل الذكاء يتراوح بين 35-40 إلى 50-55. يكون للمتخلف تحرر نوعا ما، هو نصف قابل للتربية، يُظهر المصابون غالبا اضطرابات للكفاءة الاجتماعية وعدم استقرار مزاجي كبير، تكون اللغة تقريبية.

د- تخلف عقلي خفيف: حاصل الذكاء 50-55 إلى 70، المصابون قابلون للتربية في إطار مدرسي مكيف، ويمكنهم اكتساب تحرر اجتماعي (هم قادرين على تعلم حرفة بسيطة ويمارسونها بشكل عادي وصحيح إذا توفرت الشروط في المحيط). ويمكنه أيضا تعلم القراءة والكتابة والحساب (Debray. Q, 2000 p106).

خلاصة:

نستخلص من هذا العرض لدرس التخلف العقلي أن هذا الأخير من أهم الاضطرابات التي تمس النمو الحسي الحركي، فهو تأخر في القدرات العقلية التي تظهر بشكل جلي في السلوكات التي يبديها المتخلف عقليا اتجاه محيطه الأسري والاجتماعي، وبالرغم من التطور العلمي الذي وصل إليه الطب الحديث إلا أنه تبقى هناك فئة من المتخلفين الذين تُجهل أسباب تخلفهم، ونستشف بأن حاصل الذكاء أقل من 70 يبقى المحك الأساسي في الحكم على المتخلفين عقليا بمساندة شرطين أساسيين يتمثلان في سن الظهور أقل من 18 سنة والاضطرابات السلوكية المعرفية الملاحظة.

وعلى المستوى العلاجي فإنه لا يوجد علاج نهائي للتخلف العقلي ولكن هناك الوقاية والتكفل بالمتخلف، حيث نجد أن هناك بعض المحاولات المقدمة من طرف الباحثين في إعادة إدماج وتأهيل المتخلف عقليا داخل محيطه، إلا أنها تبقى غير ناجعة بصفة عملية حيث أنه لا يوجد علاج كامل وتام للتخلف العقلي.

وكما وضحت تلك المحاولات والجهود أن كل حالة هي حالة خاصة وأن التكفل يكون بوجود بعدين: العلاج النفسي: وذلك لتخفيف قلق الفرد ومعاناته الوجدانية وجعله يتكيف، كما أنه يساعد الآباء على تقبل طفلهما المتخلف عقليا وإعطاء لهم استراتيجيات للتعامل مع هذا الطفل. أما من الناحية البيداغوجية: فكما سبق ذكره فإن الأمر قد يقتضي القيام بإعادة التربية من جديد ومحاولة تعليم الطفل بعض العادات الاجتماعية المتفق عليها، وذلك ليستقل نوعا ما وإذا كان يعاني من تخلف خفيف فيمكن تعليمه القراءة والكتابة، كما يمكن تعليمه حرفة يدوية وبعض الأعمال البسيطة (Marcelli. D, 1993, p175-177).

قائمة مراجع الدرس:

1. American Psychiatric Association. Mini DSM-IV. Critères diagnostiques (washington, 1994). Traduction française par Guelfi, J-D. (1996). Paris: MASSON.

2. Bloch et autres. (2002). Dictionnaire fondamental de la psychologie. France : LAROUSSE.

3. Debray, Quentin. (2000). Nouveaux cahiers de l’infirmière. 2ème Edition. Paris : MASSON.

4. Durond, Mark. (2002). Psychopathologie perspective multidimensionnelle. 1ère Edition. Paris : DeBook Université.

5. Lambert, Jean-Luc. (1978). Introduction à l’arriération mentale. Bruxelles : Pierre Mardaga ; Editeur Fonds Dessart.

6. Marcelli, Daniel. (1993). Psychopathologie de l’enfant. 4ème Edition. Paris : MASSON.

7. Morin, Yves. (2003). Petit LAROUSSE de la médecine. 3ème Edition. Paris : LAROUSSE.

8. Perron, Roger. (2000). L’intelligence de l’enfant et ses troubles : des déficiences mentales aux souffrances de la personne. 1ère Edition. Paris : DUNOD.

 

 



Modifié le: mercredi 5 octobre 2022, 00:44