تعتبر التأتأة من اضطرابات اللغة الشفهية الأكثر شيوعا، و هي تمس كل الفئات العمرية، تجعل الفرد المصاب يعاني من مشاكل علائقية و اجتماعية نتيجة التكرارات و التوقفات في حديثه، و تترك لديه بعض الآثار السلبية، فيما يلي نتطرق إلى تعريفها، أنواعها، أسبابها و أعراضها.

1.تعريف:

-حسب معجم علم النفس (1985) فان التأتأة هي إعادة و صعوبة في الكلام، ينقطع بسببها الانسياب السلس للكلام، و ذلك من خلال أشكال مترادفة، و التكرار السريع لأجزاء و مقاطع الكلام، و تشنجات التنفس أو عضلات الإخراج الصوتية. (الجرواني، صديق، 2013، ص 46)

-تعريف Wingate (1964): التأتأة هي:

-       تمزقات متكررة في طلاقة التعبير اللفظي.

-       سلوكات مقاومة مصاحبة للتراكيب الوظيفية في حالة الكلام و السكوت.

-       وجود حالات انفعالية و أثاره ايجابية و سلبية التي قد ترتبط أو لا ترتبط بالحديث. (الزريقات، 2005، ص228)

-تعريف الزراد:  هي نوع من التردد و الاضطراب في الكلام، حيث يردد الفرد المصاب حرفا أو مقطعا ترددا لا إراديا مع عدم القدرة على تجاوز تلك المقطع إلى المقطع الثاني، و تعتبر التأتأة حالة اهتزازية تشبه حالة اعتقال اللسان حيث يعجز عن إخراج الكلمة أو المقطع إطلاقا. (قادري، 2015، ص104)

-الشربيني: ترديد و تقطيع في نطق الكلمات، و توقف في اللفظ و التعبير، و صعوبة في نطق بدايات الكلمات سواء بالتوقف أو الإطالة، و قد يحدث انقطاع بين الكلمات لفترات قصيرة فتخرج ألفاظ متناثرة و غامضة. (بن عربية، شوال، 2016، ص 54(

-اضطراب يؤثر على عملية السير الطبيعي لمجرى و سيولة الكلام، يتميز بتوقفات و تكرارات و تمديدات لا إرادية مسموعة أو غير مسموعة عند إرسال وحدات الكلام.(حولة، ص42)

2.أنواع التأتأة: هناك ثلاثة أنواع رئيسية:

v  التأتاة الاختلاجية Le Bégaiement Clonique: هو تكرار أجزاء من الكلمات، إما صوت أو مقطع أو كلمة، و حتى الجمل القصيرة، يكون التكرار غالبا في بداية الكلمة، و نادرا تمس الأصوات و المقاطع النهائية.

v  التأتاة التوترية Le Bégaiement Tonique: يتميز بتوقفات أثناء الكلام لمدة زمنية قبل أن يتمكن المصاب من إصدار الكلمة بشكل انفجاري. (يعني يتحدث المصاب بطريقة عادية ثم يتوقف لبرهة، ثم ينطق الكلمة الموالية بتوتر وانفجار، يصحبها علامات من الضغط والخجل و....)

v  التأتاة المختلطة (اختلاجية-توترية) Tonico-Clonique : و هي تجمع الاثنين أي توقفات و تكرارات.(حولة، ص43)

 

3.الأعراض المصاحبة للتأتأة:

قد يحاول المتكلم  تجنب صعوبة الطلاقة من خلال إتباع الآليات اللغوية ( على سبيل المثال: تغيير معدل الكلام، و تجنب بعض الكلمات أو الأصوات)، أو عن طريق تجنب ظروف كلام محددة، مثل الاتصال الهاتفي أو الخطابة أو التكلم أمام مجموعة من الأشخاص، بالإضافة إلى كونهما من السمات أو الملامح المميزة لصعوبة الطلاقة، فقد ثبت أن التوتر و القلق يعملان على تفاقم هذه الصعوبة.

و يمكن لاضطراب الطلاقة البادئ في الطفولة (التأتأة/التلعثم) أيضا أن يكون مصحوب بحركات حركية، على سبيل المثال: رمش العين، اللزمات Les Tics  و الارتعاش في الشفتين أو الوجه، تحريك الرأس، و حركات التنفس و قبض اليد، الأطفال الذين يعانون من اضطراب الطلاقة البادئ  في الطفولة يظهرون مجموعة من القدرات اللغوية.(عوده، فقيري، 2016، ص70)

فالتأتأة إذن هو اضطراب في سيولة الكلام تتميز بتكرارات و توقفات و اطالات، و يصاحبها أعراض جسمية كحركات الرأس و هزّه و احمرار الوجه، و مشاكل تنفسية كعدم التمييز بين الشهيق و الزفير، بالإضافة إلى أعراض نفسية كالقلق و الخجل و السلوك الانسحابي.

4.أسباب التاتاة: يمكن أن تظهر التأتاة للأسباب التالية:

-عوامل نفسية: مثل الحماية المفرطة أو الحرمان العاطفي، أو عامل الغيرة، و طبيعة العلاقة أم –طفل.

-عوامل بيئية: ترتبط بالبيئة العائلية التي نشأ بها الطفل حيث تؤثر المشاكل العائلية في ظهور التاتأة ، كما أن البيئة المدرسية تزيد من حدة الاضطراب (علاقة المعلم بالتلميذ، طريقة تدريسه...)

-عوامل وراثية: تلعب الوراثة دور كبير في ظهور التأتأة لدى الطفل إذا كان أحد الوالدين مصاب.

-نظرية السيطرة المخية: يرى كل من Orton و Travis أن لعضلات الكلام تعصيب ثنائي الجانب، حيث تقوم هذه العضلات باستقبال نبضات كلا نصفي الكرتين المخيتين، و من أجل سيولة الكلام، يجب أن تكون النبضات المتجهة من الدماغ نحو العضلات متزامنة، و يحدث هذا في حالة أحد نصفي الكرتين المخيتين (غالبا الأيسر) يقوم بالمراقبة، حسب Orton و Travis لدى المتأتئ قصور في السيطرة المخية مؤدية إلى اضطراب الإيقاع في النبضات الحركية الثنائية الجانب للكلام.(RondalSeron, 2003, p.513)

- الجانبية: محاولة إجبار الطفل اليساري يستعمل اليد اليمنى بدل اليسرى يمكن أن تسبب له تأتأة، ذلك لأن الجزء الخاص المسؤول عن الكلام مرتبط بالجزء الذي يسيطر على حركات اليد (النصف الكروي الأيسر للدماغ مسؤول عن اللغة و عن النصف الايمن للجسم و العكس صحيح)، و إذا تم مخالفة الطبيعة العصبية و الفيزيولوجية للفرد فان ذلك يؤدي لظهور التأتأة.(بن عربية، شوال، 2016، ص60)

في نفس السياق يربط Orton و Travis العلاقة بين السيطرة المخية و استخدام اليد، حيث انطلق من أن الأشخاص غير المتأتئين، فان نصفهم الأيسر مسؤول عن اللغة و عن الجوانب الحركية للكلام، و أن إرغام الشخص اليساري أو الذي يستخدم كلتا اليدين أن يصبح يميني تولّد لديه تأتأة، من هذا المنطلق وضح الباحثان أن أغلبية المتأتئين يستخدمون اليدين ، و هذا ما يفسر القصور للسيطرة المخية.(RondalSeron, 2003, p.513)

-نظريات العصاب: حسب هذه النظرية فان التأتاة اضطراب عصابي يمثل اضطراب جزئي في الشخصية و ينعكس  من خلال اضطراب في الكلام، و التأتأة ناتجة عن صراعات لا شعورية، و عندما يحاول الكلام فان حركات الفم لديه تكون شبيهة بحركات مص الثدي الأصلية عندما يكون رضيعا، في هذا الصدد يقول فرويد أن الأطفال لديهم نوع من السلوك الفمي، و إذا ما فطم بقسوة مبكرا من أم مضطربة انفعاليا، فان الطفل سوف لا يشبع حاجاته الفمية بطريقة طبيعية، لذلك فان الحاجات الفمية تبقى كامنة على شكل كبت يظهر فيما بعد على هيئة صور مقنعة: كالأكل الزائد، الكلام السريع، و أشكال فمية أخرى.(بن عربية، شوال، 2016، ص61)

-نظرية القدرات المطلوبة Starkweither (1987): تظهر التأتأة حسب الباحث إذا كانت متطلبات المحيط تتجاوز قدرات سيولة الطفل، و هذه القدرات تتمثل في معارف حركية، معرفية و لسانية الضرورية للكلام السوي،(RondalSeron, 2003, p.514)

-النظرية السلوكية: يرى أصحاب هذه النظرية أن التأتأة سلوك يتعلمه الفرد إما بالتعزيز أو بالمحاكاة (مثير شرطي: كلام الآخرين)، فالأطفال الصغار في السن (3/4سنوات) يتعرضون لاضطرابات في طلاقة الكلام خلال ممارساتهم الأولى للكلام، لأنهم غير قادرين على نطق الأصوات من جهة، و لقلة حصيلتهم اللغوية من جهة أخرى، و يرى Johnson أن عدم الطلاقة المقترن بردود فعل المستمع السلبية تعد السبب الحقيقي للتأتأة، بمعنى أن الطفل عندما يتكلم و تحدث له التأتأة و ينتقد بعنف من قبل الآخرين، فانه يدعم هذا الاضطراب و يدعم حدوثه مرة أخرى، و هذا ما يسمى بالنظرية التفاعلية. (الجرواني، صديق، 2013، ص 54)

5.معايير تشخيص التأتأة: حسب الدليل التشخيصي و الإحصائي الخامس للاضطرابات النفسية DSM5 فان اضطراب الطلاقة البادئ في الطفولة (التأتاة/التلعثم) يشخص حسب المعايير التالية:

أ-اضطراب في السلاسة الطبيعية للكلام و الوقت اللازم لذلك، و الذي لا يتناسب مع عمر الفرد و مهاراته اللغوية، و تستمر على مر الزمن، و تتميز بشكل متكرر و ملحوظ بالنسبة لواحدة أو أكثر مما يلي:

1.   التكرار لصوت و مقطع لفظي.

2.   اطالة/تمديد الصوت في نطق الحروف الساكنة و كذلك حروف العلة.

3.   كلمات مكسرة(على سبيل المثال توقفات مؤقتة على أحرف الكلمة).

4.   حجب (وقفات) مسموع أو صامت (وقفات في سياق الكلام مملوءة أو شاغرة/فارغة).

5.   الإطناب( اللجوء الى كلمات بديلة لتجنب الكلمات الصعبة).

6.   تنتج الكلمات مع وجود زيادة في التوتر الجسدي.

7.   التكرار الأحادي لكلمة كاملة (مثال: لقد-لقد-لقد-لقد رأيته).

ب-ظهور الأعراض في فترة النمو المبكر. (ملاحظة: يتم تشخيص الحالات المتأخرة الظهور أو الحدوث ضمن اضطراب الطلاقة البادئ في البلوغ)

ج-هذا الاضطراب لا ينسب إلى عجز حركي كلامي أو عجز حسي، و لا صعوبة الطلاقة المرتبطة بإصابة عصبية (مثل: السكتة الدماغية، الأورام و الصدمات النفسية)، أو بسبب حالة طبية أخرى و لا يفسر بشكل أفضل من خلال اضطراب عقلي أخر. (عوده، فقيري، 2016، ص69)

 

من خلال ما ذكرناه سابقا، يبدو أن التأتأة أحد الاضطرابات اللغة الشفهية التي تمس مجرى الكلام و تدفقه، تتميز بتكرارات و توقفات و اطالات، و هي ترتبط بأعراض نفسية كالقلق و الخجل و الانطواء، كما تصاحبها حركات جسمية لا إرادية.

 


آخر تعديل: الأحد، 23 أبريل 2023، 11:28 AM