الدرس العاشر: التأثير الاجتماعي: المسايرة، المغايرة والتسهيل الاجتماعي
الدرس العاشر: التأثير الاجتماعي: المسايرة، المغايرة والتسهيل الاجتماعي
5_1/المسايرة : Conformity
أ-تعريفها :
· لغويا : هي خضوع الفرد لما يحيطه من ظروف أو مؤثرات إجتماعية "سايره: أي جاراه فساير أو سايره : سار معه"(الحجازي ، 2012، ص344).
· إصطلاحا :
عرفها قاسم (2001) هو "السلوك الذي يسلكه الفرد نتيجة للضغط الذي تفرضه الجماعة على الأفراد ليلتزموا و يتماشوا مع رأي الأغلبية"(قاسم،2001،ص145).
و تحدث المسايرة (conformity) عادة عندما يدرك الفرد وجود تناقض ما بين سلوكه سواء (إتجاهات _ معتقدات _ آراء _ قرارات) مع سلوك أو قرار الجماعة أو الغالبية العظمى فيها مما يدعوه للتفكير في موقفه و موقف الجماعة و بالتالي التحرك نحو موقف الجماعة كنوع من الإلتزام بمعايير الجماعة و كطريقة في الإستجابة للضغوط الإجتماعية الناتجة عن عدم الإلتزام بمعايير الجماعة أو أحكامها ، و بذلك فإن المسايرة هنا تعني التحرك و التقرب من موقف الجماعة الظاهر من حيث قراراتها و أنشطتها و إتجاهاتها المختلفة حتى لا يظهر سلوك الفرد مخالفا لسلوك الجماعة، و هذا ما وضحته تجربة أش (Ash) عندما رضخ عدد من أفراد الجماعة لأحكام الجماعة الخاطئة و أعطوا أحكاما يعرفون أنها خاطئة فقط لمسايرة الجماعة و التخلص من ضغوطاتها حول مدى تساوي بعض الخطوط الواضحة و تعد هذه المعايير بمثابة موجهات للسلوك الإجتماعي بشكل عام و لقرارات الأفراد بشكل خاص مما يعني أن قرارات العضو يجب أن تكون ملتزمة بهذه المعايير (العتوم،2009،ص 110)
ب- أشكال المسايرة : قد تأخذ المسايرة شكلين :
· المسايرة العلنية : و تعني مسايرة الأفراد لمعايير الجماعة و قراراتها في العلن و أمام الآخرين مع الإحتفاظ برأيهم الخاص لأنفسهم.
· المسايرة الداخلية : تشير إلى مسايرة الجماعة داخليا في القناعات و المعتقدات و لكن الفرد يرفض الإعلان عن ذلك أمام الناس لأسباب متعددة كالمركز أو الدور الإجتماعي العالي أو المنخفض أو الخوف من مصادر خارج الجماعة(العتوم،2009،ص111)
و يمكننا القول بأن المسايرة لقرارات الجماعة و أنشطتها تكاد تكون سلوكا إجتماعيا طبيعيا لأنها واحدة من شروط التكامل و التآزر الإجتماعي و تشجع على وحدة الجماعة و تماسكها و يعم من خلالها النظام و الهدوء جو الجماعة لدرجة يصبح فيها سلوك العضو متوقعا ، ولكن المسايرة قد تعتبر نقدا للفردية و تقييدا للإبداع أحيانا إذا زادت عن حدها المعقول.
و تشير الدراسات أن أعضاء الجماعات يسايرون الجماعات و معاييرها لأسباب عديدة منها رغبة الأعضاء في إرضاء الجماعة و الحصول على القبول الإجتماعي من خلال أنشطة الفرد و قراراته ، كما يساير الأفراد لإعتقادهم بضرورة إنسجام قراراتهم مع سلوك الجماعة و قراراتها من أجل الحصول على تعزيز الجماعة و تحقيق أهدافهم من الإنتماء للجماعات و يساير الأفراد أيضا كنوع من المحافظة على وحدة المجموعة و استمراريتها لأن عدم المسايرة يعني تمزق المجموعة و ضعفها و عدم تماسكها(العتوم،2009،ص111).
ت – العوامل المؤثرة في المسايرة : هناك العديد من العوامل المؤثرة في المسايرة و حجمها زيادة عن أسباب المسايرة سابقة الذكر معظمها يشكل عوامل موقفية مثل :
ü القدرة على الرقابة على سلوك أعضاء الجماعة.
ü القدرة على الإثابة و العقاب لمن يساير أو لا يساير من أعضاء الجماعة.
ü درجة التماسك العالي بين أعضاء الجماعة يزيد من إحتمالية المسايرة لأهمية نجاح الجماعة و تحقيق أهدفها.
ü عدد من الخصائص الشخصية التي تزيد من المسايرة منها : قلة الذكاء و الأنوثة ، و التوسط في العمر ، التسلطية ، الشعور بالوحدة، زيادة حجم الجماعة إلى حد معين ( 11-13) شخص ثم ينتهي أثرها (العتوم ، 2009 ، ص112)
5-2- المغايرة : Nom-Conformity
أ- تعريفها :
· لغويا :
"ظاهرة تحدث حينما يستجيب الفرد بطريقة مضادة لآراء الجماعة أو توقعاتها."غير: غايره مغايرة :عارضه بالبيع و بادله،و تغايرت الأشياء : إختلفت".(الحجازي،2012،ص 348).
· إصطلاحا :
عرفها عبد الهادي عبده(1987) بأنها " نوع من الإستقرار في السلوك و إتجاهه، وعدم تغيره في ظل الظروف الضاغطة التي قد يتعرف لها سواء بشكل ضمني أو صريح في إتجاه موافِق لحكم الأغلبية." (المرشدي ، البدري ، 2016 ، ص450)
كما عرفها عثمان (2002) : هي " تجنب المسايرة أو عدمها أو الحياد في مواجهة أحكام الجماعة و عقائدها أو معاييرها و تصرفاتها و هذا الفرد لا يساير و لا ينصاع كما أنه لا يقف عند ضغوط الجماعة."(عثمان ، 2002 ، ص 99)
و قد يرجع سلوك المغايرة لدى الأفراد إلى عدم التناسب بين إستجابة الفرد لضغوط الجماعة عليه و بين ما تتوقعه الجماعة منه فتكون العدوانية للفرد تعبيرا عن مغايرته للجماعة أو ربما تكون المغايرة راجعة إلى إشباع الفرد لدوافعه العدوانية نحوها .(عثمان،1978،ص30-31).
ب-تعريف المسايرة-المغايرة :
يعد مفهومي المسايرة_المغايرة من المفاهيم الدالة و الأساسية على إمتثال الفرد لمعايير الجماعة التي ينتمي إليها ، فهي أحد جوانب السلوك الإجتماعي الذي يصدر عن الفرد في الجماعة ، عندما تمارس هذه الجماعة عليه ضغطا ، أو عندما يكون هناك صراع بين القوى الداخلية لديه و بين الضغوط التي تصدر من الجماعة أو المجتمع و التي تحاول دفعه إلى أن يدرك و يحكم و يقوم و يعتقد أو يتصرف في إتجاه مخالف لذلك و الذي توجهه إليه تلك القوى الداخلية ، و قد تكون الضغوط التي تمارسها الجماعة لتحقيق إتفاق عام أو مسايرة بين أعضائها ضغوطا واضحة ظاهرة صريحة ، و قد تكون هذه الضغوط مستترة ضمنية ، غير مباشرة ، إلا أن الفرد يدركها و يتأثر بها ، و ربما كان هذا التأثير بهذا النوع المستتر غير المباشر من الضغوط الأكثر عمقاوتحديد إتجاهات المفرد و قيمه و أحكامه فنجد الفرد و الذي ينتمي إلى سياق إجتماعي يقع تحت ضغوط نفسية في مسايرة هذه الجماعة أو مغايرتها ، فهو يتعرض في الحالتين لمجموعة من الضغوطات الإجتماعية أو النفسية كانت بالمسايرة أو المغايرة.(الشريف،2011،ص05)
و بالتالي فإن المسايرة_المغايرة تتضمن عمليات نفسية معقدة و متشابكة ناتجة عن تلاقي و تجمع و تفاعل متغيرات منها ما هو متصل بموضوع المسايرة أو الجماعة أو الفرد و العمليات النفسية المتضمنة بالمسايرة_المغايرة منها ما هو ذو صبغة معرفية و منها ما هو ذو صبغة إنفعالية و منها ما هو ذو صبغة دافعية تتمركز حول الدوافع المختلفة التي يستثيرها موقف المسايرة و التي توجه السلوك و جهات معينة لتحقيق التوازن داخل الفرد و فيما بينه و بين الجماعة .
و يوجد عدة تعاريف ضمت مفهومي المسايرة_المغايرة نذكر من بينها ما يلي:
يُعرفها كيسلر (Kieslers,1969) : بأن المسايرة_المغايرة هي تغير سلوكي أو إتجاهي يحدث نتيجة لضغوط الجماعة الحقيقي أو المتخيل(الشريف، 2011، ص37)
كما يعرفها روكاتش (Rokach) المسايرة_المغايرة : بأنها حالة عقلية يرتهن وجودها بأنواع خاصة من الضغط الإجتماعي أحيانا و أخرى قد تكون سمة ثابتة في الشخصية. (سمور ، 2012 ، ص 15)
أما كرتش(krech,1962) : فيعرفها بأنها ظاهر تنتج بسبب ضغوط الجماعة و تتضمن صراعا بين قوى موجودة لدى الفرد تدفعه لأن يفكر و يتصرف بطريقة معينة و قوى أخرى في الجماعة تؤثر فيه كي يفكر و يتصرف بطريقة مخالفة(الشريف ،2011،ص37).
من خلال عرضنا للمفاهيم المتعددة للمسايرة_المغايرة يمكن القول بأن هناك إستخدامات لهذا المصطلح و هي :
· سلوكي : عندما يشار إلى المسايرة على أنها الميل إلى أن يساير الجماعة و أن يسلك و يتصرف بطريقة تتسق مع سلوك الأغلبية .
· إتجاهي : حين يكون المقصود تغير في الإتجاه أو المعتقد نتيجة لضط الآخرين الذي قد يؤدي أولا يؤدي إلى تغير سلوكه .
· سمة شخصية : و يعني ذلك وجود خصائص شخصية للفرد تميزه عن غيره من الأفراد
· عقلي : حين يكون المقصود حالة عقلية تنتج بسبب ضغوط الجماعة تدفعه ليفكر ثم يستجيب و يتصرف بطريقة مختلفة.(سمور ، 2012 ، ص 15-16)
ت –النظريات المفسرة لمفهوم المسايرة-المغايرة : توجد عدة نظرات حاولت تفسير مفهوم المسايرة_المغايرة نذكر منها :
* نظرية التعلم الإجتماعي ل (باندوراBanduran) :
تنطلق هذه النظرية من إفتراض مفاده أن الإنسان كائن إجتماعي يعيش ضمن مجموعات يؤثر و يتأثر بها ، إذ يلاحظ سلوكيات الآخرين و يتعلم الكثير من الخبرات والمعارف و الإتجاهات و أنماط السلوك الأخرى من خلال ملاحظة سلوك الآخرين ومحاكاته.
و يشار إلى هذا النوع من التعلم على أنه (التعلم بالتقليد (Imitative learning) أو (التعلم بالملاحظة observation learning) أو (التعلم بالنماذج أو القدوة (Learning of modeling) ، ويعتقد باندوراBanduran أن الكثير من السلوك مكتسب من خلال التعلم بالملاحظة و أن ما يتعلمه الفرد بالملاحظة هو تمثيلات رمزية لأفعال النموذج تسجل رموز ما يكتسبه بالذاكرة لكي ترشد السلوك بعد ذلك ، وهكذا فإن الطفل يتعرف في مراحل نموه لنماذج سلوكية مباشرة من (الأب ، الأم، الإخوة، الأخوات) أو رمزية من (التلفاز ، القصص) و هنا يلاحظ الشخص النماذج و يختزنها و ينظر الوقت المناسب لكي ينتج هذا السلوك (المرشدي ، البحري ، 2016 ، ص451)
حيث إن مشاهدة ردود الأفعال الإنفعالية ، حتى لو كانت صغيرة جدا، قد تؤدي إلى مترتبات إنفعالية واضحة تظهر في مراحل متأخرة، على المدى الطويل لدى من شاهدها ، بإختصار يمكن أن تكتسب الإنفاعات الشديدة طويلة المدى و المرجأة من خلال مشاهدة النماذج ، و لا يتطلب إكتسابها .
معايشة الخبرة المباشرة فكثيرا ما نحبه أو نكرهه ، و ما يتنجذب إليه أو نخاف منه ، يكون من خلال التعلم بالعبرة أكثر من معايشة الخبرة ذاتها على نحو مباشر.
* نظرية التنشئة الإجتماعية الأساسية ل (أويتنغ وبيوفز) :
يفترض أصحاب هذه النظرية بأن السلوكيات و المعايير يتم تعلمها في السياقات الإجتماعية و تصنف هذه السياقات إلى ثلاث ، و تضم ذلك الأسرة ، و المدرسة ، و جماعة الأقران ، و يؤكد كل من (أويتنغ و بيوفز ، 1968، Oetting& Beauvais) و (أويتنغ و دونرميجر ، Donnermeger & Oetting) على الروابط التي توجد بين المراهقين و أسرهم ، و أقرانهم ، ومدرستهم ، حيث تعمل هذه الروابط كقنوات يتم عن طريقها نقل المعلومات حول المعايير و السلوكيات .
و يشير كل من ( أويتنغ و بيوفزOetting& Beauvais) أن الوالدين إذا فشلوا في المحافظة على العلاقات الحميمة مع أبنائهم ، فإنه من المرجح جدا أن ينساق هؤلاء الأبناء إلى جماعات الأقران المنحرفة ، و تبعا لذلك تكون المشاركة أكثر في أنشطة تعاطي المخدارات .
فهذا يعني أن محافظة الوالدين على العلاقات الحميمة مع مراهقيهم يمكن أن تتم من خلال الإتصال الإجتماعي الحر الإيجابي و الإنسجام مع الأبناء و هذا ما يسهم في الإشتراك في القرارات الأسرية ، كما أن الحميمية في علاقات الآباء مع الأبناء و التقارب و ما يتخللها من إتصال إجتماعي حر و الكشف العميق للذات يمكن أن يجعل مثل هؤلاء الآباء على علم و دراية بأصدقاء مراهقيهم و الأنشطة و الأماكن التي إعتادوا الذهاب إليها أما في حال فشل الآباء في المحافظة على علاقات حميمية مع مراهقيهم فإن ذلك قد يكون نتيجة الإتصال الإجتماعي المتدني مع الأبناء ، أو التباعد الإجتماعي و عدم الإنسجام ، و هذا ما يؤثر سلبا على عملية المشاركة في القرارات الأسرية ، وعلى مراقبة الوالدين ، و بالتي فإنه من المرجح جدا لمثل هؤلاء الأبناء أن ينساقوا نحو جماعات الأقران المنحرفة و المشاركة في أنشطتها ( المرشدي ، البدري ، 2016، ص451).
* نظرية المقارنة الإجتماعية ل ( فستنكر) :
يشير فستنكر (Festenker) في نظريته إلى أن الأفراد يندفعون بتلقائية لمطابقة آرائهم مع آراء الآخرين داخل الجماعة التي ينتمون إليها و يخضعون في أثناء هذه لمتغيرات متعددة تعمل جميعها لتحقيق رغباتهم في خلق نوع من التناسق بينهم و بين من يحيطون بهم.
و يرى أن الإنسان يقارن نفسه دائما بالآخرين الذين يدرك أنهم متشابهون على الأبعاد التقويمية الملائمة و ذلك في الكثير من المجالات منها : الدخل و العمل و المنزل و الزواج و المظهر ، وهذا ما لاحظه (فستنكر) من أنه إذا إحتاج الشخص إلى تقييم قدراته فإنه يميل إلى مقارنة نفسه بغيره طالما كان يفتقد محكا"موضوعيا"لهذا التقييم لذلك إفترض أنه يوجد دافع أساسي داخل كل فرد لتقييم آرائه و قابليته و يلجأ الآخرين في العادة لغرض عقد المقارنة معهم على مستوى الآراء و القابليات .(السوداني ، 2009، ص29)
5-3-التسهيل الإجتماعي : Social Facilitation
يطرح الإمام الشيرازي رأيه حول توسم المجتمعات الذي يحتم زيادة الحاجة إلى المؤسسات بقوله : إن الإحتياج إلى المؤسسات يزداد ، كلما توسع الإجتماع ، أو تقدم ، و ذلك لأن العلاقات في الإجتماع الموسع ، و لو كان بدائيا يزداد مع إزديادها و تتشابك ، فإن علاقة إنسانين(إثنين) بينما علاقة ثلاثة و ستة و هكذا ، كلما زادت العلاقة كلما زادت المعضلات مما يحتاج إلى حلول كثيرة ، و يتناول علماء الإجتماع و العاملون في المجال الإجتماعي النفسي إزاء ذلك فكرة التسهيل الإجتماعي Social Facilitaion و التي تعني "تدعيم سلوك الأفراد بإستخدام الإندماج و المشاركة في عملية التفاعل الإجتماعي" وذلك كنتيجة مجموعة من المثيرات الإجتماعية العارضة غير المقصودة أي التي تنتج من مجرد وجود الفرد داخل الجماعة ، فالوجود داخل الجماعة يسهل في حد ذاته عملية التعلم ، غير أن هناك آراء أخرى تحبذ وجود تعزيز قسري كالتشجيع و التحفيز الإجتماعي ، بل و التهديد الإجتماعي أحيانا،والمناقشة بإعتبارها عملية إجتماعية تساعد على حرفة التفاعل الإجتماعي و تيسره ، وكذلك يعتمد التسهيل الإجتماعي على نوع القيم السائدة و توافر الواقعية الإجتماعية. (Suronline.org/alabwab/imam shirazi_derasat/018.html)