الدرس الحادي عشر: التنشئة الاجتماعية: المعايير الاجتماعية والقيم الاجتماعية
الدرس الحادي عشر: التنشئة الاجتماعية: المعايير الاجتماعية والقيم الاجتماعية
التنشئة الاجتماعية :socialization
خلص الأدب الأنثربولوجي بجلاء إلى أن الإنسان لا يقوى على العيش بعد مولده أكثر من ساعات قليلة دون مساعدة من غيره، خلافا لأغلب الفقاريات التي تولد وهي شبه مستعدة للحياة بصورة أفضل بكثير من الإنسان، بذلك تطول الفترة التي يتحول فيها الكائن البيولوجي إلى كائن اجتماعي من خلال تنمية القدرات الأساسية التي تبدأ قاصرة عند الولادة، وتكوين آليات هي التي تحول الكائن البيولوجي إلى كائن له ذاتية وثقافة محددة وهو ما اصطلح عليه بالتنشئة الاجتماعية.
1-تعريف التنشئة الاجتماعية:
يطلق على عملية التنشئة الاجتماعية أحيانا عملية التنشئة الاجتماعية والتطبيع الاجتماعي وأحيانا عملية التنشئة والتطبيع والاندماج الاجتماعي، ويتضح من مناقشة العلماء لموضوع التنشئة الاجتماعية ارتباط كل أبعاد التنظيم السيكولوجي للفرد بعملية التنشئة الاجتماعية، و هنا يجدر بنا القول أن هناك عدة تعاريف خاصة بعملية التنشئة الاجتماعية نذكر منها:
تعريف (تشيلد): التنشئة الاجتماعية هي العملية الكلية التي يوجه بواسطتها الفرد إلى تنمية سلوكه الفعلي في مدى أكثر تحديدا، وهو المدى المعتاد والمقبول طبقا لمعايير الجماعة التي ينشأ فيها (أبو جادو، 1998، ص 15).
والتنشئة الاجتماعية هي عملية التشكيل والتغير والاكتساب التي يتعرض لها الطفل في تفاعله مع الأفراد والجماعات، وصولا به إلى مكانة بين الناضجين في المجتمع، بقيمهم واتجاهاتهم ومعاييرهم وعاداتهم وتقاليدهم، وهي عملية التفاعل الاجتماعي التي يكتسب فيها الفرد شخصيته الاجتماعية لتي تعكس ثقافة مجتمعه.
ويعرف (بارسونز) التنشئة الاجتماعية بأنها "عبارة عن عملية تعليم تعتمد على التلقين والمحاكاة والتوحد مع الأنماط العقلية والعاطفية والأخلاقية عند الطفل والراشد، وهي عملية تهدف إلى إدماج عناصر الثقافة في نسق الشخصية، وهي عملية مستمرة لا نهاية لها. (أبوجادو، 1998، ص16).
ويرى آخرون أن التنشئة الاجتماعية عملية تعلم اجتماعي يتعلم فيها الفرد عن طريق التفاعل الاجتماعي أدواره الاجتماعية، ويتمثل ويكتسب المعايير الاجتماعية التي تحدد هذه الأدوار، إنه يكتسب الاتجاهات النفسية، ويتعلم كيف يسلك بطريقة اجتماعية توافق عليها الجماعة ويرتضيها المجتمع، ولهذا يرادف نيوكمب (Newcomb) بين مصطلح التنشئة الاجتماعية ومصطلح التعلم الاجتماعي.
والتنشئة الاجتماعية عملية مستمرة لا تقتصر فقط على مرحلة الطفولة، ولكنها تستمر في المراهقة والرشد وحتى الشيخوخة، وينتمي الفرد باستمرار إلى جماعته يأخذ ويعطي، فيما يتعلق بالمعايير والأدوار الاجتماعية والاتجاهات النفسية والشخصية الناتجة في المحصلة هي نتيجة لهذا التفاعل.
وأخيرا فإن التنشئة الاجتماعية عملية معقدة متشعبة تستهدف مهام كثيرة، وتتوسل بأساليب ووسائل متعددة لتحقيق ما تهدف إليه. (أبوجادو، 1998، ص17).
2-أهداف التنشئة الاجتماعية:
إن التربية كعملية تشكيل الفرد على نحو تؤكد فيه علاقته بثقافة مجتمعه، وبمطالبها الخاصة التي حددها المجتمع لمركزه الذي يشغله ولدوره الذي يمارسه، نجدها متمثلة في عملية التنشئة الاجتماعية، ومن أبرز الوظائف والأدوار والأهداف التي تسعى التنشئة الاجتماعية في الوصول إليها ما يلي:
-التدريبات الأساسية لضبط السلوك وأساليب إشباع الحاجات وفقا للتحديد الاجتماعي: فمن خلال عملية التنشئة الاجتماعية يكتسب الطفل من أسرته اللغة والعادات والتقاليد السائدة في مجتمعه، والمعاني المرتبطة بأساليب إشباع رغباته وحاجاته الفطرية والاجتماعية والنفسية، كما يكتسب القدرة على توقع استجابات الآخرين نحو سلوكه واتجاهاته.
-اكتساب المعايير الاجتماعية التي تحكم السلوك وتوجهه:تنبثق المعايير الاجتماعية من أهداف المجتمع وقيمه ونظامه الثقافي بصفة عامة، فلكي يحقق المجتمع أهدافه وغاياته، فإنه يقوم بغرس قيمه واتجاهاته في الأفراد، كما يضع المعايير الاجتماعية التي تساعد الفرد في اختيار استجاباته للمثيرات في المواقف الاجتماعية.
-تعلم الأدوار الاجتماعية: لكي يحافظ المجتمع على بقائه واستمراره وتحقيق رغبات أفراده وجماعاته، فإنه يضع تنظيما خاصا للمراكز والأدوار الاجتماعية التي يشغلها ويمارسها الأفراد والجماعات، وتختلف المراكز باختلاف السن والجنس والمهنة وثقافة المجتمع، فقد تشغل المرأة مركزا يشغله الرجل في نظام ثقافي آخر.
-اكتساب المعرفة والقيم والاتجاهات والرموز وكافة أنماط السلوك، أي أنها تشمل أساليب التعامل والتفكير الخاصة بجماعة معينة، أو مجتمع معين سيعيش فيه الإنسان.
-اكتساب العناصر الثقافة للجماعة، التي تصبح جزءا من تكوينه الشخصي، وهنا يظهر التباين في أنماط الشخصية، على أساس درجة تمثل الفرد للأنماط الثقافية، بالإضافة إلى الفوارق الفردية والاجتماعية.
-تحويل الطفل من كائن بيولوجي إلى كائن اجتماعي، حيث يكتسب الفرد صفته الاجتماعية، وتحويل الفرد من طفل يعتمد على غيره في نموه إلى فرد ناضج يدرك معنى المسؤولية (أبوجادو، 1998، ص 17-18)
ويتضح مما سبق أن التنشئة الاجتماعية تعمل على بناء شخصية الفرد المتماثلة مع قيم واتجاهات وعادات مجتمعه، أي أن الفرد يتشرب ثقافة مجتمعه بواسطة عملية التنشئة الاجتماعية، وتختلف الثقافات في تقييمها للأنماط السلوكية المفضلة، فبعض الثقافات تعمل على تقدير سلوك معين وتشجعه، في حين تقوم ثقافة أخرى على رفض هذا السلوك.
3-أنواع / أشكال التنشئة الاجتماعية:
تأخذ التنشئة الاجتماعية شكلين رئيسيين، وتتمثل في مؤسساتها، ويمكن تقسيمها إلى:
- التنشئة الاجتماعية المقصودة:
ويتم هذا النمط من التنشئة الاجتماعية في كل من الأسرة والمدرسة، فالأسرة تعلم أبنائها اللغة وآداب الحديث والسلوك وفق نظامها الثقافي ومعاييرها واتجاهاتها، وتحدد لهم الطرق والأساليب والأدوات التي تتصل بتشرب هذه الثقافة وقيمها ومعاييرها، كما أن التعلم المدرسي في مختلف مراحله يكون تعليما مقصودا له أهدافه وطرقه وأساليبه ونظمه ومناهجه التي تتصل بتربية الأفراد وتنشئتهم بطريقة معينة (أبوجادو، 1998، ص 20).
- التنشئة الاجتماعية غير المقصودة:
ويتم هذا النمط من التنشئة من خلال المسجد ووسائل الإعلام والإذاعة و التلفزيون والسينما والمسرح، وغيرها من المؤسسات التي تسهم في عملية التنشئة من خلال الأدوار التالية:
ü يتعلم الفرد المهارات والمعاني والأفكار عن طريق اكتسابه المعايير الاجتماعية التي تختلف باختلاف هذه المؤسسات.
ü تكسب الفرد الاتجاهات والعادات المتصلة بالحب والكره والجنس والنجاح والفشل، واللعب والتعاون المشاركة الوجدانية وتحمّل المسؤولية.
ü تكسب الفرد العادات المتصلة بالعمل والإنتاج والاستهلاك وغير ذلك من أنواع السلوك والاتجاهات والمعايير والمراكز و الأدوار الاجتماعية (أبوجادو، 1998، ص 20).
6-1-المعايير الاجتماعية: Social criteria
أ-تعريف المعايير:
هي محددات ومحكات يرجع إليها في الحكم على سلوك الأفراد والسلوك الاجتماعي لنموذجي الذي يتكرر بقبول اجتماعي دون رفض أو اعتراض أو نقد، وتحدد المعايير الاجتماعية ما هو صح أو خطأ.
كما تنظم بصراحة سلوك الناس والاتجاهات المتبادلة بينهم في الحاضر، وتختلف المعايير الاجتماعية باختلاف الثقافات والجماعات، وهي تنمو وتتطور وتتعدل وتتغير، وهذا يجعل البعض يفضلون مصطلح المعايير الثقافية العوامل التي تحدد قوة معايير الجماعة.
ب-العوامل التي تحدد معايير الجماعة ومدى الالتزام بها ومسايرة الفرد لها:
ü تماسك الجماعة وجاذبيتها لأعضائها
ü زيادة عدد مرات التعرض لمعايير الجماعة
ü وضوح معايير الجماعة
ü وجود أغلبية تجمع على معيار معين
ü ضعوط الجماعة على المخالفين لمعاييرها
ü عوامل أخرى مثل: صغر سن عضو الجماعة، تواضع مستوى تعليمه، وجود إثابة سابقة على مسايرته لمعايير الجماعة، سيادة جو التسلط والاستبداد داخل الجماعة.
ت-المعايير والثقافة:
تنتشر المعايير وتقوى وتصبح بذلك دعامة من دعائم الثقافة القائمة ويتسع تأثيرها ويزداد قوة حينما يضفي عليها الأفراد ألوانا عاطفية مختلفة، وحينما يخضعون لها خضوعا مباشرا يهيمن على حياتهم من قريب أو بعيد.
أقسام الثقافة: عاطفية، مذهبية، تنظيمية، جمعية.
العاطفية :تشمل النواحي المعنوية المادية، مثل: اللغة، الطقوس الدينية
المذهبية: تتكون من مجموعة من العناصر الثقافية التي تميز من يعتنقون مذهبا خاصا كالمذاهب الدينية والسياسية.
التنظيمية: تشمل سياسة الحكم وأساليب الحروب والتنظيم الاقتصادي، كالربا مسموح به في بلاد الغرب، أما عندنا فمحرم.
الجماعية : تشمل الثقافات التي تميز كل جماعة، مثل القبائل البدائية.
ث-العوامل التي تؤدي إلى الانحراف عن معايير الجماعة :
ü ثقة الفرد في إدراكه وخبرته والتميز بالعنف في مقاومة ضغوط الجماعة الممارسة عليهم
ü تعرض الفرد لضغوط الجماعة أكثر من غيره، وهذا من شأنه أن يثير الجدل بين الأفراد.
ü من المحتمل أن ينصاع بعض الأفراد بسهولة إلى المعايير الاجتماعية لإدراكهم ضغط الجماعة وينحرف البعض الآخر لعدم توافر إدراكهم لهذه الضغوط.
ü لن تستطيع الجماعة أن تفرض معاييرها على الفرد إلا بقدر جاذبيتها بالنسبة له.
6-2.القيم الاجتماعية : Social values
ينمو الفرد ويتعرض للخبرات المختلفة عن طريق التنشئة الاجتماعية، سواء منها الخبرات المقصودة أم غير المقصودة، فيتعلم ويكتسب موجهات لسلوكه ويوظفها في حياته اليومية، وفي تفاعله مع الناس نسميها القيم، فالقيم بهذا المعنى تدلّنا على ما ينبغي أن نفعل وما لا ينبغي أن نفعل.
وفي واقع الأمر فإن المجتمعات الإنسانية تختلف تبعا لاختلاف الثقافات السائدة في كل منها، بسبب اختلاف أنماط السلوك التي تفرضها كل ثقافة على أفراد المجتمع في مجال التفكير والعمل والشعور، حيث تتمتع الثقافة بسلطة قوية في صياغة شخصية أفراد المجتمع، ومن خلال عمليات التنشئة الاجتماعية في الأسرة والمدرسة ومجتمع الرفاق وغيرها، يتم إعداد الفرد للقيام بدوره في مجتمعه، ويتشكل سلوكه وفق معايير المجتمع الذي ينتمي إليه.
أ-تعريف القيم :Values definition
كغيرها من المفاهيم الاجتماعية، حظيت القيم باهتمام عدد كبير من العلماء والباحثين الذين حاولوا تحديد مفهومها، وسوف نستعرض فيما يلي عددا من هذه التعريفات.
يذكر سميث وآخرون (Smithe& al)أن " القيمة تطلق على كل ما هو جدير باهتمام الفرد لاعتبارات مادية أو معنوية أو اجتماعية أو أخلاقية أو دينية أو جمالية" (أبوجادو، 1998، ص204).
في حين يعرف ليبيت (Lippitt) القيمة بأنها " معيار للحكم يستخدمه الفرد أو الجماعة من بين عدة بدائل، في مواقف تتطلب قرارا ما أو سلوكا معينا". (أبوجادو،1998،ص 204).
ويعرفها روكاتش(Rokach) "أنها اعتقاد ثابت بأن نموذجا معينا من السلوك أو غاية ما من الوجود لها الأفضلية من الناحية الشخصية أو الاجتماعية مقابل نموذج آخر أو غاية أخرى" (أبوجادو، 1998، ص205).
ويذكر زاهر أن "القيمة هي مجموعة الأحكام المعيارية المتصلة بمضامين واقعية، يتشربها الفرد من خلال تفاعله مع المواقف والخبرات المختلفة، ويشترط أن تنال قبولا من جماعة اجتماعية تتجسد في سياقات الفرد السلوكية أو اللفظية" (أبوجادو،1998،ص205).
ويذكر الأشقر أن " القيمة مجموعة المبادئ والمعايير التي يضعها مجتمع ما، في ضوء ما تراكم عليها من خبرات، وتتكون نتيجة عمليات انتقاء جماعية، يصطلح أفراد المجتمع عليها، لتنظيم العلاقات بينهم، كما أنها الحكم الذي يصدره الإنسان على شيء مستهديا بمجموعة من المبادئ والمعايير التي وضعها المجتمع الذي يعيش فيه، والذي يحدد بالتالي المرغوب فيه وغير المرغوب فيه"(أبوجادو،1998، ص205).
ويشير التابعي أن " القيم تصورات دينامية، صريحة أو ضمنية، تميز الفرد أو الجماعة، وتحدد ما هو مرغوب فيه اجتماعيا، وتؤثر في اختيار الطرق والأساليب والوسائل والأهداف الخاصة، وتتجسد مظاهرها في اتجاه الأفراد والجماعات وأنماط سلوكهم، ومثلهم ومعتقداتهم، ومعاييرهم الاجتماعية، وترتبط ببقية مكونات البناء الاجتماعي، تؤثر فيها وتتأثر بها " (أبوجادو، 1998، ص205).
ومن خلال التعريفات السابقة يمكننا استخلاص تعريف مختصر للقيم، يشير إلى أن القيم عبارة عن معايير وجدانية وفكرية يعتقد بها الأفراد وبموجبها يتعاملون مع الأشياء بالقبول أو الرفض.
أو القيم هي اهتمام أو اختيار وتفضيل أو حكم يصدره الإنسان على شيء ما، مهتديا بمجموعة المبادئ والمعايير التي وضعها المجتمع الذي يعيش فيه والذي يحدد المرغوب فيه والمرغوب عنه.
ب-أهمية القيم ووظائفها:
لقد أكد المربون على أهمية القيم ودورها في كل نشاط إنساني، وتعد القيم معيارا موجها للسلوك الصادر عن الأفراد إلى جهة معينة ومحددة ضمن الإطار الاجتماعي، وهي التي تحدد الريقة التي يعرض بها الفرد نفسه الآخرين.
وأشار علماء النفس أن للقيم علاقة وثيقة بالشخصية، ويرون أنه بمعرفة قيم الشخص، يمكن معرفة شخصية جيدا.
وتبدو أهمية القيم في حياة الفرد والمجتمع واضحة عندما ندرك أن السلوك الاجتماعي في جوهره يقوم على أساس مبدأ النظام الذي يحكم العلاقات بين الناس، ويبنى على نسق للقيم يتمثلونه بينهم، فالقيم تلعب دورا هاما وأساسيا في تحقيق التواؤم بين الفرد والمحيط الاجتماعي الذي يتعامل معه، وهي روابط تجمع بين البناء الاجتماعي والشخصية، وربما كان المنظور القيمي من أوضح مصادر الإحساس الواعي لدى الفرد بالذات وبالآخرين.
ويرى "شحاتة" أن القيم تعد إحدى مرتكزات العملية التربوية، إذ أن تحقيقها من أهم مقاصد عملية التنشئة الاجتماعية ووظائفها، ويحتاج المتعلم في أي فئة عمرية أن يتعلم كيف ينبغي له أن يسلك في الحياة، وليس فقط عن طريق المعرفة الخلقية، ولكنه يحتاج إلى أن تتكون لديه عادات خلقية عن طريق الممارسة. (أبوجادو، 1998، ص207).
وهكذا نرى أن للقيم دورا هاما في توجيه سلوك الفرد والجماعة، فهي تقوده إلى إصدار الاحكام على الممارسات العملية التي يقوم بها، وهي الأساس السليم لبناء تربوي متميز، ثم أنها تسهم في تشكيل الكيان النفسي للفرد لأنها :
ü تزود الفرد بالإحساس بالغرض لكل ما يقوم به، وتساعد في توجيهه للوصول نحو ذلك الغرض.
ü تهيء الأساس للعمل الفردي والجماعي الموحد
ü تتخذ كأساس للحكم على سلوك الآخرين
ü تمكن الفرد من معرفة ما يتوقعه من الآخرين، وماهية دور أفعالهم
ü توجد لدى الفرد القدرة على الإحساس بالصواب والخطأ
ü تساعد الفرد على تحمل المسؤولية تجاه حياته، ليكون قادرا على تفهم كيانه الشخصي، والتمعن في قضايا الحياة التي تهمه، وتؤدي به إلى الإحساس بالرضا (أبوجادو، 1998، ص207).
ت-خصائص مفهوم القيمة :
إذا عدنا لاستعراض معاني القيمة وتعريفاتها المختلفة، فإننا نجد أن هناك سمات وخصائص مشتركة لمفهوم القيمة، من أبرزها:
ü اجتماعية: فهي تنطلق من إطار اجتماعي محدد، وعلى أساسها يتم الحكم على سلوك الأفراد، لأنها تنال قبولا من المجتمع.
ü ذاتية: إذ يحس كل شخص منا بالقيم على نحو خاص به، والإنسان هو الذي يحمل القيمة ويخلعها على الأشياء.
ü نسبية: من حيث الزمان والمكان، فما يعتبر مقبولا في عصر ومكان معين لا يعتبر كذلك في عصر ومكان مخالف للأول.
ü هرمية: إذ أنها ترتب عند كل شخص ترتيبا متدرجا في الأهمية، وبحسب الأهمية والتفضيل لكل فرد، وعلى هذا يمكننا القول أن لدى كل فرد نظاما للقيم يمثل جزءا من تكوينه النفسي الموجه لسلوكه.
ü تتصف بالقابلية للتغير: بالرغم من أنها تتصف بالثبات النسبي إلا أنها قابلة للتغير بتغير الظروف الاجتماعية، لأنها انعكاس لطبيعة العلاقات الاجتماعية ونتاج لها.
ü تتسم القيم بالعمومية: حيث تشكل طابعا قوميا عاما، ومشتركا بين جميع الطبقات
ü تتضمن القيم نوعا من الرأي أو الحكم على شخص أو شيء أو معنى معين.
ü القيم مثالية: لأنها ليست شيئا بأي حال، وإن كانت الأشياء هي التي تحملها.
ü القيمة تجربة: فوجودها لا يكون إلا بشخص ولشخص، يجريها في فعل أصيل، وهو فعل التقدير، ولكل نوع منها تقدير خاص به.
ü القيمة ذات قطبين في الجملة: فهي إما هذا الوجود أو ذلك، أنها حق أو باطل. (أبوجادو، 1998، ص208).
ث-مكونات القيم:
القيم نتاج اجتماعي يتعلمها ويكتسبها ويتشربها ويستدخلها تدريجيا ويضيفها الفرد إلى أطره المرجعية للسلوك، ويتم ذلك من خلال التنشئة الاجتماعية، وعن طريق التفاعل الاجتماعي (interaction social) يتعلم أن يفضل بعض الدوافع والأهداف على غيرها، أي يعطيها قيمة أكثر من غيرها.
ويرى (بارسونز) وغيره من علماء الاجتماع والأنثربولوجيا أن القيمة تتكون من ثلاثة عناصر هي :
ü المكون العقلي- المعرفي (الاختيار): و يشمل المعارف والمعلومات النظرية، وعن طريقه يمكن تعليم القيم، ويتصل هذا المكون بالقيمة المراد تعلمها وأهميتها وما تدل عليه من معان مختلفة.
ü المكون الوجداني- النفسي (التقدير): يشمل الانفعالات والمشاعر والأحاسيس الداخلية، وعن طريقه يميل الطفل إلى قيمة معينة، ويتصل هذا المكون بتقدير القيمة والاعتزاز بها، وفي هذا الجانب يشعر الطفل بالسعادة لاختيار القيمة ويعلن الاستعداد للتمسك بها.
ü المكون السلوكي- الإرشاد الخلقي (الفعل): وهذا الجانب هو الذي تظهر فيه القيمة، فالقيمة تترجم إلى سلوك ظاهري، ويتصل هذا الجانب بممارسة القيمة أو السلوك الفعلي والأداء النفس حركي، وفي هذا الجانب يقوم الطفل بممارسة وتكرار استخدامها في الحياة اليومية.(عبد اللا، 2012، ص 245-246).
وتؤكد المدرسة الاجتماعية المعاصرة أن هذه العناصر متداخلة ومتفاعلة فيما بينها، بتأثير المجتمع والتفاعل الاجتماعي، وتعكس ثقافته وتعبر عن طبيعة العلاقات الاجتماعية السائدة.
ج-تصنيف القيم:
يتفق دارسو القيم على صعوبة تصنيفها، وعلى أنه لا يوجد تصنيف شامل لها، والواقع أنه مهما يكن في تصنيف القيم من قصور عن الإحاطة بأنواعها جميعا، إلا أن التصنيف أمر ضروري لدراسة القيم.
وسوف نعتمد على تصنيف القيم على أساس أبعادها المختلفة على النحو التالي:
ü أنماط القيم حسب بعد المحتوى: وقد قسمها (spranger) في كتابه "أنماط الرجال" إلى ستة أنماط هي:
ü قيم دينية: ترتبط بالاهتمام بالمعتقدات والتعاليم الدينية
ü قيم اجتماعية: ترتبط باهتمام الفرد بحب الناس والتضحية من أجلهم وبذل الجهود من أجل سعادتهم وتحسين أحوالهم.
ü قيمة اقتصادية: ترتبط بالاهتمامات العملية ذات النفع المادي، والصاعة والإنتاج واستثمار الأموال في الأعمال التجارية.
ü قيمة معرفية: ترتبط باهتمام الفرد وميله لاكتشاف الحقائق والمعارف
ü قيم سياسية: ترتبط بالسلطة، السيطرة، والعمل السياسي.
ü قيم جمالية: ترتبط باهتمام الفرد وميله إلى ما هو جميل من حيث الشكل وكمال التنسيق والانسجام (أبوجادو، 1998، ص 210).
ü أنماط القيم حسب مقاصدها: تنقسم القيم من ناحية مقاصدها إلى قسمين:
ü قيم وسائلية: هي تلك القيم التي ينظر إليها على أنها وسائل لتحقيق غايات أبعد
ü قيم نهائية: هي الأهداف والفضائل التي تضعها الجماعات لأفرادها .
ü أنماط القيم حسب شدتها وإلزامها: يمكن أن نميّز بين ثلاثة مستويات لشدة القيم وإلزامها، وهي:
ü ما ينبغي أن يكون: هي القيم الملزمة أو الآمرة الناهية.
ü مايفضل أن يكون: هي القيم التفضيلية، التي يشجع الأفراد على الالتزام به.
ü ما يرجى أن يكون: أي القيم المثالية التي يحس الناس بصعوبة تحقيقها بصورة كاملة، ومن أمثلتها مقابلة الإساءة بالإحسان.
ü أنماط القيم حسب شيوعها: تنقسم القيم من حيث درجة شيوعها وانتشارها إلى قسمين:
ü القيم العامة: هي القيم التي يعم انتشارها في المجتمع كله
ü القيم الخاصة: هي القيم المتعلقة بمناسبات اجتماعية معينة، أو بمناطق محدودة، أو بطبقة أو جماعة خاصة. (أبوجادو، 1998، ص210).
ü أنماط القيم حسب وضوحها: تنقسم القيم من ناحية وضوحها إلى قسمين:
ü القيم الصريحة: وهي القيم التي يصرح بها، ويعبر عنها بالكلام وبالسلوك نفسه
ü القيم الضمنية: هي القيم التي نستخلص ونستدل عليها من ملاحظة الاختيارات التي تتكرر في سلوك الأفراد.
ü أنماط القيم حسب ديمومتها: تصنف حسب هذا البعد إلى صنفين:
ü القيم العابرة: هي التي تزول بسرعة، وتمتاز بعدم قدسيتها من قبل المجتمع
ü القيم الدائمة: هي التي تدوم زمنا طويلا، وقد تمتد جذورها إلى أعماق التاريخ.(أبوجادو، 1998، ص 211)
ح-التمييز بين القيم والاتجاهات:
لقد حظي موضوع القيم والاتجاهات باهتمام كبير في مجالي علم النفس والاجتماع، حيث يؤكد علماء الاجتماع أمثال (دوركايم) على أهمية هذه القيم والاتجاهات في سلوك الأفراد وفي استمرارية وتماسك المجتمع.
ويمكن تحديد طبيعة التداخل بين المفهومين بالصورة التالية:
ü القيم والاتجاهات من موجهات السلوك
ü القيم والاتجاهات مفهومان مكتسبان
ü كلاهما قابل للتعديل والقياس
ü يتكون كل منهما من ثلاثة أبعاد معرفية ووجدانية وسلوكية
ü كلاهما يدخل في تشكيل المعتقدات
أما أوجه التباين والاختلاف بين المفهومين فهي :
ü القيمة أكثر ثباتا وديمومة من الاتجاه
ü القيمة تعتبر أساس للاتجاه
ü تكون القيم مغلقة بدرجة أكبر من الاتجاه
ü القيم توجه السلوك بدرجة أعلى من الاتجاهات
ü غالبا ما تكون القيم ذات طابع اجتماعي بدرجة أكبر من الاتجاه
ü تنطوي القيم على جانب تفضيلي، في حين تأخذ الاتجاهات محاور السلب والإيجاب (أبوجادو، 1998، ص214).
ويقارن (ميلتون روكيش) بين القيم والاتجاهات على النحو التالي:
ü يشير الاتجاه إلى تنظيم لمجموعة من المعتقدات حول موضوع معين، في حين تشير القيمة إلى معتقد واحد، وتشتمل على ضرب من ضروب السلوك المفضل أو غاية من الغايات المحددة.
ü تأخذ القيمة صيغتها كمعيار بينما لا يكون الاتجاه كذلك.
بالإضافة إلى هذا، يتميز مفهوم القيمة بعمومية أوسع من الاتجاه، وإذا كانت القيم تشكل مضمون الاتجاهات، فإن هذه الأخيرة تشكل الإطار العام للقيم، وبالتالي فإن القيم هي التي تحدد اتجاهات الشكل العام الذي تتجلى فيه.
ويرى بعض الباحثين أن القيمة تشير إلى غاية مرغوبة، بينما يشير الاتجاه إلى موضوع يحبه الشخص أو يكرهه، فالقيم تتميز عن الاتجاهات بغائيتها، وذلك بعكس الاتجاهات.(أبوجادو، 1998، ص214).
وخلاصة القول أن بناء القيم التربوية مسؤولية عامة، تسهم فيها التنشئة الاجتماعية كعملية تربية وتعلم و تعليم بمؤسساتها الرسمية وغير الرسمية، ويشير هذا البناء إلى العملية التي يتشرب فيها الأفراد مضامين النظام القيمي للمجتمع الذي يعيشون فيه، ويتعرفون على الأحكام المعيارية للصواب والخطأ، وما هو زائف وما هو حقيقي.