تصميم الفرد الواحد (  التصميمات البحثية للعينات الصغيرة):

تجرى التصميمات السابقة للبحوث التجريبية على عدد من الأفراد، ولكن أحيانا ما تظهر الحاجة في الدراسات التربوية والنفسية إلى إجراء بحث على فرد واحد، وبخاصة في البحوث التي تهدف إلى تعديل السلوك، وقد يعتقد بعض الناس أن تصميم الفرد الواحد مناظر لدراسة الحالة، إلا أنهما مختلفان تماما، فتصميمات الفرد الواحد بحوث لمعالجة أو معالجات  تجريبية، أما دراسة الحالة فهي عبارة عن وصف متعمق للفرد، ويمكن استخدام هذا التصميم لاكتشاف علاقات العلّة والمعلول بفاعلية كبيرة.  ( أبوعلام، 2007، ص 228)

وهناك انتقادات توجه لبحوث الفرد الواحد منها ما يتعلّق بالصدق الداخلي ومنها ما يتعلّق بالصدق الخارجي، وبالنسبة للصدق الخارجي فهي أننا لا يمكننا تعميم النتائج على المجتمع الذي ينتمي إليه الفرد الذي أجري عليه البحث، وعلى الرغم أن هذا النقد صحيح في أساسه إلا أننا لا نستطيع في البحوث التي تجرى على مجموعة أن نعمم النتائج على أي فرد فيها، حيث إن متوسط  أداء الجماعة في الاختبار البعيد لا يعكس أداء أي فرد بشكل كامل، ولذلك فإن لكل من تصميمات الفرد الواحد  والتصميمات الجمعية مشكلات التعميم المرتبطة بها، وإذا كان الباحث مهتما بتعديل أداء فردها، فإن البحوث الجمعية لن تكون مناسبة له، والأنسب استخدام بحوث الفرد الواحد.

وعادة ما يكون اهتمامنا منصبا على تعميم نتائج البحث على أفراد غير أولئك  الذي طبق عليهم البحث، ومفتاح تعميم نتائج بحوث الفرد الواحد هو تكرار  البحث، فإذا أعاد باحث إجراء نفس المعالجة باستخدام تصميم الفرد الواحد على عدد من الأفراد، وحصل على نفس النتائج في كل مرة ( أو علة معظم الأفراد على الأقل)، فإن ثقتنا تزداد في النتائج، ويكون لدينا ما يشير إلى إمكانية تعميم النتائج على الأفراد الآخرين، وإذا قام باحثون آخرون بإجراء نفس البحث باستخدام تصميم الفرد الواحد على أفراد آخرين وحصلوا على نفس النتائج، يصبح لدينا ثقة أكبر في أسلوب المعالجة المستخدم.

 ( أبوعلام، 2007، ص 228)

أما بالنسبة للصدق الداخلي فإذا طبق الباحث أساليب الضبط المناسبة على تصميم الفرد الواحد، فإن الصدق الداخلي للدراسة يكون عاليا جدا، وأكثر الجوانب ثابتة سواء قبل المعالجة أو بعدها، حتى نحصل من الفرد على أداء يمكن الوثوق فيه، ومن أهم العناصر المرتبطة بذلك هو تطبيق الأدوات المستخدمة في نفس الظروف كل مرة تماما، وتناسق القياس مهم على وجه الخصوص عندما تنتقل من حالة لأخرى. ويجب تفصيل إجراءات المعالجة تفصيلا دقيقا حتى يمكن تكرارها بالضبط كل مرة.

ومن العناصر الأخرى المؤثرة في تصميم الفرد الواحد الفترة الزمنية المتعلّقة بخط القاعدة، ومن الأسئلة المهمة في هذا الجانب هي ما عدد الملاحظات الواجب القيام بها قبل الانتقال إلى الحالة الثانية (ب) ورغم أنه لا توجد إجابة على هذا السؤال، إلا أن الغرض من الملاحظات التي تتم في الحالة ( أ) هي تكوين صورة سليمة عن السلوك الذي نهدف إلى دراسته كما يحدث في الموقف الطبيعي، لأن خط القاعدة هذا هو الذي يحدّد أساس المقارنة عن تقويم فاعلية المعالجة، ولو كان السلوك الإنساني يتصف بالاستقرار والثبات لما كانت هناك أي مشكلة، ولكن الواقع غير ذلك، فالسلوك متغير بل وأحيانا ما يكون كثير التغير، فلو كان السلوك الذي نهتم به هو سلوك العدوان مثلا، فإننا لا نتوقع من الطفل أن يقوم بنفس السلوك في كل مرة بالضبط وان يظهر نفس حدة العدوان وتكراره، بل عادة ما يكون السلوك متذبذبا في شدته، إذ يكون الطفل أكثر عدوانية في بعض الأوقات دون الأخرى، ولذلك لابد من القيام بعدد كاف من الملاحظات في الحالة الأولى ( أ)  بحيث يشكل نمطا لدى الطفل موضوع البحث، وهذا ما يمكن أن نطلق عليه استقرار خط القاعدة، فقد يقوم الطفل خلال نصف ساعة مثلا بعدد من سلوك العدوان يتراوح بين خمس وعشر مرات، ويكون هذا العدد فيما بعد هو الأساس الذي نقارن به مدى التغيّر في سلوك العدوان أثناء المعالجة.

وقد زاد استخدام بحوث الفرد الواحد بشكل مطرد منذ أواسط الستينات من القرن العشرين، وكان ذلك راجعا إلى زيادة في تطبيق أساليب تعديل السلوك التي أخذت تنتشر منذ ذلك الوقت تقريبا.            ( أبوعلام، 2007، ص 229) ،  وسوف نناقش فيما يلي تصميمين من تصميمات الفرد الواحد.

1-     تصميم أ -  ب – أ :

في هذا التصميم يشير الرمز (أ) إلى الحالة القاعدية، والرمز ( ب) إلى المعالجة، ويعتبر هذا التصميم شبيها بالسلاسل الزمنية ولكن مع اختلاف هام هو أن الاختبار البعدي في السلاسل الزمنية ليس شبيها تماما بتكرار الحالة القاعدية (أ).

لنفرض أنا لدينا طفلا كثير العدوان في الفصل على زملائه فمن الممكن استخدام هذا التصميم لدراسة سلوكه، ونبدأ بتحديد خط قاعدي للسلوك الذي نود دراسته وليكن عدد الاعتداءات التي يوجهها الطفل لزملائه خلال أربعة أو خمسة أسابيع (أ)، ونبدأ بعد ذلك بتقديم المعالجة التجريبية (ب) ، فقد نستخدم التعزيز وذلك بتقديم معزّز ما ( كالحلوى مثلا) للطفل في كل حصة تمر دون أن يعتدي على أحد من زملائه، ويعتبر التعزيز هو المتغير المستقل، ونظل نلاحظ المتغير التابع ( سلوك العدوان) حتى يستقر سلوك الطفل عند حدّ معين، وتأتي بعد ذلك المرحلة الثالثة من التصميم وهي المرحلة التي تتوقف فيها المعالجة ونعود مرة أخرى إلى الحالة القاعدية (أ)، ويتم في هذه المرحلة ملاحظة وتسجيل السلوك مرة أخرى، فإذ كان نمط السلوك هو نفسه في الحالة الأولى ( خط القاعدة الأول) رغم انخفاض السلوك العدواني أثناء فترة المعالجة (ب)، يمكن أن نستنتج أن المتغير المستقل أدى إلى انخفاض في المتغير التابع، ولكن إذا كان خط القاعدة الثاني مختلفا عن خط القاعدة الأول، فإن الأمر يحتاج إلى دراسة أكثر قبل تحديد العلاقات السببية ويشبه خط القاعدة الثاني الاختبار البعدي، إلا أن التوقع هنا مختلف، ففي خط القاعدة الثاني نتوقع عودة الظروف إلى ما كانت عليه قبل المعالجة التجريبية، أما في الاختبار البعدي فإننا نتوقع اختلاف الأداء عنه في الاختبار القبلي            ( أبوعلام، 2007، ص 229-230 )، ويمكن تصوير الفرد الواحد أ -  ب – أ على النحو التالي:

           اال    

2-     تصميم أ – ب – أ – ب:

هذا التصميم هو نفس التصميم السابق مع إضافة معالجة ثانية، واستخدام هذا التصميم جاء نتيجة اعتراض هام على تصميم أ – ب – أ وهو إنهاء التجربة أثناء مرحلة المعالجة، ولذلك فإن هذا التصميم يقوّي من نتائج التجربة بإظهار أثر المعالجة مرتين، ويمكن بالطبع تمديد مرحلة المعالجة الثانية إلى ما بعد النهاية الفعلية للدراسة، بل ولفترة لغير معلومة إذا رغب الباحث في ذلك، وإذا كان أثر المعالجة واحداً خلال المرحلتين (ب)، فإن هذا يقلّلُ كثيرا من احتمال أن يكون هذا الأثر راجعاً إلى متغيرات خارجية تصادف وجودها أثناء المعالجة، ويمكن تصوير تصميم أ – ب – أ – ب كما يلي:   اا     

مـــــــــــــــرور الزمـــــن

وعندما يكون هذا التصميم مناسبا للتجربة فإنه يساعد على إظهار أدلة على فاعلية المعالجة. ( أبوعلام، 2007، ص 230 )  


Last modified: Sunday, 30 April 2023, 5:30 AM