الدرس الأول :    موضوع علم النفس الاجتماعي (النشأة)

 

1. موضوع علم النفس الاجتماعي:

قبل الإشارة إلى موضوع علم النفس الإجتماعي، يجب التطرق إلى بعض العناصر والعناوين التي تعتبر مهمة في المحاضرة، وهذا لتوضيح المادة مثل الإشارة إلى نشأة علم النفس الإجتماعي وتطوره، ميادينه، أهدافه..... وصولا إلى موضوع علم النفس الإجتماعي وهو المطلوب منا.

1/1. نشأة علم النفس الإجتماعي وتطوره:

بدأ علم النفس الإجتماعي كغيره من العلوم الأخرى فرعا من الفلسفة ولم ينفصل عنها إلا متأخرا، ويرجع بعض الباحثين النشأة الأولى لعلم النفس الإجتماعي إلى آراء الكثير من المفكرين الذين حاولوا تغيير السلوك الإجتماعي، واختلفت الآراء حول طبيعة الإنسان، وما إذا كان السلوك مصدره الطبيعة أم المجتمع؛ إذن أول عنصر شجع على بروز علم النفس الإجتماعي كاختصاص علمي هو علاقة الإنسان بمحيطه، بحيث كانت هذه القضية ظاهرة إهتم بها العلماء منذ القدم أبرزهم : إبن خلدون، أوجست كونط، أرسطو وهم الذين مهدوا الطريق بصفة غير مباشرة لبروز ما بعرف اليوم بعلم النفس الإجتماعي.

ولعل أفلاطون وأرسطو هم أول من اهتم بجوهر الطبيعة البشرية، وكما يتضح من جمهورية أفلاطون نجده يفسر سلوك الإنسان على انه النتاج العام لمؤشرات المجتمع المختلفة، فسلوك الفرد يعتمد في تكوينه وأهدافه على الجماعة، وعلى ذلك يمكن تغيير سلوك الفرد بواسطة الهيئات التعليمية والاجتماعية، كما يرى أن الناس يولدون ولديهم القدرة على تعلم طرق السلوك التي يدربهم عليها المجتمع، ويمكن تحويل الإنسان إلى كائن اجتماعي بالعملية التي نسميها التنشئة الإجتماعية Socialization ، وبهذا يتوقف سلوك الفرد على المجتمع.

أما أرسطو فكان يفسر سلوك الإنسان على أساس الوراثة الحيوية، ويرى أن الإنسان يولد بغرائز تسيره، ولا يمكن تبعا لذلك تغيير طبيعة الفرد كما لا يمكن تغيير المجتمع وأن ما يدعم نظرته السطحية هذه هو تشابه الناس في المدن اليونانية المختلفة وتوحد أنماط وأسلوب حياتهم.

إن نظرية الغرائز لم تمض على أي حال دون تحد لها، فقد حاول مونتسكيو مثلا تفسير الاختلاف في سلوك الجماعات إلى المناخ، وكان يعتقد أن للمناخ الحار أثرا قويا في إنتشار الرق وبالتالي يساعد على الخمول والكسل، في حين أن المناخ البارد لا يساعد على الرق وبذلك يساعد على النشاط والعمل، ( بني جابر، 2015، ص25-26).

وفسر تارد (tarde) السلوك الإجتماعي على أساس التقليد، بحيث انه أول من استعمل مصطلح علم النفس الاجتماعي وهو مختص فرنسي غي علم الإجرام (1888م) ، ميزة هذا المؤلف أنه عرف العلاقات الاجتماعية بأنها " علاقات إنسانية متماثلة يطغى عليها الجانب النفسي الذاتي "، بل أكثر من ذلك اقترح هذا المؤلف تفسير العلاقات الإجتماعية معتبرا أنها تنشأ عن طريق المحاكاة، كما أنه اعتقد أن السلوك الإجرامي ينشا أيضا عن طريق المحاكاة.

كذلك أوضح جوستاف لوبون Gustave le bon (1841-1931) أن أهم القوى التي تساعد على تجانس الجماعات هي الاستهواء والتقليد والمشاركة الوجدانية.

وقد جاء بعد أفلاطون  وأرسطو سانت أوجستين Augustine St. وجون لوك J.locke (1632-1704) وبنثام Bentham (1748-1832) وغيرهم من الفلاسفة الاجتماعيين ممن اهتموا بمشكلة الفرد والجماعة، حيث يرى هؤلاء أن المغالاة في حقوق الفرد كفرد دون اعتبار لحقوق الجماعة تؤدي إلى الفوضى، والمغالاة في حقوق الجماعة كجماعة دون أي اعتبار لحقوق الفرد تؤدي إلى الاستبداد، و الموازنة بين حقوق الفرد وحقوق الجماعة تؤدي إلى الديمقراطية.

وفي العصر الحديث، أعلن توماس هويز T.hobbes (1588-1679) أن الإنسان أناني مغال في إيثاره الدائم لنفسه ويلخص (هوبز) دوافع السلوك البشري في البحث عن المتعة والابتعاد عن الألم، أي أن الفرد ينزع بسلوكه إلى كل ما يحقق لذة ويعزف عما يؤذيه، وبالتالي خالفه (جان جاك روسو) الذي يرى أن الإنسان بطبيعته خير طاهر بطابعه العام نكران الذات، لكن الحضارة هي التي أفسدته وصبغته بالشر، ويرى الفيلسوف الإسكتلندي دافيد هوم Hume (1711-1776) أن التعاطف بين الناس هو القوة الأولى للعمليات الإجتماعية.

وفي القرن التاسع عشر الذي شهد الثورة الصناعية وقيام الرأسمالية في أبشع صوره، قام (جيرمي بنتام) بالدعوة إلى أن الإنسان يسعى للربح على حساب الآخرين، ويمارس اللذة الذاتية الخلقية، وبالتالي يسعى لخدمة ذاته أولا.

وبتطوير نظرية التطور لشارلز داروين عام 1859، كان يؤكد على صراع الإجتماعي من أجل البقاء، وساعد على تأكيد هذه الفكرة التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر،  فنجد أن (هربرت سبنسر) يبين بأن هناك شعوبا أصلح من شعوب أخرى وأقوى منها وهذا يبرر لها استعمار هذه الشعوب.

وقد أثرت آراء (فرويد) ونظرياته في علم النفس الإجتماعي خاصة فيما يتعلق بالتنشئة الاجتماعية وأثر الخبرات الأولى في الحياة، وهو يفسر الرابطة بين أفراد الجماعة على أساس اللبيدية الجنسية، كما فسر العلاقة بين القادة والأتباع على أساس جنسي أيضا.

وفي منتصف هذا القرن، كتب (أوجسن كونط) مقالا يبين فيه بأن الإنسان هو الأصل في المجتمع وأنه نتيجة له وأن الإنسان قادر على تشكيل مجتمعه وتشكله به في الوقت نفسه ( بني جابر، 2015،ص26).

ويعتبر لازروس Lazaruss (1824-1903) وهيرمان ستينثال Steinthal(1823-1899) من المؤسسين الأوائل لعلم النفس الاجتماعي، إذ قسما هذا العلم إلى ميدانين الأول يبحث في العوامل التي تفسر سلوك الجماعات كافة، والثاني يبحث في العوامل التي تفسر سلوك كل نوع من أنواع الجماعات.

وقبل نهاية القرن التاسع عشر اهتم بريد Brid بدراسة الإيحاء وأثره المباشر في سلوك الجماعات وفي السلوك الاجتماعي للفرد.

ولقد بدأ التجريب في علم النفس الاجتماعي في سنة 1898 عن طريق (نورمان تريبليت)، وقد اتجه العالم فونت w.wundt (1832-1921) إلى التجريب في علم 1908 عندما ألف كل من (روس) في أمريكا و(مكدوجل) في بريطانيا كتابين يحملان إسم علم النفس الاجتماعي، بحيث كان (روس) يرى أن السلوك الاجتماعي هو وظيفة للتفاعل الاجتماعي وعلم النفس الاجتماعي عنده مظهر من مظاهر دراسة المجتمع.

أما (مكدوجل) فقد بسط في كتابه نظريته عن الغرائز ووصفها بأنها المحركات الأولى والدوافع الجوهرية للسلوك، وفي سنة 1920 أظهر هذا المؤلف كتابه الثاني في علم النفس الاجتماعي وأسماه العقل الجمعي، وبسط فيه الأسس العامة والخطوط الرئيسية لعلم النفس الاجتماعي، ولقد نشأت هذه الفكرة من اختلاف سلوك الجماعات عن سلوك الأفراد، فقد تجنح الجماعة إلى سلوك عدائي شاذ، وهي بسلوكها هذا تختلف عن سلوك كل فرد من أفرادها لو كان بمعزل عنها، وعن تأثيرها الجماعي ولذلك افترض (مكدوجل) وجود عقل جماعي عام يسيطر على سلوك الجماعات، ويتميز عن مكوناته الفردية.

وقد عارض (واطسون) ( 1878-1958) (دنلاب) في بحثه الذي نشر سنة 1919 حول نظرية الغرائز ويتلخص نقد (دنلاب) ومن تبعه في أن الغرائز وحدات معقدة، ولقد أدى هذا الاتجاه إلى ظهور إصطلاحات جديدة مثل الدوافع، الحوافز، البواعث، المثيرات وغيرها (بني جابر، 2015، ص27).

وبينما كان الجدل العلمي قائما بين دعاة الغرائز ومعارضيها، كان علم الأجناس البشرية ينشئ لنفسه فروعا جديدة في علم النفس الاجتماعي ليفسر مظاهر الثقافة في تطورها وانتقالها ودورها في تشكيل الفرد وانتقالها من جيل الى جيل ومن فرد لآخر.

وكان للبحث العلمي المنظم في النمو النفسي وفي سيكولوجية الطفولة فيما بين 1910-1920 أثره في أبحاث علم النفس الاجتماعي الخاصة التنشئة الاجتماعية وبالنمو الاجتماعي للطفل، وفي دراسة العمليات النفسية المختلفة التي تلائم بين الفرد وبيئته الخارجية وتخضع سلوكه لقوانين المجتمع ولتقاليده وينتقل بن كيرت ليفين K. Lewin إلى ما أسماه " بالمجال النفسي" حيث يدرس الفرد كجزء من المواقف المختلفة التي تدفعه نحو سلوك معين، ويركز على دراسة الفرد في تفاعله مع المواقف والخبرات المتعددة التي توثر في سلوكه، ويؤكد على العوامل الذاتية التي تؤثر في سلوك الفرد وفي المواقف والخبرات التي تتطلب مثل هذا السلوك.

ولقد كان للحربين العالميتين الأولى والثانية في النصف الأول من القرن العشرين أثر بارز في تطوير علم النفس الاجتماعي، فازداد الاهتمام بمشاكل الحياة اليومية وتقدم علم النفس الاجتماعي التجريبي ليشمل موضوعات عديدة مثل الاتجاهات النفسية الاجتماعية، والتعصب، والمعتقدات، والإشاعات والروح المعنوية والدعاية والإعلام والعلاقات العامة والرأي العام والانتخابات والقيادة والسيطرة والخضوع..... وهكذا اتجه علم النفس الاجتماعي من إطاره الفلسفي في نشأته من مجرد وصف الظواهر العلمية إلى التجريب الدقيق، واتجه من البحوث النظرية الأكاديمية إلى البحوث العلمية العملية ( بني جابر، 2015، ص28-29).

إضافة إلى طبيعة التركيبة الاجتماعية للولايات المتحدة الأمريكية والتي كانت مشكلة من أقليات وطنية جنسية طرحت على الساحة الاجتماعية لهذا البلد العديد من المشاكل المرتبطة بقضية الاندماج الاجتماعي لهذه الأقليات كما أنها أفرضت سلوكات إنحرافية مثل: الإجرام كان من الضروري التكفل بها من طرف الأخصائيين الشيء الذي فسح لعلماء النفس الإجتماعي فرص ومجالات لتدعيم قيام التفاعل بين الأقليات والمجموعات الإنسانية لهذا المجتمع ( علي، مشربط (2006). محاضرات في علم النفس الاجتماعي  .محاضرات غير منشورة، قسم علم النفس وعلوم التربية، جامعة تلمسان).

Modifié le: dimanche 23 avril 2023, 23:26