الدرس الثاني : اضطراب طيف التوحد
اضطراب طيف التوحد
تمهيد:
يتطلب فهم ومعالجة موضوع التوحد أن نتعمق في تاريخ هذا الاضطراب، الذي كان ولازال غامضا في بعض جوانبه إلى يومنا هذا، كما أنه قد شهد تطورا في التشخيص المفاهيم المستعملة خلال عدة سنوات. اتضح من خلال اطلاعنا على الخلفية التاريخية للاضطرابات العقلية بشكل عام أنه حتى نهاية القرن 19 كانت كل الاضطرابات العقلية مصنفة تحت ما يسمى بـ"التخلف الذهني" ولم يتم التحدث أبدا عن اضطرابات التفاعل والتواصل الاجتماعي، وكذا العجز في بناء اتصال عاطفي مع الآخرين، وبالتالي كان هناك نقص كبير في مجال التشخيص العيادي للاضطرابات العقلية والنفسية، وفي المقابل كانت هناك مجموعة من الأعراض معروفة منذ العصور القديمة كالخرف، الهذايانات، الجنون وغيرها .
تعريف التوحد:
تشتق كلمة التوحد (Autisme) من الكلمة الاغريقية (Aut) وتعني النفس أو الذات، وكلمة (Ism) وتعني الانغلاق، والمفهوم ككل يمكن ترجمته على أنه الانغلاق على الذات، وتعني هذه الكلمة أن هؤلاء الأطفال قليلوا الاهتمام بالعالم الخارجي؛ بحيث يمتازون بالانسحاب الذاتي (Repli de soi)(.
ترى الجمعية الأمريكية في الطب النفسي أن التوحد اضطراب نمائي ناتج عن إصابة على مستوى الجهاز العصبي المركزي والتي بدورها تؤثر على وظائف الدماغ التي تمس بطريقة مباشرة مختلف مجالات النمو مما يؤدي إلى قصور في التفاعل الاجتماعي، ومهارات التواصل اللفظي وغير اللفظي، كما يظهرون استجابات للأشياء أكثر من استجاباتهم للأشخاص من حولهم، ويرفضون التغيير الذي يمكن أن يحدث في المحيط أو البيئة التي يعيشون فيها مما يدل على الخضوع لمبدأ الثبات، ودائما ما يكررون حركات من خلال أجسادهم أو مقاطع صوتية أو كلمات بطريقة آلية ونمطية.
عام (2008) عرف كل من (Levere, Perisse et al , 2010, p10) متلازمة التوحد في مؤلفهم الموسوم بـ « L enfant autiste : un guide pour parents » " على أنها اضطراب نمائي يظهر قبل سن الثلاث السنوات ويمس المجالات الثلاثة التالية: - التفاعلات الاجتماعية مع ميل للانغلاق على الذات، - الاتصال اللفظي والغير لفظي (اللغة الشفهية،الحركات، الإيماءات)، -حركات تكرارية وطقوس، اهتمامات محدودة. بالإضافة إلى هذه المؤشرات
الثلاث هناك أعراض أخرى كالاستجابة الشاذة أو الغير عادية لبعض المثيرات الحسية (كالحساسية من أصوات معينة، الروائح، اللمس ...الخ).
ويؤكد نبيه ابراهيم(2009) على أن الاضطراب التوحدي يظهر لدى الأطفال في السنوات الأولى أو فيما بعدها، وهو نتيجة اضطراب في النمو يؤثر على الجهاز العصبي والجانب الإدراكي لدى الطفل، فيظهر بذلك أنماط سلوكية غريبة وغير مألوفة كما انها متكررة بشكل روتيني. إضافة إلى القصور في النمو اللغوي، وعدم القدرة على الانتباه، والإدراك والتخيل والتفاعل والتواصل الاجتماعي، وظهور العديد من المشكلات السلوكية (ورد في برخيسة مريم، 2015، ص34).
يعرف التوحد على أنة" نـوع من الاضطراب الارتقائي المنتشر، يعرف بوجود ارتقاء غير طبيعي، يتضح وجودة سن قبل الثلاث، سنوات يتميز بالأداء غير الطبيعي في التفاعل الاجتماعي والتواصل، والسلوك النمطي، إضـافة إلى وجود مشكلات متعددة وغير محددة مثل الـرهاب واضطراب النوم ، ونوبات الهيـاج والعدوان الموجه نحو الذات.
أعراض التوحـد:
هناك عدد من الأعراض يمكن من خلالها التعرف على التوحد وهي كالتالي:
التواصل:عدم وجود تواصل بصري، لغوي، جسدي، ولغته بطيئة التطور وقد لا تتطور أو يتم استخدامها بشكل مختلف عن الأطفال.
التفاعل الاجتماعي: اهتمام أقل بالآخرين لا يبدي ابتسامات أو ينظر في عين المتكلم.
لمشكلات الحسية: استجابة غير معتادة للأحاسيس الجسدية مثل أن يكون حساساً أكثر من المعتاد للمس أو يكون أقل حساسية من المعتاد للألم أو النظر أو السمع أو الشم.
اللعب: هناك نقص في اللعب التلقائي أو الإبتكاري كما أنه لا يقلد حركات الآخرين ولا يحاول أن يبدأ في عمل العاب خيالية أو مبتكرة.
السلوك: قد يكون سلوكه نشطاً أكثر من المعتاد أو أقل من المعتاد مع وجود نوبات من السلوك غير السوي ( كان يضرب رأسه بالحائط أو العض دون سبب واضح أو يصرُ بالاحتفاظ على شيء ما أو الارتباط بشخص واحد، قد يظهر سلوكاً عنيفاً أو عدوانياً أو مؤذياً للذات...
اضطراب الوجدان: نجده متقلب المزاج أي الضحك والبكاء دون سبب واضح ونقص الخوف من المخاطر الحقيقية.
الأكل والشرب والنوم: يقتصر على أنواع قليلة من الطعام أو شرب السوائل بكثرة، والاستيقاظ ليلاً المصاحب بهز الرأس وأرجحته وخبطه على الحائط.
وهناك علامات وأعراض أخرى نجملها فيما يلي:
- عدم التأشير بالأصبع مع بلوغ العام الأول.
- عــدم البدء بالكلام عند بلوغ العام الأول، عدم نطق كلمة واحدة مع بلوغ الشهر السادس عشر ، وكذلك عدم نطق عبارة من كلمتين مع بلوغ الشهر الرابع والعشرين.
- فقدان أي من المهارات اللغوية في أي وقت.
- عدم التظاهر باللعب.
- اهتمام ضعيف في تشكيل الصدقات.
- دورة تركيز قصيرة جدا.
- عدم الاستجابة لدى مناداته باسمه وعدم المبالاة بالآخرين.
- القيام بحركات جسدية رتيبة.
- نوبات غضب حادة.
- الولـع بشي واحد.
- مقاومة التغيرات في الروتين.
- حساسية مفرطة نحو بعض الأصوات والروائح. (الشربيني 2010)
ويحدد لنا DSM4 مجموعة أعراض وسمات لتشخيص التوحد هي كالآتي :
1خلل في التفاعل الاجتماعي ويشمل:
خلل شديد في عدة سلوكات غير لفظية مثل التواصل البصري في فهم تعبيرات الوجه.
خلل في تكوين العلاقات مع الأصدقاء تتوافق مع مرحلة الطفل العمرية.
عدم القدرة على تبادل المشاعر مع الآخرين.
عدم مشاركة الآخرين اهتماماتهم وانجازاتهم.
2 خلل في التواصل ويشمل:
تأخر أو غياب كامل للكلام.
عجز واضح في القدرة على الاستمرار في تبادل حديث مع الغير.
استخدام متكرر للغة وطريقة خاصة في استخدامها.
فقدان ممارسة اللعب التنوعي أو التمثيلي.
3سلوك غير طبيعي في أحد الجوانب التالية:
التفاعل الاجتماعي.
اللعب الرمزي أو التحليلي.
استخدام اللغة للتواصل الاجتماعي.
4نمطية السلوك وتكراره وقلة الاهتمامات والأنشطة وتشمل:
الاهتمام المتكرر بشيء غير مألوف.
تعلق غير طبيعي ببعض العادات أو الأمور الروتينية التي لا معنى لها.
الانشغال المفرط بأجزاء الأشياء.
القيام بحركات تكرارية مثل تحريك الجسم كله أو رفرفة اليدين.
أسباب التوحـد:
هناك العديد من العوامل التي هي كامنة وراء ظهور التوحد منها ما تم تحديده ومنها ما بقي مجهولا، نذكر منها:
- العوامل البيئية: لقد أشارت الدراسات الحديثة إلى وجود ارتباط بين حالات توحد وإصابات بمرض الحصبة الألمانية وذلك في أبحاث أجريت في بريطانيا ووجد أن الآباء لم يقوموا بتطعيم أبنائهم، ولكن حتى الآن لا يمكن الجزم بأن أي عامل بيئي يكون مسبب رئسي للتوحد.
- العوامل الجينية: لقد أجريت دراسات على عائلات وتوائم وأظهرت هذه الدراسات أن نسبة الانسجام في التوائم أحادية اللقاح أكبر منها في التوائم ثنائية اللقاح وهي قابلة للتوريث بنسبة90% وتشير بعض الدراسات أن بعض المناطق في الكروموسومات تحتوى على جين أو أكثر مسبب للتوحد. ومن الممكن أن يرتبط التوحد ببعض الاضطرابات الجينية المختلفة مثل التشوه الجيني المورث(TuberousSclerosis) أو خلل كروموسومي مورث(Fragile X) (الحساني، 2005، ص5).
- العوامل البيوكيميائية: تشير بعض الدراسات إلى أن هناك ارتباط بين بعض حالات التوحد والتغير في كيمياء الدم. وذلك بعد أن تم عمل فحوصات وصور للدم وأيضا الناقلات العصبية للأطفال التوحديين واتضح أن لديهم خلل في نسب تواجد المادتين السيرتون والدوبامين(Serotonin&Dopamine) .
وأيا كان العامل المسبب للتوحد سواء مما ذآر أو غيره فإنها تودي إلى إصابات في الدماغ وهذه الإصابات هي المسئولة عن التوحد.
-
العوامل العائدة للتنشئة الاجتماعية: وهـي ترجع أسباب التوحد لظروف العائلة وتصورها:
ضعف علاقة التواصل بالأم، إثـارة غير كافية لعـواطف الطفل، رفض لهذه العلاقة.
تشخيص فارقي:
هناك تداخل وتشابه بين التـوحد وبين حالات الإعاقة الأخرى مما يودي إلى الحيرة والارتباك وهناك بعض النقاط المساعدة على التفريق:
- المتخلف عقليا يتعلق بالاخرين ولديه إلى جد ما بعض الوعي الاجتماعي، في حين يختفي سلوك التعلق لدى المتوحد حتى وإن كان ذكاءه متوسط.
- المتخلف عقليا يتفاعل بصريا في حين المتوحد لا يستجيب بالبصر.
- يفضل المتوحد الأصوات المرتفعة مقارنة بالمتخلف عقليا سواء في الكلام أو الموسيقى ولكن هذا نسبي وليس ثابت.
- المتوحد لديه القدرة على أداء المهمات اللفظية وكذا القدرة على الإدراك الحركي البصري عكس المتخلف الذي لا يملك هذه المهارات.
- يتباين الأطفـال المعـاقين والتوحديين من حيث النمو اللغوي والقدرة على التواصل وذلك من حيث مقدار ومدى استخدام اللغة في التواصل، فالمعاقين عقليا لديهم قـدرة لغوية واستخداماتهم للغة يتناسب مع مستوى ذكائهم، في حين أن الأطـفـال الـتوحديين قـد ينعدم وجود اللغة لديهم وأن وجـدت فإنـها تكون غيـر طبيعية.
- الأطفـال التوحدين يعانون من عيوب جسمية بنـسب اقل بكثـير من تلك التـي يعـاني منهـا الأطـفال المتعلقين ذهنيا.
- الأطفـال التوحديين قد يبدون بعض المهارات الخاصة مثـل التذكر وعزف الموسيقى، ممارسة بعض الفنون وهذا لا يوجد في حالة الأطفـال المعاقين عقليا.
- يتضمن سلوك الأطفال التوحديين بعض السلوكيات النمطية الشائعة مثل حركات الذراع واليد أمـام العينين، وكذلك الحركات الكبيـرة الأطفـال كالتأرجح والاهتزاز في حين يختلف السلوك النمطي الذي يظهره المتخلف ذهنيا. (الشربيني 2010)
ملاحظة:
ويجب التَرَيُثْ في تشخيص التوحد ويكون هذا الأخير من طرف فريق متعدد التخصصات إذ يضم طبيب أعصاب، طبيب نفسي، طبيب أطفال متخصص في النمو، أخصائي نفسي، أخصائي علاج اللغة والنطق.
المراجع:
DSM4
أسامة
فاروق والسيد كامل الشربيني. (2010). سمات التوحد. ط1.
الأردن: دار المسير للنشر
والتوزيع.
الحساني سامر عبد الحميد. 2005. فاعلية برنامج تعليمي باللعب لتنمية الاتصال اللغوي لدى أطفال التوحد. رسالة ماجستير. كلية الدراسات العليا. الأردن.
برخيسة
مريم. 2022. تطوير القدرة على التعبير الانفعالي لدى الطفل المتوحد من خلال
اللعب
الرمزي. أطروحة لنيل شهادة دكتوراه الطور الثالث. قسم علم النفس. جامعة معسكر –الجزائر.