الدرس السابع: اضطرابات الهوية الجنسية
اضطرابات الهوية الجنسية/ الانحرافات الجنسية
بناء الهوية الجنسية:
تمثل الهوية الجنسية سيرورة معقدة تبدأ من الحمل لتستمر من خلال مظاهر النمو النفس جنسي، وهي تتجاوز الجنس البيولوجي الذي يتحدد من خلال الأعضاء التناسلية ليشمل أبعادا متعددة، اجتماعية، ثقافية ونفسية، اذ من غير المعقول اختصار الهوية الجنسية في الكروموسومات والهرمونات أو الخلايا العصبية التي يولد بها، ولا باتباع المعايير الثقافية المحددة لمجتمعه فقط، بل هي تفاعل بين تلك المظاهر الموضوعية وأخرى ذاتية، ترجع لشعور الفرد بالانتماء إلى جنس معين، يرتبط ـــ حسب التناول التحليلي ــ إلى طريقة حل عقدة أوديب. يتم بناء الهوية الجنسية لدى الطفل من خلال السياق التقمصي خلال مراحل النمو النفسي الجنسي، ففي البداية لا يميز الطفل بين الجنسين، وليس له اهتمام بمسألة الهوية الجنسية، إنه لا يزال يؤمن بنظريته الطفلية حول وجود جنس وحيد، وعند اكتشافه للفرق التشريحي بين الجنسين، يجد نفسه أمام تهديد الخصاء، إذا سارت الأمور بطريقة طبيعية، فانه يتقمص الاب ويتخلى عن التعلق الشبقي بالأم والتوجه نحو مواضيع خارجية جديدة غير أن الحل غير السوي لعقدة أوديب ينجم عنه تشبث بالأم وتشبه بها، والابتعاد عن الأب وهذا ما يكون النواة الأولى للانحرافات الجنسية، فتقمص الطفل للام يضعه في موقف سلبي تجاه الأب، هذا التقمص يجعله يفقد عضوه الذكري ويبحث عن تعويض من الأب بمثابة موقف انكاري لقلق الخصاء، حيث أنه يحاول تجنبه بقلب الأدوار والتخلي عن الوظيفة الجنسية لعضوه (يامنة اسماعيلي وسمير محند، 2016، ص28)
اضطراب الهوية الجنسية:
يعرف روبر اضطراب الهوية الجنسية بأنه نوع من الاضطرابات التي توصف بوجود شعوري قوي بالاهتمامات غير المناسبة لهوية الجنس الاخر كأن يهتم الذكر بأمور الأنثى. ويلعب اختلال الدور الجنسي دورا بالغ الأهمية في نشأة اضطراب الهوية الجنسية وبخاصة لدى الأطفال (خالد محمد عبد الغني، 2014، ص22).
هناك عوامل مساعدة في ظهور اضطراب الهوية الجنسية منها:
- تشجيع الوالدين أو صمتهم أو عدم اكتراثهم مما يجعل الطفل يدرك مباركتهم لسلوكه.
- غياب المثل الجيد والمناسب.
- التماهي مع الوالد من الجنس الاخر، فالولد المتعلق بأمه بشكل كبير قد يصبح أنثوي.
- وجود ملامح أنثوية لدى الولد أو العكس يجلب التعليقات والتحرشات.
- حدوث اعتداء جنسي على الطفل.
- ارتداء الطفل للملابس الانثوية بتشجيع من الوالدين واستخدام الزينة واطلاق لقب أنثوي عليه(خالد محمد عبد الغني، 2014، ص23).
يشير الدليل الاحصائي والتشخيصي للاضطرابات العقلية في نسخته الرابعة إلى اضطراب الهوية الجنسية من خلال الأعراض المحددة له، أين يظهر تقمص شديد ودائم للجنس الآخر، لا يكون بهدف الحصول على أي منافع متعلقة بالجنس الآخر، مع الانزعاج الدائم من الانتماء إلى جنسه التشريحي، يظهر لدى الأطفال من خلال التوجه نحو ألعاب، ملابس وأدوار الجنس الآخر، في حين يظهر لدى المراهق من خلال الرغبة الصريحة في أن يكونوا من الجنس الآخر أو الرغبة في أن يعيشوا أو يُعامَلوا على أنهم من الجنس الآخر، أو القناعة بأن لديهم مشاعر نموذجية وردود أفعال الجنس الآخر (يامنة اسماعيلي وسمير محند، 2016، ص33)
ويتكلم التصنيف العالمي للاضطرابات النفسية CIM 10 عن اضطراب الهوية الجنسية، بكونه "رغبة عامة عند الطفل للتحول إلى الجنس المقابل للجنس الفعلي، أو الإصرار على الانتماء إلى الجنس المقابل، بالإضافة إلى رفض شديد لسلوك أو صفات أو ملابس الجنس الفعلي أولها جميعا".
الملاحظ هو أن النسخة الرابعة من DSMوCIM 10 قد تكلما عن الرغبة في أن يكون الفرد من الجنس الآخر باعتبارها (اضطراب-trouble-Disorder) في حين أن الـDSM 5 يسمي نفس الاعراض باسم (الانزعاج-Dysphorie-dyphoria) أي (انزعاج من النوع-Gender dysphoria-dysphorie de genre)، هذا التغيير لا يزال محل نقاش علمي.
فيما يلي سوف نعرض
المؤشرات التشخيصية للانزعاج من النوع الجنسي لدى المراهق حسبDSM 5:
* تناقض واضح بين الجنس المعبر عنه
والجنس الفعلي لمدة ستة أشهر، يصاحبه تدني واحباط ملحوظين في مجالات الأداء
الاجتماعي، المهني والأكاديمي، يتجلى من خلال أحد المظاهر التالية:
- تناقض في الجنس المعبر عنه والخصائص الجنسية الأولية والثانوية؛
- رغبة في التخلص من الخصائص الجنسية؛
- رغبة في الخصائص الجنسية للجنس الآخر؛
- رغبة في أن يكون من الجنس الآخر؛
-رغبة في أن يُعامل كالجنس الآخر؛
-قناعة قوية في أن لديه مشاعر وردود فعل مثل الجنس الآخر23 ص34
يتضح لنا بأن الفرد الذي يحمل هذه الاعراض يعيش حياته باعتباره ولد في الجنس الخطأ، مثل أن يعتقد الذكر بأنه أنثى في جسد ذكر، لذلك يرغب في التخلص من هذا الجسد الخطأ، ليعيش في جسد آخر موافق لما يحس به (يامنة اسماعيلي وسمير محند، 2016، ص35)
الانحرافات الجنسية:
وهي اضطرابات تمس العملية الجنسية لدى الفرد الراشد، ولكن مرحلة البدء قد تبدأ منذ الطفولة أو المراهقة ولهذا تم تناولها في هذه المادة، وفيما يلي سنعرض اضطراب الهوية الجنسية والانحرافات الجنسية.
1- الجنسية المثلية (Homosexualité): هي انحراف في الغريزة الجنسية وحب الشخص الشاذ لجنسه وعدم ميله للجنس الآخر، ويطلق المصطلح على العلاقات التي يتخذ فيها الفرد استثمار الليبيدو في موضوع خارجي من نفس الجنس. وقد نجدها تحت اسم اللوطية لدى الذكور والسحاق لدى الإناث. ومن بين النظريات المفسرة للجنسية المثلية نجد نظرية التحليل النفسي حيث أرجعها فرويد إلى الخوف من فقدان العضو التناسلي (قلق الخصاء)، فالطفل يلجأ إلى حل الموقف الأوديبي حلا خاطئا عن طريق التماهي مع شخصية الأم وقد يرى أباه كشخص له جاذبية جنسية وذلك بدلا من حل الموقف الأوديبي عن طريق التماهي مع شخصية الأب، ومن بين الأسباب لظهور الجنسية المثلية هو تعرض الطفل إلى خبرة شاذة فيتجه حبه نحو نفس جنسه. بينما أدلر ربطها بشعور الفرد بالنقص والخوف من الفشل. النظرية السلوكية والتي يرى أصحابها بأنها سلوك متعلم فيتعلمه الطفل من الراشد من نفس جنسه كما تجدر الإشارة إلى دور التنشئة الأسرية في تعزيز سلوكات هي بدورها تعرقل التنميط الجنسي. النظرية البيولوجية والتي ترجعها إلى وجود خلل على مستوى الدماغ أو الجينات أو إفرازات الغدد.
وتصنف الجنسية المثلية إلى نوعين الأول يضم النوع الإيجابي (كل جنس يمثل دوره) والثاني وهو السلبي (تنعكس الأدوار).
2- الفيتيشية (Fétichisme): تتجلى في إشباع الرغبة الجنسية عن طريق الانجذاب إلى أجزاء الجسد كالقدم مثلاً، ونجده عند الذكور دون الإناث كأن يثير الشخص حذاء امرأة أو فستانها ...أما هي فلا تحرك فيه الشهوة فيكتفي بتحقيق اللذة عن طريق اللمس أو الرؤية. وتُشخص الفيتيشية إذا تم التعرف على أن الإشباع الجنسي للشخص يتم من خلال اقتناءه شيء غريب يسبب له الاستثارة الجنسية، أو ملاحظة أن الشخص محبط لعدم قدرته على الحصول على شيء يحقق له الرضا الجنسي. ومن أسباب الفيتيشية ما يلي:
- حب الاستطلاع الذي يكون في المراهقة وتجدر الإشارة إلى أن حب الاستطلاع هو غريزة فطرية توجد عند الانسان منذ صغره.
- الحرمان المعرفي من موضوع الجنس داخل المجتمع وجعله طابو مما يدفع المراهق إلى تحقيقه بطرق خفية لا تتطلب حضور كامل للموضوع الجنسي.
- عدم ثقة الفرد بنفسه وبقدراته وخوفه من الرفض أو التعرض للإهانة، فيسعى إلى ما يحقق له الأمان النفسي وما يعوضه عن الشعور بالنقص.
3- التلصص: وهو الانجذاب الجنسي للتجسس على الأجسام العارية أو رؤية الآخرين وهم يمارسون الجنس وأيضاً الاستماع إلى المحادثات الهاتفية الجنسية وهذا يحقق للشخص الاستمتاع والإشباع الجنسي والأمر يحدث خفية دون أن يراه الآخرين أو يشعرون به، ولتشخيصه نعتمد على معيارين هما:
- بعد مرور 6 أشهر لابدّ من أن يعاني الشخص من خيالات متكررة وحادة من الاستثارة أو الرغبة أو السلوك الجنسي للتلصص.
- هذه الخيالات والرغبات والسلوكات لابدّ أن تدخل في إطار الوصف الطبي على أنها سلوكيات شاذة في الوسط الاجتماعي للشخص المتلصص، فالسلوك الشاذ هو سلوك تلصصي ويجب أن تُحدث هذه الخيالات والرغبات والسلوكات الجنسية نوعاً من الإحباط للشخص وتعوقه من ممارسته أنشطته اليومية بشكل طبيعي.
4- البدوفيليا:وهي اشتهاء الأطفال دون الراشد ودون تحديد الجنس، وتم الإشارة إليها هنا لأنه إذا تعرض الطفل إلى اعتداء جنسي من راشد فإن ذلك سيؤدي به إلى التماهي مع المعتدي وبالتالي يصبح هو نفسه معتدي على الأطفال عندما يكبر، أو يدخل في الجنسية المثلية إذا كان المعتدي من نفس جنسه. ويشخص حسب DSM5 :
- على مدى 6 أشهر على الأقل، استثارات جنسية أو خيالات أو اندفاعات أو سلوكيات متكررة وكثيفة تتضمن نشاطا جنسيا مع طفل أو أطفال دون سن البلوغ.
- لقد تصرف الفرد وفقا لهذا الاندفاعات الجنسية، أو أن هذه الاندفاعات الجنسية أو تخيلات تسبب إحباطا هاما أو صعوبة في العلاقات الشخصية، أو غيرها من المجالات الأداء الهامة الأخرى.
- يكون الفرد قد بلغ 16 سنة على أقل وأن يكون أكبر بخمس سنوات على الأقل من الطفل أو الأطفال.
ملاحظة: لا تشمل الفرد في أواخر المراهقة والمنخرط في علاقة جنسية مع فرد آخر في عمر 12-13 سنة.
5- التلبس أو اضطراب لبس ملابس الجنس الآخر:
- على مدى 6 أشهر على الأقل، استثارات جنسية متكررة وكثيفة من لبس ملابس الجنس الآخر كما يتجلى عبر خيالات أو اندفاعات أو سلوكيات.
- إن هذه الاندفاعات الجنسية أو التخيلات أو السلوكيات تسبب إحباطا
أو تدنيا سريريا هاما في المجالات المهنية أو الاجتماعية، أو غيرها من مجالات الأداء
الهامة الأخرى. (محمد حسن غانم، 2014، ص199).
6- اشتهاء الموتى / اشتهاء الحيوانات:
انحراف جنسي يتسم بذلك الميل إلى اشتهاء لمضاجعة الجثث فيما يتعلق بانحراف اشتهاء الموتى، ومضاجعة الحيوانات فيما يتعلق بانحراف اشتهاء الحيوان، ويصاحب بتمام الفعل الجنسي. (فرج عبد القادر طه، ب س، ص51)
المراجع:
خالد محمد عبد الغني. 2014. اضطراب الهوية الجنسية والقلق والضغوط. الطبعة الأولى. عمان: الوراق للنشر والتوزيع.
يامنة اسماعيلي وسمير محند.
2016. اضطراب الهوية الجنسية. مجلة معارف. العدد 21. ص ص25-47
محمد
حسن غانم. 2014. الاضطرابات الجنسية. مصر: المكتبة الأنجلو المصرية.
فرج عبد القادر طه وآخرين، بدون سنة، معجم علم النفس والتحليل النفسي، الطبعة الأولى، بيروت: دار النهضة العربية للطباعة والنشر.