الدرس الثامن: ديناميكية الجماعة : تماسك الجماعة و القيادة
الدرس الثامن: ديناميكية الجماعة : تماسك الجماعة و القيادة
4-2- تماسك الجماعة :Community Cohesion
تتعدد معاني تماسك الجماعة ، فنجده يتضمن شعور الأفراد بإنتمائهم ولائهم لها و تستلهم بعضويتها و معاييرها ، و تحدثهم عنها بدلا من تحدثهم عن ذواتهم و عملهم معا، في سبيل هدف مشترك لتحمل مسؤولية عمل الجماعة و الدفاع عنها و يتضمن تماسك الجماعة أيضا التقارب الشديد بين مكونات الجماعة و الروح المعنوية و الإتحاد و القوة و الإنتاج و العمل الجماعي بروح الفريق الواحد و الإندماج في العمل و التكامل و جاذبية الجماعة.
و قد حدد البعض تعريف التماسك على أنه " محصلة القوى الناتجة و التي تجذب الأفراد نحو الجماعة" ، و هذا التعريف يتركز حول جاذبية الجماعة لأفرادها (1993، Festger & other) . (عبد الهادي ، 2013 ، ص38).
أ –مصادر جاذبية الجماعة :
يكاد تماسك الجماعة يتوقف على جاذبيتها لأعضائها ، و هناك عدد من مصادر الجاذبية للجماعة ، له دور فعال في تشكيلها حيث يمكن إجمال ذلك في النقاط التالية :
· الجماعة نفسها : و يشمل ذلك جاذبية أفراد الجماعة لأنواع من النشاطات التي توفرها الجماعة و سلامة معاييرها و متانة بنائها تحقيقا لأهدافها.
· الجماعة كوسيلة لإشباع حاجات أفرادها في إطارها : و خير مثال على ذلك إكتساب أفرادها مكانة في المجتمع نتيجة الإنضمام إلى تلك الجماعة كشعورهم بالأمن، كما هو الحال في أنصار الأفراد لجماعات الجيش و إتحاد العمال و لجان العمل .
· الإنضمام الإجباري للجماعة : مثال ذلك في الجماعات التي ينضم إليها الأفراد إنضماما إجباريا بحيث لا يكون متماسكا أكثر من تلك الجماعات التي ينظم الأفراد إليها نتيجة لضغط من الضغوط التي يفرض على الشخص للإنضمام إلى العصابات الإجرامية . (عبد الهادي ، 2013 ، ص 39 )
بـ -مقاييس تماسك الجماعة : هناك بعض المميزات و الخصائص التي تدل على تماسك الجماعة و إنضمام أعضائها هي :
· أحاديث الأعضاء : من خلال الملاحظة إذا كان الأفراد يكثرون من كلمات (نحن) و يقللون من كلمة (أنا).
· مقاييس الصداقة : و يتم هذا من خلال معرفة التماسك السوسيومتري بمعنى ( كلما كان الأعضاء أصدقاء كانوا متماسكين) .
· مساندة أعضاء الجماعة لمعاييرها : كلما كانت هناك مسايرة لمعايير الجماعة كانت أكثر تماسكا .
· الإنتظام في أنشطة الجماعة : كلما غاب الأفراد عن أنشطة الجماعة أكثر كلما كان تماسكهم أقل.
· الحالة الإنفعالية لأفراد الجماعة : كلما كانت إنفعالات الحب و الود هي العامة كانت الجماعة أكثر تماسكا و عندما يكون الغضب و العداوة كان هذا دليلا لضعفها و تمزقها .
· تماسك الجماعة وقت الأزمات : عند الإحباط و الفشل و عند الإبتلاء يظهر جليا مدى تماسك الجماعة فإن تجاوزت الأزمة بسلام دل ذلك على قوة بنائها و إن إهتزت دل على غير ذلك . (عبد اللا ، 2012 ، ص 116)
4-3.القيادة: Leader ship
إن القيادة ظاهرة اجتماعية هامة تتأثر بظروف المجتمع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، كما أنها تؤثر تأثيرا فعالا في حياة المجتمع، فالقادة هم الذين يقودون جماعاتهم من حيث الإصلاح والتقدم، والمجتمع بدوره هو الذي يخلق قادته بما يوفر لهم من فرص النمو والنجاح وبما يقدمه لأبنائه من تعليم وتدريب وبما يوفر لهم من فرص اكتساب الخبرات.
فالواقع أن هناك علاقة تفاعل بين المجتمع وقادته بحيث يصعب التفريق بين ما يرجع إلى المجتمع وما يرجع إلى القادة، ونظرا لهذا التفاعل، فإن لكل مجتمع نوع القيادة التي تلائمه ولا تلائم غيره.
أ-مفهوم القيادة: Concept of leader ship
لغة: " القود" في اللغة نقيض "السوق"، يقال: يقود الدابة من أمامها ويسوقها من خلفها، وعليه فمكان القائد في المقدمة كالدليل، والقدوة والمرشد (عبداللا، 2012، ص 144).
اصطلاحا: تعددت مفاهيم وتعريفات القيادة لدى المختصين تبعا لاختلافهم في تحديد مهام القائد، ويمكن أن نذكر منها على سبيل المثال ما يلي: فقد عرف (أوردويتيد) Ordway tead القيادة على أنها: نشاط التأثير في الآخرين ليتعاونوا على تحقيق هدف ما، اتفقوا على أنه مرغوب فيه.
أما (روبرت ليفنجسون) Robert livingstonفقد عرف القيادة على أنها: الوصول إلى الهدف بأحسن الوسائل وبأقل التكاليف، وفي حدود الموارد والتسهيلات المتاحة مع حسن استخدام هذه الموارد والتسهيلات (بني جابر، 2015، ص 192).
ويعرفها (ألين) Allen بأنها: "النشاط الذي يمارسه القائد ليجعل مرؤوسيه يقومون بعمل فعال".
ويعرف (حامد زهران) القيادة بأنها : " سلوك يقوم به القائد للمساعدة على بلوغ أهداف الجماعة وتحريكها نحو هذه الأهداف، وتحسين التفاعل الاجتماعية بين الأعضاء والحفاظ على تماسك الجماعة وتيسير الموارد لها" . (بني جابر، 2015، ص 192).
ويمكن تعريف القيادة بأنها : السلوك الذي يقوم به الفرد حين يوجه نشاط جماعة نحو هدف مشترك، وهناك مكونات رئيسية لهذا السلوك تتمثل في: المبادأة، أي تملك القائد لزمام الموقف، والعضوية، أي اختلاطه بأعضاء الجماعة، والتمثيل، أي دفاعه عن جماعته وتمثيله لها، والتكامل، أي العمل على تخفيف حدة الصراع بين أعضائها، والتنظيم، أي تحديد عمل الآخرين والعلاقات التي تحكم العمل، والسيطرة، أي تحديد سلوك الأفراد أو الجماعة في اتخاذ القرارات أو التعبير عن الرأي، والاتصال، أي تبادل المعلومات بينه وبين أعضاء الجماعة، والإنتاج أي تحديد مستويات الجهد والإنجاز.
ويمكن أن نستخلص من مجمل التعريفات العناصر التالية للقيادة:
· أنها عملية تفاعل اجتماعية، إذ لا يمكن لأي إنسان أن يمارس القيادة من خلال مشاركته الفعالة في جماعة ما ضمن إطار موقف معين.
· يتم فيها ممارسة السلطات واتخاذ القرارات
· أن القيادة تعتمد على تكرار التفاعل الاجتماعي
· تتطلب صفات شخصية معينة من القائد
· لها تأثير في مجموعات منظمة من الناس
· تهدف إلى تحقيق أهداف معينة
· إنها عملية تفجير لطاقات الأفراد للبلوغ إلى الأهداف المشتركة
ب-أركان القيادة:
يجب أن تتوفر القيادة لكل جماعة من الجماعات، وإلا أصبحت هذه الجماعة مجموعة من الأفراد لا يربط بين أفرادها رابط، وتعتمد عملية القيادة على الأركان التالية :
· جماعة من الناس لها هدف مشترك تسعى لتحقيقه وهم (الأتباع).
· شخص يوجه هذه الجماعة ويتعاون معها لتحقيق هذا الهدف وهو (القائد).
سواء كان هذا الشخص قد اختارته الجماعة من بين أعضائها، أو عينته سلطة خارجية عن الجماعة، ويجب أن يتمتع هذا القائد بمجموعة من الخصال، مثل :الذكاء، الاتزان العاطفي والانفعالي، الخبرة بالعمل، ومحبة الآخرين....إلخ .
· ظروف وملابسات يتفاعل فيها الأفراد وتتم بوجود القائد (الموقف)، وتشمل هذه الظروف: حجم الجماعة، وتجانسها من حيث الخلفية الثقافية والعمر والقيم، والتعاون والألفة وسهولة الاتصال بين أفرادها، واستقرار الجماعة واستقلاليتها ووعيها ...إلخ.
· اتخاذ القرارات اللازمة للوصول إلى الهدف بأقل جهد وتكاليف ممكنة.
· مهام ومسؤوليات يقوم بها أفراد الجماعة من أجل تحقيق أهدافهم المشتركة (بني جابر، 2015، ص 194).
ت-مبادئ القيادة:
· القيادة تعتمد على المشاركة والتفاعل الاجتماعي بين الرئيس ومرؤوسيه
· المركز الوظيفي لا يعني بالضرورة القيادة، فليس كل من يشغل مركزا رسميا قائدا.
· القيادة في أي تنظيم أو مؤسسة ممتدة وواسعة الانتشار، فالقائد يمارس دوره على نوابه الفرعيين، وهؤلاء يمارسون دورهم على مرؤوسيهم، ويكون دور القائد أيضا علاوة على عملية القيادة، التنسيق والتنظيم داخل المؤسسة.
· معايير أو مبادئ المجموعة هي التي تقرر من هو القائد، فالمجموعة تعطي القيادة للأشخاص الذين ترى فيهم سندا لمبادئها.
· مميزات القيادة ومميزات التبعية قابلة للتبادل، فالقائد في موقف ما يمكن أن يكون تابعا في موقف آخر.
· إن الأشخاص الذين يبالغون في عمليات الإقناع أو يعطون برهانا برغبتهم في السيطرة لا يصلحون لتولي أدوار القيادة.
· أن يكون الشخص الذي يمارس دور القيادة معنيا بمشاعر الناس الذين يقودهم وحاجاتهم، ولا تزعجه تصريحاتهم وتصرفاتهم.
ث-الفروق بين الرئاسة و القيادة:
يمكننا التفريق بين هذين المصطلحين فيما يلي:
|
الرئــيس |
القـائد |
|
ينفذ أكثر مما يخطط، فهو معني بتوفير الظروف المناسبة والإمكانات المادية والبشرية اللازمة |
يخطط أكثر مما ينفذ، فهو يهتم برسم السياسة العامة للمؤسسة بصورة رئيسية |
|
يقتصر عمل الرئيس على تنسيق نشاط الأفراد لتحقيق الأهداف المحددة |
يقوم القائد بالتأثير في نشاطات الأفراد وسلوكهم لتحقيق الأهداف العامة للمؤسسة |
|
يحاول الحفاظ على الوضع الراهن وليس له دور في تغييره، فهو عنصر من عناصر الاتزان |
يحاول تغيير الواقع وتجديده فهو داعية للتغيير ومطلوب منه أن يحدث تغييرات في البناء التنظيمي |
|
يفكر في الحاضر أكثر مما يفكر في المستقبل |
يفكر في المستقبل أكثر مما يفكر الحاضر |
|
يعمل وفق خطوات محددة سلفا |
يبتكر ويبدع ويجدد |
|
سلطته رسمية، يستمدها من القوانين والتشريعات والنظم التي تحكم المؤسسة |
سلطته غير رسمية في الغالب ويستمدها من قدرته على التأثير على الأفراد للتعاون والعمل المشترك |
|
الرئاسة مفروضة على الجماعة |
تقوم القيادة على النفوذ والقدرة على التأثير |
|
الرئاسة هي التي تحدد الأهداف دون أي اعتبار لمشاركة الأفراد |
يشارك الأفراد في القيادة في تحديد الأهداف |
|
هناك تباعد اجتماعي كبير بين الرئيس وأعضاء المجموعة |
تتميز القيادة بمشاعر مشتركة كبيرة وهي تسعى لتحقيق هدف الجماعة |
وقد يجمع الفرد بين الرئاسة والقيادة في آن واحد، غير أنه ليس من الضروري أن يكون كل رئيس قائدا، وإنما يصبح الرئيس قائدا إذا أمكنه اكتساب النفوذ اللازم من علاقته بأفراد الجماعة، بالإضافة إلى السلطة المخولة له بالمنصب الذي يشغله، كما أن القائد قد يصبح رئيسا إذا ما حصل على منصب رئيس رسمي في الجماعة التي يقودها.
ومن الممكن أن يكون الشخص نفسه في موقف ما قياديا، وفي موقف آخر رئيسا، أما حينما يتجاوز النمطية إلى الابتكار والإبداع ويؤلف الجماعة لتحقيق هدف مشترك عن قناعة، فإنه يتصرف تصرف القائد. (بني جابر، 2015، ص 196-197)
ج-نظريات القيادة:
اهتمت كثير من دراسات القيادة بموضوع شخصية القائد، وظهرت بالتالي نظريات متعددة لتفسير ظاهرة القيادة وعلاقتها بالسمات الشخصية للقائد، ومن أولى هذه النظريات:
ü نظرية السمات:
وظهرت في اتجاهين: يتلخص الاتجاه الأول في أن القيادة خاصية من خصائص الفرد، بمعنى أن هناك سمات معينة تجعل من الفرد قائدا، وحاول الكثيرون على مدى سنين طويلة البحث عن مدى وجود سمات ثابتة للقائد، أو مميزات ثابتة تفرق بينه وبين الأتباع، ولكنهم عجزوا عن الوصول أو الاتفاق على صفات ثابتة يتميز بها القائد حتى تجعله يصلح للقيادة في جميع المواقف والظروف، مما يشير إلى أن سمات الفرد الشخصية ليست كافية بمفردها لوصول الفرد إلى مركز القيادة في جميع الأوقات.
ويتلخص الاتجاه الثاني فيما يسمى بنظرية الرجل العظيم، وتفترض أن هناك أشخاص ذوي مواهب فذة تمكنهم من التحكم في مجرى التغير ومجرى التاريخ، وكلا الاتجاهين قد جاوز الصواب. (عبد اللا، 2012، ص 148).
ü نظرية المواقف:
هذه النظرية منبثقة من النظرية السابقة في صورة اعتراض عليها لتجاهلها نوع الموقف وخصائص المقُودين (الأتباع)، بحيث لا تتجاهل مميزات القائد الشخصية، وإنما تؤكد أن السمات والمميزات المرغوب في توافرها لدى القائد تختلف باختلاف الموقف الاجتماعي ونوع العمل المراد إنجازه ونوع الجماعة وأهدافها...
ومعنى ذلك أن من يصلح للقيادة في موقف معين أو مع جماعة ما قد لا يصلح في موقف آخر أو مع جماعة أخرى. (عبد اللا، 2012، ص 149).
ü النظرية الوظيفية:
هذه النظرية لا تركز اهتمامها على صافت القائد الشخصية أو على نوع المقُودين أو الموقف، بل تركز على وظيفة القيادة، وهي القيام بالأعمال والأنشطة التي تصل بالجماعة إلى غاياتها مع رفع درجة التفاعل بين الأفراد. (عبد اللا، 2012، ص 150).
ü النظرية التفاعلية:
تعالج النظرية الثغرات المختلفة في النظريات السابقة وتركز على التناسق والتكامل بين جميع عناصر موقف القيادة من حيث شخصية القائد، ونوع المقُودين وأشكال العلاقات القائمة بين الأعضاء والموقف بما يتضمنه من نوع العمل والإطار الثقافي الذي هو جزء منه، كذلك تشير إلى بعض المؤثرات الأخرىـ مثل : مدى إدراك القائد للجماعة وإدراك الجماعة له، ثم إدراكهم جميعا للموقف وهكذا، وبالتالي هي نظرية شاملة تتفق مع النظرية القائلة بأن السلوك هو نتيجة تفاعل عناصر المجال السلوكي جميعها بما في ذلك الفرد، وبنفس القول تؤثر جميع عناصر وقوى المجال أو الموقف في عملية القيادة. (عبد اللا، 2012، ص 150).
وما يمكن استنتاجه أن هناك اختلاف بين نظريات القيادة، إلا أنها تتقابل في نقطة معينة، وهو أنه ليس كل فرد يصلح للقيادة، بل إنها تتطلب نوعا معينا من الأفراد، ولو أن الصفات المطلوبة في القائد قد تختلف من موقف لآخر، بمعنى أن الصفات المرغوبة فيه تختلف باختلاف الموقف الاجتماعي والظروف القائمة بإمكانياتها المتنوعة، ونوع العمل المشترك الذي تقوم به الجماعة وحجم الجماعة وأهدافها...وهكذا.(عبد اللا، 2012، ص 151).