اضطراب نقص الانتباه / فرط الحركة

تمهيد:

         يعتبر فرط النشاط مع أو بدون نقص الانتباه من بين الاضطرابات الأكثر انتشارا بين الأطفال، التي يشكو منها الأولياء والمعلمين، والتي يواجهها الأخصائي النفسي الممارس بشكل مستمر. وفيما يلي سنعرف بهذا الاضطراب، ونعرض الأسباب المؤدية إليه، الأعراض والتكفل النفسي بالطفل الذي يعاني منه.

1- تعريف اضطراب فرط النشاط مع أو بدون نقص الانتباه:

         هو اضطراب تظهر أعراضه منذ الطفولة المبكرة وتستمر حتى مرحلة المراهقة، ويشمل: النشاط الزائد، نقص الانتباه والاندفاعية، وكلها لها تأثير على حياة الطفل داخل الأسرة، المدرسة وعلى مختلف علاقاته الاجتماعية.ويقصد بفرط الحركة أو النشاط الزائد ذلك اللااستقرار الحركي وهو "زيادة ملحوظة جدا في مستوى النشاط الحركي تخرج عن حدود المعدل الطبيعي، حيث نرى الطفل يتململ، لا يستطيع البقاء في مكانه أو مقعده، نراه يجري في كل مكان، يتسلق كل شيء، كثير الحركة لا يهدأ، يتكلم كثيرا، كل ذلك بلا هدف محدد" (أحمد وبطرس، بدون سنة، ص10).

         إن أكثر الأعراض ظهورا لدى الأطفال الذي يعانون من هذا الاضطراب هو نقص الانتباه، إذ أن "درجة التركيز والانتباه لديهم قصيرة جدا، (...) غير قادرين على التركيز- التذكر- التنظيم،يظهرون كأنهم غير مهتمين لما يجري من حولهم، يجدون صعوبة في بدء وإكمال ما يقومون به من نشاط، وخصوصا ما يظهر أنه ممل أو متكرر أو فيه تحدي وتفكير، كأنهم لا يسمعون عندما تتحدث معهم، ولا ينفذون الأوامر المطلوبة منهم، يفقدون أغراضهم، وينسون أين وضعوا حاجاتهم، كتبهم وأقلامهم" (جراح والقرا،2016، ص73).  

         أما بخصوص الاندفاعية فهو أيضا ما يميز الأطفال المصابين بهذا الاضطراب، حيث نجدهم "مندفعين بطبعهم، لا يفكرون في الحدث ورد الفعل، يجيبون على السؤال قبل الانتهاء من [طرحه]، لا ينتظرون دورهم في الحديث أو اللعب، كثيرا ما يقاطعون الآخرين في الكلام واللعب، وهو ما يؤدي إلى عدم قدرتهم على بناء علاقات مستمرة مع الآخرين" (أحمد وبطرس، بدون سنة، ص10). وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا الاضطراب الذي يشمل في آن واحد: النشاط الزائد، نقص الانتباه والاندفاعية يجب أن يظهر في بيئتين مختلفتين أو أكثر كالمنزل والمدرسة.

2- أسباب اضطراب فرط النشاط مع أو بدون نقص الانتباه:

         هناك العديد من الفرضيات التي حاولت توضيح الأسباب الكامنة وراء ظهور اضطراب فرط الحركة مع أو بدون نقص الانتباه. وسنحاول ما تم التوصل إليه بهذا الخصوص فيما يلي:

- تفترض النظرية العصبية وجود خلل دماغي بسيط يعتبر سببا في ظهور هذا الاضطراب.

- التوافق الضعيف بين طبيعة الفرد والمتطلبات البيئية هو المسبب الرئيسي للمشكلة.

- إصابات دماغية ومختلف الصدمات والأمراض والاضطرابات التي قد يتعرض لها الدماغ، ومن بينها نقص الرصاص قبل الولادة، تعاطي الكحول، عدم اكتمال النمو، الالتهاب الدماغي والتهاب السحايا، الاختلالات الأيضية، والعديد من المتلازمات الوراثية، وجود خلل بعمل النواقل العصبية.

- تدخّل الجانب الوراثي في ظهور الاضطراب وذلك بعض القيام بمجموعة من الدراسات على التوائم والأسرى التي أثبتت نتائجها أن للوراثة دور في ظهوره (ميركولينو وآخرون، 2003، ص37-38).

- إصابة الأم بمختلف الأمراض أثناء الحمل والولادة المتعسرة، التفكك الأسري والحرمان الأمومي، وقد إثبات أن الأطفال المتواجدين في مراكز الطفولة المسعفة يعانون من الاضطراب (أحمد وبطرس، بدون سنة، ص12).

3- تصنيفات اضطراب فرط النشاط مع أو بدون نقص الانتباه:

لخص بن مصطفى عبد الكريم (2016، ص22) تصنيفات هذا الاضطراب في دراسته، حيث أشار إلى أن المرجع الوحيد الذي يمدنا بتصنيف لهذا الاضطراب هو الدليل التشخيصي والإحصائي الرابع (DSM4)،حيث يحتوي على مجموعة من الأعراض يتوجب توفرها من أجل نجاح التشخيص، وقد قدم ثلاثة تصنيفات هي كالآتي:

-  نمط اضطراب ضعف الانتباه والنشاط الزائد مع سيطرة أعراض ضعف الانتباه.

-  نمط اضطراب ضعف الانتباه والنشاط الزائد مع سيطرة أعراض النشاط الزائد والإندفاعية.

- نمط اضطراب ضعف الانتباه والنشاط الزائد النوع المركب.

4- تشخيص اضطراب فرط النشاط مع أو بدون نقص الانتباه:

         إن في عملية التشخيص لهذا الاضطراب هناك سؤالين مهمين يجب طرحهما يساهمان في تحديد ما إذا كان الطفل يعاني من الاضطراب فعلا أو أنه مجرد رد فعل اتجاه خبرة معينة، وهما: متى حدث هذا؟ أين ومع من؟إذا كانت الأعراض تظهر في كل مكان أو في كل بيئة ودائما فهذا يحيلنا إلى وجود اضطراب يستدعي التشخيص من طرف فريق متكامل: طبيب مختص في طب الأعصاب الطفولي، طبيب مختص في الطب العقلي للأطفال، أخصائي نفسي.

         إذا كانت الأعراض غير مستمرة وحديثة الظهور فهذا يعبر على أنها ثانوية وأنها رد فعل للطفل اتجاه موقف ما. إذا أن الطفل قد يستجيب بفرط حركة اتجاه موقف لا يروقه: حرمان عاطفي، اكتئاب، عدم تقبل المدرسة أو حدوث مشاكل على مستواها.وكل هذا يتم عن طريق جمع الأعراض، واستخدام الاختبارات، الملاحظة وجمع المعلومات من مصادر متعددة ومن بيئات مختلفة (Revol.O, 2006, p04).

         ما يجب الاعتماد عليه في عملية تشخيص هذا الاضطراب أيضا ما يلي:

- وصف عام: طفل في سن التمدرس: لا يشخص الاضطراب قبل ست سنوات، تظهر عليه أعراض بشكل غير عادي بالمقارنة مع سنه، ذكاء عادي، ظهور الأعراض في مواقف مختلقة وبيئات مختلفة: المدرسة، المنزل، شارع.

- دافع الاستشارة:استثارة ونشاط زائد منذ الطفولة المبكرة مع أنه لا يجب وضع تشخيص قبل ست سنوات ولكن يجب العودة إلى تاريخه ويجب أن يتوفر هذا لدى الحالة الحالية في مراحلها السابقة، صعوبات مدرسية.

- وجود ثلاثية الأعراض:

- فرط النشاط الحركي:يجب أن تتوفر ثلاث أعراض أو أكثر مما يلي:

- دائم الاستثارة، غالبا ما تقدم له المعلمة ملاحظة التوقف عن الحركة، يحاول الطفل الاستجابة لها دون جدوى.

-لا يبقى الطفل جالسا لوقت طويل، لا يجلس إلى طاولته، حتى وإذا لم يكن موقفا مدرسيا لا يمكنه البقاء جالسا.

- لا يلعب بهدوء، أثناء الاستشارة يحدث الطفل الضجيج والفوضى. وعندما يُطلب منه عدم إثارة الفوضى يعتذر ويعد ولكن يبدأ من جديد بعد الدقيقة الموالية.

- يقوم بأفعال مخاطرة، فتجده متعود على مصالح الاستعجالات الاستشفائية.

- يجري ويتسلق ويقفر كثيرا.

- صعوبة أو نقص الانتباه:

- صعوبة التركيز، فمثلا يمكنه الجلوس أمام النافذة في القسم لأن انتباهه يتشتت بسهولة، إذ أن أي صوت أو شيء يمكن أن يشوش انتباهه.

- تشتت انتباهه بسهولة، لا يستمع لما يطلب منه، ويبدو غير جاهز لتنفيذه.

- لا يكمل ما بدأه، إذا لا ينهي اللعبة، ولا الواجبات المطلوبة منه، ويمر من نشاط إلى آخر دون إنهاء الأول.

- اندفاعية:وهنا أيضا يجب أن تتوفر ثلاث عناصر حتى نتحدث عن اندفاعية.

- لا ينتظر حتى يأتي دوره في الرياضة أو اللعب أو عند طرح الأسئلة يجيب قبل الانتهاء من طرحها أو يجيب حتى وإن كان السؤال غير موجه له، يقطع حديث الآخرين.

- يمر من نشاط إلى آخر دون إنهاء السابق.

- لا يملك أي استراتيجية في التصرف، يجد صعوبة في تنظيم عمله، وينسى ما هو مطلوب منه ويفضل تدوين ما يجب عليه القيام به حتى يتفادى العقاب.

-لا يستجيب للأوامر (Revol.O, 2006, p05-06).

5- علاج اضطراب فرط النشاط مع أو بدون نقص الانتباه:

         يعتمد علاج هذا الاضطراب على مجموعة من الطرق والأساليب سنحاول تلخيصها فيما يلي:

- العلاج الدوائي:حيث يتم الاعتماد على الدواء كعلاج لهذا الاضطراب، ويقوم الطبيب المختص في الطب العقلي الطفولي بوصفه للطفل، ويتضمن المنبهات العصبية، الأدوية المضادة للاكتئاب. ولكن يجب الحذر عند إعطاء الطفل هذا النوع من الأدوية وكذا يجب اتباع تعليمات الطبيب وإرشاداته بالتفصيل.

- العلاج الغذائي والبدني:ويتضمن هذا النوع من العلاج: الأغذية التكميلية، المعالجات العشبية، الحمية الخاصة، التقليل من السكريات والحلويات والأغذية التي تحوي ملونات اصطناعية.أما فيما يتعلق بالجانب البدني فإنه يستحسن إدخال الطفل إلى نادي رياضي لممارسة رياضة معينة، وذلك من أجل التخلص من الطاقة الزائدة.

- العلاج السلوكي: يتم وضع برنامج خاص للطفل يعتمد على تدريب الوالدين على تعديل السلوك في المنزل،كما أن هناك برامج للمدرسة، وأخرى يقوم بها المعالج النفسي، والهدف من هذه البرامج هو مساعدة الطفل على امتلاك المهارات التي فقدها بسبب هذا الاضطراب وتحسينها، ويتضمن هذا البرنامج:

- زيادة الوضوح فيما هو مطلوب من الطفل، معرفة الأوامر بدقة وتوابعها من حيث العواقب والمكافأة.

- زيادة النظام في حياة الطفل وترتيب أغراضه، استخدام محفزات للتنبيه بالجرس والساعة.

- مساعدة الطفل على معرفة الخطوات التي تتكون منها الأشياء المطلوب إنجازها، وزيادة قدرته على توقع ما يمكن أن يحدث مثل: وضع جدول للإنجاز والمهام، إزالة الأشياء التي تسبب تشتت الانتباه (الديب، 2015، ص16).

- البرامج التربوية:يشكل الصف المدرسي بما يتطلّبه من انضباط ونظام وواجبات مهما كانت بسيطة عبئا على هؤلاء الأطفال، ليس لأنهم لا يفهمون المطلوب فدرجة الذكاء لديهم طبيعية، بل لأنهم لا يستطيعون التركيز والثبات في مكان والانتباه لفترة مناسبة لتدخل المعلومة إلى أذهانهم، وبالتالي تحليلها والاستفادة منها بشكل مناسب وهو ما نسميه التعلم، لدا فإن البرامج التربوية تركز على:يجب أن يُشرح وضع الطفل للمدرس بحيث يقدم له المساعدة، بعض الأطفال يعانون من مشاكل صعوبات التعلم كصعوبة في القراءة، الكتابة والحساب، يفضل إبقاء الطفل المصاب ضمن مجموعات صغيرة من الطلاب، أي داخل قسم لا يوجد به عدد كبير من التلاميذ، ويجب الأخذ في الحسبان أن الطفل يستفيد من الدروس القصيرة أكثر مما يستفيد من الدروس الطويلة،  إعداد برامج تعديل السلوك.

- برامج الإرشاد الأسري: إن هذا الاضطراب يحتاج إلى رعاية خاصة من قبل الوالدين، هذه الرعاية تحتاج إلى دعم من المجتمع ومؤسساته المختلفة، من خلال برامج الإرشاد الأسري، وهي تعتمد على ما يلي: توعية الوالدين والعائلة بحجم المشكلة، تثقيف الوالدين عن الحالة وكيفية التعامل معها، التوجيه للمراكز العلاجية الطبية والتربوية، الدعم النفسي والمعنوي (الديب، 2015، ص17).

خلاصة:

إن اضطراب فرط النشاط الحركي مع أو بدون نقص الانتباه من بين الاضطرابات التي تعيق دور الوالدين في تنشئة الطفل، وكذا تحول دون تحقيق العملية التعليمية، كما لا ننسى تأثير حالته على الإخوة وكذا زملاء الصف، ولهذا استوجب على المحيط تقديم المساعدة لهذا الطفل من أجله ومن أجل المحيط ككل.

قائمة المراجع:

1.     الديب، محمود السيد. (2015). منهج للتعريف بفرط الحركة وتشتت الانتباه. www.atadbir.com. Consulter le: 19/02/2020, à 16 :30

2.  أحمد، سهير كامل وبطرس، بطرس حافظ. (بدون سنة). قائمة تشخيص اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة لطفل الروضة. مصر: مكتبة الأنجلوالمصرية.

3.  بن مصطفى، عبد الكريم. (2016). فعالية برنامج علاجي سلوكي قائم على استراتيجية النمذجة في خفض اضطراب ضعف الانتباه والنشاط الزائد عند أطفال المرحلة الابتدائية. مذكرة لنيل شهادة الدكتوراه ل.م.د. تحت إشراف فقيه العيد. جامعة أبو بكر بلقايد. تلمسان.

4.  جراح، بدر أحمد والقرا، محمد حسن. (2016). فهم اضطرابات نقص الانتباه والنشاط الزائد لدى الأطفال والسيطرة عليه. الطبعة الأولى. الأردن: دار المعتز للنشر والتوزيع. 

5.  ميركولينو، ماريني؛ وباور، توماس؛ وبلوم، ناثن. (2003). اضطراب عجز الانتباه وفرط الحركة: دليل عملي للعياديين. ترجمة عبد العزيز السرطاوي وأيمن خشان. الطبعة الأولى. دبي: دار القلم للنشر والتوزيع.

6.  جراح، بدر أحمد والقرا، محمد حسن. (2016). فهم اضطرابات نقص الانتباه والنشاط الزائد لدى الأطفال والسيطرة عليه. الطبعة الأولى. الأردن: دار المعتز للنشر والتوزيع. 

7.     Revol, Olivier. (2006). Trouble de l’attention avec ou sans hyperactivité. Conférence APEDYS. VOIRON.

 


آخر تعديل: الثلاثاء، 8 نوفمبر 2022، 12:24 AM