الأوضاع الاقتصادية الدولية بعد الحرب العالمية الثانية

     شهدت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية تغيرات عميقة على مستوى العلاقات الاقتصادية الدولية، مقارنة بفترة ما قبل الحرب. إذ أنه قبل نهاية الحرب بدأ الحلفاء بالتفكير في وضع أسس لنظام اقتصادي دولي جديد، يتفق مع تصوراتهم لعالم ما بعد الحرب، خاصة ما ترتب عنها من اضطراب وعدم استقرار في أوربا بالخصوص. فكان لتلك الأوضاع تأثير كبير على السياسات الاقتصادية اللاحقة.

     تميزت هذه الفترة بتغير في موازين القوة العالمية، بخروج الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى إلى جانب الاتحاد السوفياتي، وتراجع القوى الأوربية التقليدية خصوصا فرنسا وبريطانيا، جراء ما عانته من استنزاف لمواردها وتدمير لبناها التحتية كونها كانت المسرح الرئيسي للحرب.

     بذلك سعت الولايات المتحدة إلى ترجمة قوتها، وفرض منطقها على مجريات العلاقات الدولية، تماشيا مع مقتضيات المرحلة الجديدة ومتطلباتها انطلاقا مما تمليه مصالحها. كما حاولت الاستفادة من أخطاء الحرب العالمية الأولى والتي تم فيها فرض عقوبات على ألمانيا، التي سرعان ما ولدت رغبة ألمانية في الانتقام ومحو عار الهزيمة، تمخض عنه اندلاع حرب عالمية ثانية. لذلك تجنبت الولايات المتحدة فرض أي عقوبات على الدول المنهزمة، واتجهت بدل ذلك إلى تقوية التعاون وتقديم مساعدات لإعادة بناء أوربا والنهوض باقتصادياتها. هذه المساعدات تجلت في مشروع مارشال

1/ مشروع مارشال Marshal Plan : هو عبارة عن برنامج أمريكي لمساعدة أوربا المدمرة على إعادة البناء والتعمير، وإحياء اقتصادها المتدهور، تقدم به وزير خارجية الولايات المتحدة جورج مارشال George Marshal سنة 1947. مع وضع مجموعة شروط كان أهمها ضرورة التنسيق بين الدول الأوربية في شكل برنامج تعاون مشترك. وافق الكونغرس الأمريكي على مشروع مارشال تحت اسم الانعاش الأوربي في أفريل 1948. تضمن هبات عينية ونقدية اضافة إلى قروض ميسرة. بلغ حجم التمويل لمشروع مارشال خلال الفترة 1948-1951، حوالي 13 مليار دولار أمريكي. تكمن الأهداف المعلنة التي سعى المشروع إلى تحقيقها في إعادة بناء أوربا ومساعدتها على التخلص من اثار الحرب، وأيضا إنعاش الاقتصاد الأوربي. لكن الأهداف الحقيقة للمشروع كانت تتمثل أساسا في:

أهداف سياسية: مواجهة الخطر الشيوعي في أوربا في إطار استراتيجية الاحتواء، حيث أن بقاء أوربا الغربية ضعيفة من شأنه أن يساعد على توسع النفوذ السوفياتي فيها. كما يساعد على تنامي الأحزاب الشيوعية خصوصا في فرنسا. بذلك فإن مساعدة أوربا معــناه المحــافظة على توجهها الرأســمالي اللــيبيرالي.

أهداف اقتصادية:  الدعوة إلى بناء وتعمير أوربا هو خدمة للاقتصاد الأمريكي بتوفير أسواق استهلاكية واستثمارية أثناء فترة التعمير، وبعث وضمان شريك اقتصادي قوي بعد عملية البناء ( أوربا الضعيفة تكون قوتها الاستيرادية جد ضعيفة، وبالتالي تكون أسواق العالم الخارجي شبه منغلقة أمام الاقتصاد الأمريكي الضخم).

2/ مؤتمر بريتون وودز Bretton Woods: نتيجة للاضطرابات الاقتصادية التي سببتها الحرب العالمية الثانية، تم عقد مؤتمر بريتون وودز في جويلية 1944، شاركت فيه 44 دولة لوضع قواعد دولية لاستدراك الأزمات الاقتصادية وإيجاد الحلول المناسبة لها في إطار النظام النقدي والتجاري الدولي. نتيجة لذلك تم إنشاء صندوق النقد الدولي  والبنك الدولي للانشاء والتعمير، ودخلت الاتفاقيات المنشئة لهما حيز التنفيذ في ديسمبر 1945 على أن يكون المركز الرئيسي لهما في واشنطن العاصمة. فيما يتعلق بمسألة التجارة الدولية، لم تتفق الدول حول إنشاء منظمة دولية للتجارة، نتيجة لتضارب المصالح ووجهات النظر. واكتفوا بدل ذلك بإنشاء مجرد اتفاقية حولها سميت بالاتفاقية العامة للتجارة والتعريفات الجمركية GATT  ( General Agreement on Tariffs and Trade ).

تحددت مهام صندوق النقد الدولي في تنظيم التعاون النقدي الدولي الذي يسمح باستقرار ونمو التجارة الخارجية. ومن أجل ذلك يشرف الصندوق على تنفيذ قواعد يتم الاتفاق عليها بين الأعضاء. وهذه القواعد كانت حتى بداية السبعينات تتضمن احترام الدول لالتزامات تتعلق:

 أولا: وحدة سعر الصرف، أي اعتماد الدولة سعر صرف واحد لوحدتها النقدية بالنسبة للذهب وبالنسبة للدولار الأمريكي، والذي تم فيه التزام الولايات المتحدة الأمريكية على أن يكون مساويا لـ 35 دولار للأوقية ounce من الذهب ( حوالي 0.8 دولار للغرام)، وأن يكون قابلا للتحويل.  

 ثانيا: احترام مبدأ ثبات سعر الصرف في حدود تتراوح بين زائد أو ناقص واحد بالمائة فقط (+/- 1%). وكل تبديل في سعر الصرف كان يستوجب موافقة الصندوق، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا نتيجة اختلال جوهري في ميزان المدفوعات.

     تخلت الولايات المتحدة سنة 1971 عن التزامها بسعر صرف ثابت بعد قرار الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بعدم قابلية تحويل الذهب إلى دولار، واعتبر ذلك ضربة كبرى لاتفاقيات بريتون وودز. فلم يعد هناك عمليا نظام أسعار صرف ثابتة، واستبدل بنظام أسعار الصرف المعومة ( تأرجح سعر الصرف وفقا لاليات السوق أي سعر الصرف يتحدد طبقا للعرض والطلب على العملة ). بعد هذا التاريخ تحول دور صندوق النقد الدولي إلى مشرف على ضبط مسائل المديونية الدولية، ومراقبة تطبيق برامج الاصلاح الهيكلي التي أصبحت ملازمة للقروض والمساعدات المالية التي قدمها الصندوق مع البنك العالمي إلى الدول التي كانت تنتهج النظام الاشتراكي قبل تفكك الاتحاد السوفياتي.

     بخصوص البنك الدولي ( المؤسسة الثانية التي انبثقت عن مؤتمر بريتون وودز)، بدأ نشاطه في تمويل الجهود الرامية إلى اعادة بناء الاقتصاديات الأوربية المهدمة جراء الحرب العالمية الثانية. ثم انتقلت جهوده إلى التركيز على قضايا التنمية في العالم الثالث خلال ال 50 ( استقلال العديد من الدول). أما في فترة نهاية ال 80 وبداية ال90 توجه نشاط البنك إلى جانب صندوق النقد الدولي نحو تأطير انتقال الدول الاشتراكية نحو اقتصاد السوق. واعتماد التمويل البرامجي، حيث لا يمول البنك مشروعات محددة، إنما يمول حزمة من السياسات، خاصة سياسات الاصلاح الاقتصادي والتكييف الهيكلي (  مثل الخوصصة ) في إطار المشروطية الدولية.

عموما، انتهى مؤتمر بريتون وودز إلى مجموعة مبادئ أهمها:

-       إن سعر الصرف يعتبر من المسائل ذات الأهمية الدولية البالغة، وينبغي العمل على ضمان ثبات الأسعار على الأقل في المدى القصير، مع إمكان تعديلها في بعض الظروف إذا ظهر ما يستوجب ذلك.

-       من المصلحة الدول زيادة الاحتياطي من الذهب والعملات الحرة في كل دولة، حتى لا تضطر الدولة إلى اتخاذ اجراءات وسياسات قد تضر بالتوازن الداخلي لمواجهة العجز في ميزان مدفوعاتها.

-       إن تحقيق المصلحة السياسية والاقتصادية للعالم يتطلب إيجاد نظام للتجارة متعددة الأطراف، وتحقيق قابلية العملات للتحويل.

-       في الكثير من الأحيان، تكون الاختلالات النقدية راجعة لأسباب غير نقدية، من هنا يجب على المنظمات النقدية أن تتعاون مع المنظمات الأخرى لمعالجة هذه الاختلالات.

-       إن زيادة الاستثمارات الدولية أمر حيوي للاقتصاد الدولي.  



آخر تعديل: السبت، 1 يونيو 2024، 5:26 PM