الدرس الخامس : بناء الجماعات 

 

3-بناء الجماعات:

من صفات الكائن البشري وجود علاقات بينه و بين الآخرين لأن وجود الجماعة البشرية يعني بالضرورة وجود تفاعل اجتماعي سواء كان في المدرسة أو العمل أو في المجتمع المحلي بغض النظر عما إذا كانت هذه الجماعة صغيرة العدد أم كبيرة، لذا تجد بعض أفراد الجماعة يشعر بالراحة و الاطمئنان و يتمتع بالصحة النفسية و تحقيق الذات لوجوده داخل الجماعة، و البعض الآخر يشعر بالضيق و الاضطراب و القلق و الإحباط من تعامله مع أفراد الجماعة.

و يحتل موضوع العلاقات الاجتماعية مكانة هامة في علم النفس و علم الاجتماع، بل أن معظم المؤلفين و العلماء يرون أن العلاقات الاجتماعية هي أساس علم الاجتماع و علم النفس الاجتماعي، لأن العلاقات الاجتماعية تحدّد الروابط و الآثار المتبادلة بين الأفراد و المجتمع، و هي تنشأ من طبيعة اجتماعهم و تبادل مشاعرهم و احتكاكهم ببعضهم البعض، و من تفاعلهم في وسط المجتمع.

و عندما يتكرر تفاعل مجموعة من الأفراد يشتركون في دوافع و أهداف مشتركة تبدأ عملية بناء و تكوين الجماعة، حيث يبرز القائد و يتولّى مسؤولياته و يتولى الأعضاء أدوارهم و مراكزهم وفق نظام محدّد.

و يعرف بناء الجماعة (Group structure)  على أنه " نظام تتضح فيه خصائص الجماعة و الأعضاء و يتبلور هذا البناء خلال مراحل تكوين الجماعة الأولى من خلال جملة من الأبعاد و الخصائص مثل: توزيع المراكز الاجتماعية للأعضاء و الأدوار الاجتماعية لكل عضو، و طرق الاتصال بين الأعضاء، و المعايير الاجتماعية التي تحكم سلوك الأعضاء،  و البقعة الجغرافية التي تعيش عليها الجماعة" (العتوم، 2009، ص 93).

و يشير شاو (shaw,1981) إلى ضرورة توفر بعض الخصائص التي تميز بناء الجماعات، و هي :

·         توفر بناء رسمي للجماعة معلن و آخر غير رسمي ضمني و غير مصرح به.

·         تفاوت أعضاء الجمعية في أدوارهم و مراكزهم الممنوحة و المكتسبة .

·         أن يكون للجماعة بناء مستقل عن الأعضاء حيث تفرض الجماعة الأدوار و المراكز و أحيانا يكون هنالك متسع للحراك الاجتماعي للأعضاء.

·         أن تصل الجماعة بعد فترة من الزمن إلى بناء يتصف بالثبات النسبي بعد المرور بمراحل تطور الجماعة أو مرور الجماعة بعدد من الأزمات حتى يستقر بناءها.

·         أن تتبلور معايير الجماعة و أنظمتها لتحكم السلوك المقبول و غير المقبول خلال تفاعل الأعضاء مع بعضهم البعض (العتوم، 2009، ص 94).

أدوار اجتماعية

مراكز اجتماعية

معايير و نظم اجتماعية

طرق الاتصال

خصائص الأعضاء

بيئة طبيعية

بناء الجماعة

 

شكل (1): مكوّنات بناء الجماعة

كما يعتمد تشكيل الجماعات على تقسيم الجماعة الأم (جماعة التكوين) و من ثم إلى جماعات عمل صغرى، بهدف تيسير التبادلات، و يحدث دينامية الجماعة بشكل أفضل، حتى يتسنى لها أن تحافظ على بنائها التشكيلي، الذي يحدد وظائفها و تفاعل أفرادها،  و هذا لا يتم إلا وفق معيارين:

·         معيار كمّي: أي تكوين مجموعات متساوية العدد من حيث الأعضاء، حيث يتراوح عدد كل مجموعة صغيرة بين (2-6 أفراد)، و الأمثل هو 5، و يمكن أن يصل هذا العدد إلى (15) فردا في حالة وجود أعداد كبيرة من المشاركين.

·         معيار كيفي (معيار التجانس): أي تجميع المشاركين انطلاقا من اعتبارات محددة (كالسن، أو الجنس أو المستوى الدراسي، أو التخصص، الخبرة). ( عبد الهادي، 2013، ص 34).

و يستحسن كمرحلة أولى الإبقاء على التشكيلات التي تكونت إما بشكل عشوائي (كالتقارب على مستوى المقاعد، أو القرعة أو من خلال ترتيبهم في اللوائح الإسمية..)  أو انطلاقا من علاقات الصداقة أو المهنة أو التخصص الدراسي أو السن.. مع مراعاة مبدأ المساواة بين الجماعات على مستوى العدد و الجنس، إلا أن الأمر يقتضي في حصص أو أنشطة موالية، تنويع التشكيلات باستخدام أساليب متعددة، مما يتيح لكل المشاركين التفاعل بكيفية منتظمة، مع كافة المنتمين للجماعة، خوفا من تكوين جماعات مغلقة.

و بناء الجماعة يعكس قدرتها على تنظيم ذاتها بطريقة تسمح لها بالاستمرار، و إن هذه القدرة تتحدّد بعدد من المحدّدات أو المرتكزات التي قد تمنع قدرتها على التنظيم الفعال و منها:

1/ متطلبات الأداء الجماعي الفعال:إن زيادة درجة الوضوح في توزيع الأدوار و المكانة الاجتماعية و الحراك الاجتماعي، تعمل على المساعدة في فعالية بناء الجماعة في حين يؤدي عدم الوضوح إلى بناء ركيك و ضعيف مهدد بالصراع و الانحلال.

2/ قدرات الأعضاء: يجب على الجماعة الفعالة في البناء أن تستفيد من الفروق الفردية في قدرات الأعضاء المختلفة و توظيفها بالطريقة المناسبة للأعضاء و الجماعة لأن عكس ذلك يعمل على إضعاف الجماعة.

3/دوافع الأعضاء: يدخل أعضاء الجماعة في عضويتها لأهداف و دوافع فردية و أخرى جماعية مشتركة، و بالتالي فإن البناء الفعال للجماعة هو البناء الذي يستطيع التوفيق بين تحقيق الأهداف و الدوافع الفردية و الجماعية معا دون أن تتضارب الدوافع و الأهداف الفردية مع الجماعية و تعمل على إعاقة عمل الجماعة.

4/ البيئة الاجتماعية و المادية للجماعة: لكل جماعة بيئة اجتماعية و مادية (البقعة الجغرافية) تنتمي إليها و تتفاعل معها يوميا، حيث أن أي عوائق في الجوانب الاجتماعية  أو المادية كالازدحام، التلوث، الإزعاج و غيرها يترك آثارا واضحة في بناء الجماعة و قدرتها على الاستمرار بفعالية عالية .

5/ درجة إدراك الجماعة لوجودها: لقد تم الـتأكيد سابقا على أن الوعي بالجماعة و وجودها ضمن إدراك العضو و طريقة في التفاعل مع الأحداث اليومية يساعد بشكل فعال في تعزيز بنية الجماعة و يقوي من انتماء الفرد و انسجامه مع المجموعة.

6/نمط القيادة: يعد نمط القيادة الديمقراطية و التسامحي الذي يتميز بالوضوح في توزيع الأدوار و المسؤوليات و الحقوق عاملا هاما في تحقيق تماسك بناء الجماعة و تمكين الجماعة من الاستقرار و الارتقاء.

7/ حجم الجماعة: تشير غالبية الدراسات إلى أن الفرص تكون متوفرة بشكل أفضل في بناء الجماعات الصغيرة لأنها تعكس إمكانية اكبر في تحقيق الانتماء و عدالة توزيع الأدوار و المكانة الاجتماعية، كما أن الجماعات الصغيرة أكثر ميلا لتوفير فرص التفاعل المباشر و التقبل و التماسك الاجتماعي و تتوافر فيها الفرصة لتحقيق أهداف الأعضاء و دوافعهم أكثر من الجماعات الكبيرة (العتوم، 2009، ص 96-97)

* و لهذا نجد نظريتان في تفسير بناء الجماعة، أولهما تنظر إلى الجماعة ككل و تبحث عن أنماط السلوك المرتبط بوجودها، و تبعد عن  النظر إلى مفاهيم الشخصية الفردية، و ترتكز على الجماعة كتنظيم له خصائصه التي تختلف عن خصائص الأفراد الذين تضمهم، و يهتم أنصارها بمفاهيم مثل الأدوار الاجتماعية و التفاعل الاجتماعي... و من أنصار هذه النظرة مكدوجل و ليفين، و ثانيهما تفضل النظر إلى الجماعة ككيان اجتماعي يستجيب له الفرد، و يعزى أنصارها بأن للجماعة خصائص تستنتج من سمات أعضائها الذين يكونون هذه الجماعة، و يهتمون بمفاهيم كالإدارك و الانفعالات و الآراء، و من أنصار هذه النظرية ألبورت و فرويد، و منظري نظريات التحليل النفسي، و النظرية المعرفية (عبد الهادي  2013، ص 37-38).

و لكل جماعة بشرية خصائصها و سماتها، و لذلك فإن دراسة خصائص تشكيل الجماعة مقارنة في جماعة أخرى أو التشكيل في نفس الجماعة يختلف من وقت لآخر، و يمكن النظر إليه من زوايا متعدّدة، لعل من أهمها تلك السمات التي اقترحها كارترايت و زاندر(Cartrite and Wndes)  التي وردت في كتاب ديناميات الجماعة، و هي كالتالي:

·         بناء العلاقات الاجتماعية (العلاقات الاجتماعية المتبادلة)

·         بناء الاتصال الاجتماعي (طرق الاتصال بين أفراد الجماعة)

·         بناء القوة الاجتماعية (السلطة النسبية للأدوار الاجتماعية)

·         بناء الحراك الاجتماعي (عبد الهادي، 2013، ص 38)

و هذه العناصر تعد ذات أهمية في تشكيل خصائص الجماعة.

في ضوء تحديد الأبعاد و الخصائص السابقة لبناء الجماعة، سيتم شرح كل بعد بشكل مستقل للتعرف على تأثير هذه الأبعاد على نمط العلاقات الاجتماعية السائدة كتوزيع الأدوار و المراكز الاجتماعية السائدة داخل الجماعات و المجتمع.


Last modified: Sunday, 23 April 2023, 11:58 PM