الدرس الثاني عشر: التنشئة الاجتماعية:   الاتجاهات الاجتماعية والتصورات الاجتماعية


6-3.الاتجاهات الاجتماعية: social attitudes

يحتل موضع الاتجاهات أهمية خاصة في علم النفس الاجتماعي، لأن الاتجاهات النفسية الاجتماعية تعتبر من أهم نواتج عملية التنشئة الاجتماعية، ومحددات موجهة وضابطة ومنظمة للسلوك الاجتماعي.

ويتكون لدى كل فرد وهو ينمو اتجاهات نحو الأفراد والجماعات والمؤسسات والمواقف والموضوعات الاجتماعية، والحق أن كل ما يقع في المجال البيئي للفرد يمكن أن يكون موضوع اتجاه من اتجاهاته.

ولقد كان الفيلسوف الإنجليزي هيربرت سبنسر (H.Spencer) أول من استخدم هذا المصطلح عام (1862) حين قال" أن وصولنا إلى أحكام صحيحة في مسائل كثيرة، لكثير من الجدل، يعتمد إلى حد كبير على اتجاهنا الذهني، ونحن نصغي إلى هذا الجدل ونشارك فيه" (أبوجادو، 1998، ص 189).

أ-تعريف الاتجاهات:

لا يوجد تعريف واحد مقنن يعترف به جميع المشتغلين في مجال علم النفس للاتجاهات النفسية، وسوف نستعرض أهم التعريفات المختلفة للعلماء في تحديد هذا المفهوم.

يعرف (Sear& Freedman,1985) الاتجاهات على أنها " نظم دائمة من التقييمات الإيجابية أو السلبية والمشاعر الانفعالية، وميول الاستجابة مع أو ضد موضوعات اجتماعية معينة" (أبوجادو، 1998، ص 189).

أما تريفرز(Travers,1973) فقد عرف الاتجاه بأنه " استعداد الفرد للاستجابة بطريقة تعطي سلوكه وجهة معينة" (أبوجادو، 1998، ص 190).

في حين يعرف ألبورت (Allport) الاتجاه بأنه" إحدى حالات التهيؤ والتأهب العقلي العصبي التي تنظمها الخبرة، وتكون ذات تأثير توجيهي دينامي على استجابة الفرد في جميع الموضوعات والمواقف التي ترتبط بهذا الاتجاه.(أبوجادو، 1998، ص 190).

أما شريغلي(shrigly)فيرى أن الاهتمام بالاتجاهات ينبع من أنها سمات كامنة في الإنسان تنعكس في سلوكه، كما أن مفهوم الاتجاه يعتبر محيرا، ويذكر (الخليلي، 1989) أن (شريغلي) حاول إيجاد إطار يحدد فيه معنى الاتجاهات معتمدا على تاريخ مفهوم الاتجاه، في علم النفس الاجتماعي و نظريات التعلم وخلص من ذلك الى تحديد مجموعة من العناصر تحدد مفهوم الاتجاه وهي أن " الاتجاهات متعلمة، تنبئ بالسلوك تتأثر بسلوك الآخرين، وهي استعدادات للاستجابة، وتقييمية تشمل الجانب الانفعالي" (أبوجادو،1998، ص 190).

ويعرف أيكن (Aiken)الاتجاه بأنه " استعداد متعلم من جانب الفرد ليستجيب سلبا أو إيجابا لبعض الموضوعات والمواقف والمفاهيم"  (أبوجادو،1998، ص 191).

وبالرغم من تعدد تعريفات الاتجاه ، غير أن جميعها تتفق على كون الاتجاه عبارة عن مجموعة من الأفكار والمشاعر والإدراكات والمعتقدات حول موضوع ما توجه سلوك الفرد وتحدد موقفه من ذلك الموضوع.

ب-أنواع الاتجاهات:

تعددت أنواع الاتجاهات وتصنيفها بعدد المعايير التي اتخذت أساسا للتصنيف، ومن حيث العمومية تنقسم إلى:

ü     اتجاهات عامة: تنصب على موضوعات عامة وتهم مجتمعا بأسره، مثل موضوعات الرأي العام، موضوعات تنظيم الأسرة، الحجاب، المدرسة، ممارسة النشاط الرياضي ومعاملة المعوقين، حقوق المرأة.

ü     اتجاهات نوعية خاصة: تكون حول موضوعات ذات طبيعة خاصة محددة وتخص فئة من الناس، مثل حقوق العمال في النقابات العمالية.

ü     ومن حيث الإيجابية تنقسم إلـــى:

-          اتجاهات إيجابية: هي الاتجاهات التي تنشأ حول موضوع بيئي أو شخصي ما، وتسعى بالأفراد نحو هذا الموضوع وتحصل على تأييد الفرد وموافقته،...قبوله.

-          اتجاهات سلبية: تنشأ حول موضوع معين وتنحو بالأفراد بعيدا عن هذا الموضوع ولا تحصل على تأييد الفرد وموافقته،... الرفض والنفور. (عبداللا، 2012، ص 60).

ü     وتصنف من حيث المرونة إلـــــــــى:

-          اتجاهات جامدة: تنشأ حول موضوعات ومواقف بيئية وتظل ثابتة لدى معتنقيها من الأفراد، ويصعب تغييرها مثل الاتجاهات حول بعض المعتقدات الشعبية.

-          اتجاهات مرنة: تظهر المرونة في إمكانية تغيير الاتجاهات بسهولة عندما تتكون حول موضوعات هامشية للأفراد وتكون سطحية.

ü     وتصنف الاتجاهات من حيث العلنية إلــــــــى :

-          اتجاهات علنية: هي تلك التي يعلنها ويتحدث عنها الأفراد علانية أمام الآخرين، وتكون اتجاهات تتعلق بموضوعات ومواقف مقبولة من المجتمع.

-          اتجاهات سرية: هي التي يحاول أصحابها إخفائها ولا يستطيعون التعبير عنها أمام الآخرين مثل الاتجاهات التي تنشأ حول موضوعات ومواقف لا يقبلها المجتمع أو يحرمها مثلا السياسة. (عبد اللا، 2012، ص 61).

ü     و تصنف الاتجاهات من حيث القوة إلـــــــى:

-          اتجاهات قوية: تختلف القوة في الاتجاه عن الإيجابية، حيث ترتبط قوة الاتجاه بشدة الاتجاه ذاته، فبعض الاتجاهات تكتسب شدتها من قوة موضوعها وشدة تأثير الإيحاء الذي تكتسب به الاتجاهات القوية، فقد يكتسب الاتجاه تحت تأثير الإيحاء من شخص أو وسائل الإعلام.

-          اتجاهات ضعيفة: هي الاتجاهات التي تكتسب تحت تأثير إيحاء ضعيف من وسائل الإعلام أو الأشخاص كما أنها اتجاهات من السهل أن يتخلى عنها الفرد نظرا لضعف شدتها، كما أنها تكتسب حول موضوعات أو مواقف بيئية ثانوية وقيمتها ضعيفة لدى الأفراد. (عبد اللا، 2012، ص62).

ت-خصائص الاتجاه النفسية الاجتماعية:

تتلخص أهم خصائص الاتجاهات النفسية، والتي يمكن اشتقاقها من التعريفات السابقة للاتجاهات فيما يلي:

ü     إن الاتجاهات مكتسبة أو متعلمة، ومن ثم فإنه يفترض أنها يمكن أن تدعهم أو تعزز أو تنطفئ.

ü     الاتجاهات أكثر استمرارية وديمومة من الدافع، الذي ينتهي بإشباع الحاجة ويعاود الظهور بعودتها، والاتجاه قد يؤدي إلى استثارة عدد من الدوافع المعنية التي تخدم الاتجاه العام الواحد.

ü     الاتجاهات قابلة للقياس ويمكن التنبؤ بها.

ü     الاتجاه علاقته بين الفرد وموضوع أو شيء ما، ويستدل على الاتجاه من ملاحظة السلوك نحو الموضوع والشيء المعين.

ü     يتأثر الاتجاه بخبرة المرء ويؤثر فيها، وهو نتاج الخبرة وعامل توجيه فيها، قابل للتغيير والتطور تحت ظروف معينة.

ü     الاتجاه دينامي، أي يحرك سلوك المرء نحو الموضوعات التي انتظم حولها

ü     قد يكون الاتجاه سلبيا أو إيجابيا أو محايدا، وقد يكون ضعيفا أو قويا نحو موضوع معين.

ü     تتكون الاتجاهات وترتبط بمثيرات ومواقف اجتماعية، ويشترك عدد من الأفراد أو الجماعات فيها.

ü     لا تتكون الاتجاهات في فراغ، لكنها تتضمن دائما علاقة بين فرد وموضوع من موضوعات البيئة.

ü     تتفاوت الاتجاهات في وضوحها، فمنها ما هو واضح المعالم ومنها ما هو غامض، ويغلب على محتوى الاتجاهات الذاتية أكثر من الموضوعية. (أبوجادو، 1998، ص192) .

ث-أهمية الاتجاهات النفسية والاجتماعية:

تحتل دراسة الاتجاهات مكانا بارزا في الكثير من دراسات الشخصية، وديناميات الجماعة والتنشئة الاجتماعية، وفي كثير من المجالات التطبيقية، مثل: التربية والصحافة والعلاقات العامة، وتوجيه الرأي العام، والدعاية التجارية والسياسية والثقافية والاجتماعية، وغيرها من مختلف ميادين الحياة.

ذلك أن جوهر العمل في هذه المجالات هو دعم الاتجاهات الميسرة لتحقيق أهداف العمل فيها وإضعاف الاتجاهات المعيقة، بل إن العلاج النفسي هو محاولة لتغيير اتجاهات الفرد نحو ذاته أو نحو الآخرين أو نحو عالمه.

إن تراكم الاتجاهات في ذهن المرء، وزيادة اعتماده عليها، تحد من حريته في التصرف وتصبح أنماطا سلوكية روتينية متكررة، ويسهل التنبؤ بها، ومن ناحية أخرى تجعل الانتظام في السلوك والاستقرار في أساليب التصرف أمرا ممكنا وميسرا للحياة الاجتماعية، ومن هنا كانت دراسة الاتجاهات عنصرا أساسيا في تفسير السلوك الحالي والتنبؤ بالسلوك المستقبلي للفرد والجماعة أيضا.

 

ج-عوامل تكوين الاتجاهات:

تنبع الاتجاهات من واقع الظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسة، وتتماشى مع مرحلة التطور التي يجتازها المجتمع، وتلعب التنشئة الاجتماعية من خلال عملية التفاعل الاجتماعي دورا رئيسيا في تكوين الاتجاهات.

ومن أبرز العوامل التي تؤثر في تكوين الاتجاهات ما يلي:

ü     العوامل الحضارية: Civiliztional factors

من أمثلتها المسجد، والمدرسة والمنطقة التي يعيش فيها الفرد، ولا يخفى بأن هذه العوامل والمؤثرات لا تدعو إلى نفس الاتجاهات مما يحتّم على الفرد التحيّز نحو واحد منها.

ü     الأســرة: Family

فالطفل يتأثر في بداية حياته بالاتجاهات التي تكون لدى والديه وغيرهما، من أفراد الأسرة نحو موضوعات معينة أو أشخاص معينين أو أعمال معينة، مما يؤدي إلى اكتساب لهذه الاتجاهات أو بعضها عن طريق التقليد والتعلم.

ü     الفرد نفسه:  Individuel

فالتنشئة الاجتماعية تلعب دورا هاما في تكوين شخصية الفرد، وتميزه عن غيره من الأشخاص من خلال ما يكتسبه منها من ميول واتجاهات.

ü     الخبرة الانفعالية الناتجة عن موقف معين  Affective experience

فهذه الخبرة تلعب دورا هاما في تكوين الاتجاه سلبا أو إيجابا، وعلى سبيل المثال، فإن العمل الذي يتبع بتعزيز يؤدي إلى تكوين اتجاه إيجابي لدى الفرد، في حين يؤدي العمل الذي يتبع بعقاب إلى تكوين اتجاه سلبي لديه.

ü     السلطات العليا: Higher Authority

فهي تفرض على الفرد الالتزام بأمور معينة كاحترام القوانين وتنفيذها، مما يؤدي إلى تكوين اتجاهات لديهم نحو هذه الموضوعات، نظرا لما يترتب على عدم الالتزام بها أو الخروج عليها من عقاب، وتتكون الاتجاهات في هذه الحالة نتيجة عاملين هما الاحترام والخوف.

ü     رضا وحب الآخرين: Others Satisfaction

فإن الشخص الذي يمارس لعبة ويتقيد بقواعدها على نحو يجعله يحظى بالرضا من قبل زملائه، تتكون لديه اتجاهات تتمثل في الحرص على التقيّد بآداب اللعب، في أي نشاط رياضي وحب التعاون وحب أعضاء الفريق. (أبوجادو، 1998، ص 196-197)

6- 4 التصورات الاجتماعيةles représentations sociales

يعتبر مفهوم التصورات الاجتماعية من المفاهيم المتداولة حديثا في حقل العلوم الإنسانية، حيث لاقى اهتماما وتطورا كبيرا في شتى المجالات التي لها علاقة بالعلوم الإنسانية كالأنثروبولوجيا والتاريخ واللسانيات والتحليل النفسي وعلم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي، وقد عرف هذا المفهوم استخداما واسعا في مجال البحوث، حيث أصبحت حقلا متعدد التخصصات  (Pluri-disciplinaire) ، فبالرغم من أن أغلب المساهمات كانت لعلماء نفس اجتماعيين، إلا أن دراسة التصورات الاجتماعية اتخذت أشكالا مختلفة نظريا أو منهجيا بحسب توجهات العلم الذي يتبناها (علم الاجتماع، الأنثروبولوجيا، التاريخ..)، لهذا تأتي أهمية هذا الجزء من المحاضرة التي من خلالها سنتطرق إلى أصل مفهوم التصورات الاجتماعية، تعريفها، تطورها، خصائصها ووظائفها.

أ-أصل المصطلح:

يشير مصطلح التصور الاجتماعي إلى مجموعة من القيم والأفكار والمعتقدات والممارسات التي يتقاسمها أفراد من مجموعة اجتماعية وجماعات مشتركة، وبهذا يمكن القول أن نظرية التصور الاجتماعي عبارة عن مجموعة من النظريات الواردة ضمن مجالات علم النفس الاجتماعي وعلم النفس الاجتماعي السوسيولوجي، ويوجد أوجه تشابه بين تلك النظرية وبين النظريات الاجتماعية أمثال البنائية الاجتماعية ونظرية التفاعل الرمزي.

لقد صاغ مصطلح التصور الاجتماعي في بادئ الأمر العالم سيرج موسكوفيتسكي  عام 1961، وذلك  من خلال دراسته حول تناول التحليل النفسي وتعميمه في علم نفس فرانكشتين fran psycology ، كما تمت الإشارة إلى هذا المصطلح باعتباره "نظام من القيم والأفكار والممارسات يضم وظيفة مزدوجة، أولا، إنشاء نظام من شأنه العمل على تمكين الأفراد من قيادة أنفسهم في عالمهم المادي والاجتماعي وسيادتها، وثانيا، إتاحة حدوث اتصال بين أفراد المجتمع الواحد من خلال تزويدهم برمز للتبادل الاجتماعي ورمز لتسمية وتصنيف الجوانب المختلفة لعالمهم وتاريخهم الفردي والجماعي بطريقة واضحة"، وفي دراسته التي أجراها، اتجه موسكوفيتشي نحو دراسة طريقة عمل النظريات العلمية داخل إطار الفطرة السليمة وما الذي يحدث لتلك النظريات عندما يستفيض الجمهور العادي في دراستها بالتفصيل، وبالنسبة لهذا التحليل، افترض موسكوفيتشي وجود عالمين: عالم يجسد العلوم، ويعمل وفقا لقواعد وإجراءات علمية وبالتالي الحصول على المعرفة العلمية، والعالم التوافقي للتصور الاجتماعي والذي من خلاله يتجه الجمهور العاجي إلى دراسة وتناول أشكال المعرفة بشيء من التفصيل، تلك المعرفة التي تعمل على تشكيل مضمون الفطرة السليمة.  Consulter le 07/03/2018 à 20h00) (https://ar.wikipedia.org/x/index.php?title &oldid=2590908

وفي دراسته الرائدة، وصف موسكوفيتشي من خلالها كيف واجه ثلاث شرائح من المجتمع الفرنسي في خمسينيات القرن العشرين، الأوساط الليبرالية الحضرية، والكاثوليكية، والشيوعية، التحدي المتمثل في الأفكار الخاصة بالتحليل النفسي، وقد توصل موسكوفيتشي من خلال الدراسة العلمية أن عملية الاتصال والمحتويات وآثارها تختلف بين الشرائح الاجتماعية الثلاث هذه، وقد عرف موسكوفيتشي النشر باعتباره اتصالا نموذجيا يتم داخل الأوساط الشيوعية، والتي بموجبها يتم تنظيم الاتصال بشكل منهجي مع التأكيد على عدم التوافق والصراع، ويكون القصد من ذلك إخراج الصور النمطية السلبية، ويعد النشر الشكل النموذجي للشريحة الكاثوليكية، ويتم وصفه باعتباره تعليمي ومنظم على نحو جيد ولكن مع نية تقديم تنازلات محدودة لمجموعة فرعية من الكاثوليكيين ذوي صلات بالتحليل النفسي، وفي نفس الوقت لوضع قيود للقبول في المعتقد الأرثوذكسي الراسخ للكنيسة، أما الانتشار، فيعد الشكل النموذجي داخل الأوساط الليبرالية الحضرية، حيث يهدف الاتصال إلى مجرد إبلاغ الأشخاص بالفرص الجديدة، مع القليل من المقاومة للتحليل النفسي.

ب-تطور النظرة إلى التصورات:

ü     نظرة الفلاسفة:

يتعلق التصور بالنسبة لبعض الفلاسفة، بفعل معرفي يربط شيئا ما بموضوع ما مكونا بذلك تصورا، حيث يصبح التصور بهذا المعنى عملا فكريا ديناميكيا " الخلق" و" إعادة الخلق"، حقيقة تربط بين موضوع مفكر فيه وبين محتوى خارجي ملموس، فتصورنا للشجرة مثلا هو ربط قمنا به بين صورة هذه الأخيرة في فكرنا وبين الشجرة الملموسة (الحقيقية) الموجودة في الحديقة، فالواقع إذن لا يوجد إلا من خلال النظرة التي يكونها الإنسان حوله.

ü     نظرة علماء النفس المعرفي :

يشتغل الباحثون في هذا التخصص على مفهوم "التصورات العقلة"، حيث ينظر لهذه الأخيرة كوسائط للتفاعل بين العون المعرفي  (agent cognitive) والعالم (العالم الخارجي أو الداخلي، الواقعي أو الخيالي)، فالتصور العقلي هو سيرورة لبناء تواصلات بين عنصرين هما المتصوِّر والمُتصوَّر (Gallina, 2006, p12)، وتبدو هذه النظرة شبيهة بتلك التي تطرق إليها الفلاسفة من قبل، غير أن هؤلاء اتّخذوا مجرى فلسفي في تعاملهم مع هذا الموضوع، وذلك من خلال أفكار مثل: هل يوجد واقع حقيقي أم أن ما نراه هو ما أنتجته أفكارنا عن محيطنا؟ وهل يمكن أن تكون تصوراتنا لمحيطنا خادعة لنا ومزيفة للواقع؟ أما التصورات العقلية فيتم تناولها هنا على أنها تمثيلات فكرية (رسم ، مفهوم) ، في مقابل تصورات مادية تعتبر تمثيلات مادية  للواقع (الصور، المخططات، الكتابة الألف بائية، الكتابة الموسيقية)، بعبارة أخرى تعتبر التصورات العقلية تمثيلا فكريا غير ملموس للواقع يحدث على مستوى فكر الفرد، تماما كما تعطينا آلة التصوير تمثيلا ماديا متمثلا في صورة فوتوغرافية، وهكذا يهتم علم النفس المعرفي بالتصورات العقلية الفردية، أي على مستوى فكر الأفراد، وذلك بالاهتمام بمختلف السيرورات الرمزية والخصائص البنيوية والوظيفية لهذه التصورات (Gallina, 2006, p21-23).

ü     نظرة علم الاجتماع:

أما علم الاجتماع فقد تجسدت نظرته من خلال مفهوم "التصورات الجماعية"  « Représentation collectives » ، الذي طرحه دوركايم Durkheim منذ أكثر من قرن، فبما أن الجماعة الاجتماعية (المجتمع) تمثل الوحدة القاعدية لهذا العلم، فقد تم اعتبار التصورات الجماعية أشكالا عقلية مجتمعة، لها ديمومة تستمر لأجيال، فبالرغم من اعتراف دوركايم بالتصورات الفردية، فقد رأى بأن دورها في التصورات الجماعية يبقى سلبيا، فهي غير ذات أهمية كبيرة لأنها محدودة في الزمن (تختفي باختفاء صاحبها)، ولأنها  لا تعكس جيدا التصورات الجماعية التي تخضع لقوانين جماعية مختلفة  (Roussiau et Bonardi, 1999, p10-12).

 يرى دوركايم أن الجماعة ليست مجرد حاصل لمجموع الأفراد الذين يكونونها، بل كيان مستقل كامل الأوجه، ولهذا يجب دراستها انطلاقا من هذا الأساس، وبالتالي يرى أن "التصورات الجماعية خارجة عن وعي الأفراد، فهي لا تنبثق عن أفراد مأخوذين بشكل معزول، ولكن من توافقهم، وهذا أمر مختلف"، فالتصورات تكون مختلفة وعابرة ويومية عندما تكون فردية، في حين أنها مستقرة وصلبة ومتقاسمة عندما تكون جماعية (blanc, et autres, 2006, p14)  .

ü     نظرة علم النفس الاجتماعي:

بخلاف "التصورات الجماعية" المتعلقة بجماعات اجتماعية واسعة وثابتة في الزمن، يقترح علم النفس الاجتماعي من خلال موسكوفيتش مفهوم "التصورات الاجتماعية « Représentation sociale » الذي يقدم التصورات على اعتبارها ديناميكية ومتطورة، كما أنها منحصرة على بنى صغيرة، فهي إذن كثيرة من حيث العدد وأكثر تنوعا ومحدودية وتجزئة، ولهذا السبب تتغير بشكل أسهل وأسرع مقارنة بالتصورات الجماعية، فعلماء النفس الاجتماعيون يرون بأن التصورات الاجتماعية من صنع الفرد، ولكنها مكتسبة ومتقاسمة أيضا مع الجماعة  (Roussiau, et Bonardi, 1999, p17-18)، لكن الجماعة (collectivité)في تصور موسكوفيتش ليست هي المجتمع الأصلي، وإنما هي الجماعات الصغيرة التي ينتمي إليها الأفراد.

ت-تعريف التصورات الاجتماعية:

نظرا لكون التصورات الاجتماعية حقلا متعدد التخصصات فإن التعاريف يمكن أن تختلف باختلاف هذه الأخيرة، غير أن ما يهمنا في هذا العنصر هو التركيز أكثر على التعاريف التي يقترحها علماء النفس الاجتماعيون.

هناك تباينات عديدة في التعاريف المقدمة في علم النفس الاجتماعي أيضا، وقد يرجع السبب إلى ما يراه "لحلو  lahlo" من أن تعريفات التصور الاجتماعي تتغير بحسب المؤلفين والوضعيات، فهي نفسها تصورات لمفهوم معين، يعيدون صياغتها بحيث يمكن توظيفها في السياق الذي يستعملونه، لكن هذه الاختلافات لا ترجع في واقع الأمر لمجرد اختلاف في الرؤى وإنما لتباينات نظرية ومنهجية متفاوتة الشدة.

يعرف موسكوفيتشي(1961): التصور الاجتماعي هو " جهاز من القيم والأفكار والممارسات المتعلقة بمواضيع معينة، ومظاهر وأبعاد للوسط الاجتماعي، فهي لا تسمح فقط باستقرار إطار حياة الأفراد والجماعات، ولكن تكون أداة لتوجيه إدراك الوضعيات وإعداد الإجابات"  (Fixher, 2005, p 130) .

يقارب هذا التعريف للفكرة التي قدمها "دوركايم" عن التصورات الجماعية، حيث ينظر إلى التصورات كوحدة اجتماعية مستقلة تسير العلاقات بين الأفراد والجماعات، وهي فكرة قريبة من فكرة الحس المشرك « le sens commun ».

في حين يرى "هرزليش" (1969): أن دراسة التصور تهدف لإعادة دراسة الكيفيات التي تتم من خلالها المعرفة والسيرورات الرمزية في علاقتها مع السلوكات، أي أن التصور فعل رمزي وتركيب للفكر ونشاط مرتبط بموضوع، فالتصورات تجاه موضوع ما تحدد مختلف السلوكيات التي يتبناها الأفراد اتجاه هذا الموضوع، كما تعدل الممارسات في المقابل تصورات الموضوع. (Blanc et autres , 2006, p16)

لقد تبنى هذا التعريف نظرة قريبة من تلك التي يتبناها علم النفس المعرفي، حيث يشير إلى العمليات التي تحدث على مستوى فكر الفرد، كما يعتبر أن التصورات محددة للسلوكيات وكذا العكس، أي تأثير السلوكيات على تصورات الفرد.

أما "جودلي" (1984) فيرى أن " التصورات الاجتماعية عبارة عن كيفيات من التفكير الملموس الموجه نحو التواصل والفهم والتحكم في المحيط الاجتماعي والمادي والمثالي...حيث تملك ميزة خاصة على مستوى تنظيم المحتويات والعمليات العقلية وعمليات المنطق، فالوسمة  (marquage) الاجتماعية لمحتويات وسيرورات التصور ترجع إلى الشروط والإطار الذي تبرز فيه التصورات، وكذا التواصلات التي تتحرك من خلالها، بحسب الوظائف التي تقدمها أثناء التفاعل مع العالم والآخرين". (Fischer, (2005), p 130)

يشترك هذا التعريف مع سابقه في البعد المعرفي الفردي للتصور الاجتماعي، ولكن يرى أن طرق التفكير متأثرة بالإطار الاجتماعي، وضامنة للتفاعل بين الفرد والآخرين، أي أن التصور الاجتماعي مكون فردي واجتماعي في الوقت نفسه.

تعكس التعريفات السابقة توجهات الباحثين المختلفة، فهناك من اهتم بالنشاط المعرفي الذي يمارسه الفرد  في الفعل التصوري، في حين اهتم آخرون بالتفاعلات الفرد-جماعية أو بالتواصل، كما اختلف التطرق إلى التصور، وذلك من خلال اعتباره ديناميكية أو بنية أو محددا لسلوكيات الأفراد.

أما "فرانسوا لابلونتين François Laplantine " فيرى أن مفهوم التصور لا ينتمي إلى ميدان تخصصي معين، فكثير من التخصصات في العلوم الإنسانية تناولته وكثيرا ما أعطته معاني مختلفة، ولكن مهما كان الجانب الذي يتم التركيز عليه فإنه يجب أن لا نغفل أن مفهوم التصور يتضمن العناصر التالية:

-               يقع التصور في نقطة الاتصال بين ما هو فردي وما هو اجتماعي

-               يقع التصور ضمن ثلاث ميادين بحث هي : الحقل المعرفيchamp de la connaissance، لأن التصور هو قبل كل شيء معرفة، ثم الحقل القيمي champ de valeur، لأن التصور ليس معرفة فقط عند صاحبها، حيث لا يحكم عليها من حيث صحتها فقط، بل هي معرفة جيدة أو سيئة، أي أنها تقييم، ثم الحقل العمليChamp de l’action  فالتصور لا يمكن اختصاره في مجرد  مظاهر معرفية أو تقييمية، فهو تعبير وبناء للواقع الاجتماعي في آن واحد، فالتصورات ليست فقط وسيلة للمعرفة، بل هي أدوات للعمل.

يقترح "لابلونتين" بناءا على ما سبق التعريف التالي للتصورات:" أن التصورات الاجتماعية هي التقاء الخبرة الفردية بالنماذج الاجتماعية حول طريقة تناول الواقع، إنها معرفة يبنيها أفراد مجتمع معين حول جزئية من وجودهم أو وجودهم برمته، إنها تفسير اجتماعي للأحداث بحيث يصبح بالنسبة للأفراد المنتمين لذلك المجتمع الحقيقة بذاتها" (Laplantine, 1994, p 278).

من خلال التعاريف السابقة لمفهوم التصورات الاجتماعيةles représentations sociales ، قد لا نتمكن من حصرها جميعا نظرا  لغناء هذا المفهوم واتصاله بأكثر من تخصص  وبأكثر من موضوع، ولكنه يمكننا أن نستخلص نتيجة، وهو أن الطابع النفسي –الاجتماعي هو الغالب في معظم التعاريف والتي يمكن حوصلتها كما يلي:

ü     التصورات الاجتماعية تربط الفرد بموضوع التصور:

كل تصور اجتماعي هو تصور لشيء ما (موضوع) يقوم به شخص ما، ويترتب عن ذلك أن يتأثر التصور بخصائص كل من الموضوع المتصور والشخص المتصوِر، فالموضوع والشخص ليسا منفصلين تماما، حيث يستملك الشخص خصائص الموضوع ليعيد بنائها وفقا لخصائصه هو، وتلك نقطة مركزية في نظرية التصورات الاجتماعية التي تعتبر أن الحقيقة الموضوعية لا وجود لها وأن كل حقيقة هي حقيقة متصورة، أي أعيد بناؤها بالنسبة للشخص هي الحقيقة ذاتها.

فالإنسان ليس آلة كما يعتقد السلوكيون، بل هو كائن عارف يستدل ويعيد بناء موضوع التصور. (سليمان، 2004، ص17)

ü     التصورات الاجتماعية هي بناء معرفي-اجتماعي:

كل تصور اجتماعي هو بناء عقلي، إذ يعيد الفرد بناء الأشياء من بيئته في ذهنه وعلى طريقته، ولكن خصوصية التصور الاجتماعي هو تأثره بالظروف الاجتماعية التي يتبلور فيها، وكما ذكرنا سابقا فإن التصورات تتأثر بخصائص كل من الشخص المتصور والموضوع المتصوَّر الذين بدورهما يتأثران بالأفكار والقيم والإيديولوجيات والمعايير الاجتماعية التي يتم اكتسابها عن طريق الاتصال بالآخرين، وباختصار أنها خصائص اجتماعية مشتركة بين عدة أفراد.

ويرى "موسكوفيسي" أن التصور الاجتماعي هو مفهوم مشترك يقع بين ما هو نفسي وما هو اجتماعي وما هو جماعي، فهو ليس نشاطا نفسيا بحتا، وليس صنفا من أصناف التفكير الاجتماعي، إنه الاثنين معا كوجهين لعملة واحدة.

إن التصور هو نمط معرفي خاص يكون فيه الشخص هو الذي يبني الموضوع المتصور ويعيد تشكيل حقيقة ذلك الموضوع، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن التصور هو عملية وإنتاج اجتماعيين  (un processus et un produit social) فعملية بناء التصور تتم أثناء التفاعل والتبادل والاتصال الاجتماعي، فالنشاط المعرفي للفرد يعطي به طابعا اجتماعيا، وهذا التطبيع هو الذي يضمن التنظيم الاجتماعي للمعرفة. (سليمان، 2004، ص18)

كما يعتبر الفرد المتصوِّر إنتاجا معرفيا، تمت تربيته وتكوينه وفقا لمعايير وقيم جماعة الانتماء أو الوسط والمجتمع، وعليه فإن الطابع الاجتماعي للتصورات يصبح أمرا مفروغا منه أثناء التفاعلات الاجتماعية بين الأفراد وأثناء التطبيع الاجتماعي للتفكير، فالتصورات هي نتاج علاقات اجتماعية، وهي ناقلة لقيم وثقافة المجتمع بواسطة اللغة.

ث-خصائص التصورات الاجتماعية:

يمكن أن نتطرق لخصائص التصورات الاجتماعية باعتبارها مركبات سوسيو-معرفية، أو من خلال الإطار الذي تحدث به.

تشير المقاربة السوسيو-معرفية إلى مركبين للتصور:

ü     مركب معرفي: حيث يتطلب التصور وجود شخص نشط، فهي من وجهة النظر هذه "نسيج بسيكولوجي" خاضع للقواعد التي تسير بقية السيرورات المعرفية .

ü     مركب اجتماعي: يتحدد عمل السيرورات المعرفية مباشرة بالشروط الاجتماعية التي يعد وينقل فيها التصور، فهذا البعد الاجتماعي يولد قواعد يمكن أن تكون مختلفة جدا عن "المنطق المعرفي".

كما يرتبط التصور بالإطار الذي ينغرس فيه  :

ü     الإطار الاستدلالي (discursif) : أي طبيعة ظروف إنتاج الخطاب الذي يتشكل فيها التصور أو يكتشف.

ü     الإطار الاجتماعي : أي الإطار الإيديولوجي من جهة، المكانة التي يحتلها الفرد أو الجماعة المعنية في النظام الاجتماعي  (Abric, 1994, p14-15) .

يمكننا أن نلخص المعطيات السابقة في العناصر التالية:

ü     التصور هو تحويل اجتماعي للواقع إلى موضوع للمعرفة الاجتماعية، وذلك من خلال الانتقاء والتحريف بحسب المكانة التي يشغلها الأفراد في وضعية اجتماعية ما.

ü     التصور مندمج في السيرورات العلائقية للأفراد.

ü     التصور سيرورة لتطبيع  (naturalisation) الواقع الاجتماعي، وذلك من خلال تحريف العناصر الاجتماعية وتقديمها على أنها بديهية.

ü     يمثل محتوى التصور مركب سوسيو-معرفيا، إذ تعلق الأمر بمعلومات اجتماعية  متفاوتة التنوع ومتعلقة بموضوع اجتماعي معين.

ü     يتحدد محتوى التصور الاجتماعي بطابعه الدلالي، الذي يتجسد من خلال العلاقة بين الشكل (الصورة) والمعنى.

ü     التصور الاجتماعي هو محتوى رمزي، وهذه الخاصية مرتبطة بالخاصية الدلالية، فالموضوع الحاضر يشير إلى ما هو غائب عن إدراكنا المباشر، إذ يأخذ دلالة الارتكاز عليه وإعطائه خصائص تنتج المعنى، فالمحتوى الرمزي للتصور يرجع إلى البنية الخيالية للأفراد، ويكون واحدا من أساليب التعبير (FISCHER, 2005, p131-133)

يبين الجدول الموالي الخصائص التي يمكن أن يتميز بها كل من الجهاز المركزي والجهاز المحيطي لتصور اجتماعي ما (pry, 2001, p188) .

الجدول رقم (03): خصائص الجهاز المركزي والجهاز المحيطي في تصور ما .

الجهاز المركزي

الجهاز المحيطي

-مرتبط بالذاكرة الجماعية وتاريخ الجماعة

-اتفاقي: يحدد تجانس الجماعة

-مستقر، متماسك وصلب

-مقاوم للتغيير

-قليل الحساسية للإطار المباشر

-يسمح بإدماج التجارب والتواريخ الفردية

-يتحمل عدم تجانس الجماعة

-مرن: يتحمل التناقضات

-متطور

-حساس للإطار المباشر

ج-وظائف التصورات الاجتماعية :

تتيح التصورات الاجتماعية الربط بين المنتوج المعرفي واللغوي والتنظيم الدال للواقع، حيث يتعلق الأمر بالطريقة التي يصبح بها الواقع مفهوما ووظيفيا وعمليا، فالتصورات الاجتماعية إذن وسيلة لفهم وتوجيه السلوكيات  (rivière, 2002, p17) .

يمكن اختزال دور التصورات الاجتماعية في الوظائف التالية:

ü     وظيفة المعرفة  fonction de savoir  :

تتيح التصورات الاجتماعية للفاعلين الاجتماعيين اكتساب المعارف وإدماجها بهدف استيعاب وتفسير الواقع، كما تلعب دورا مهما في عملية التواصل الاجتماعي، من خلال تحديد الإطار المرجعي المشترك الذي يجري فيه التبادل الاجتماعي، وكذا نقل ونشر "المعرفة الساذجة le savoir naïf  " التي توضح الجهد الدائم الذي يقوم به الفرد من أجل الفهم والتواصل.

ü     وظيفة الهوية  fonction identitaire  :

تسمح هذه الوظيفة بموضعة الأفراد والجماعات في الحقل الاجتماعي، من خلال إعداد هوية اجتماعية وشخصية متماشية مع أنظمة المعايير والقيم المحددة اجتماعيا وتاريخيا، فتصور الفرد لجماعة انتمائه متأثر بتقييم مفرط لبعض خصائصها وإنتاجاتها التعبيرية، وذلك بهدف الحفاظ على صورة إيجابية لهذه الجماعة، وهكذا تلعب هوية الجماعة المتأثرة بتصوراتها دورا هاما في المراقبة الاجتماعية التي تفرضها على كل واحد من أعضائها، وخاصة من خلال سيرورة التنشئة الاجتماعية.

ü     وظيفة التوجيه fonctiond’orientation:

تعمل التصورات الاجتماعية كنظام أولي لفك تشفير (système de pré –décodage) الواقع، إذ تعمل كدليل يحدد الغايات من الوضعية ونمط العلاقات المتناسبة والشخص المواجه، فتصورات الفرد عن ذاته وجماعة انتمائه أو الجماعات الأخرى هي التي تحدد سلوكياته فيما بعد، من خلال تحديد ما هو شرعي ومسموح به، وما هو غير مقبول في وضعية اجتماعية معينة، لكن فعل التصور يمكن أن يذهب إلى أبعد من ذلك من خلال الإدراكات الاستباقية والتوقعات التي تسقط على الواقع، ومن خلال انتقاء المعلومات وترشيحها، وكذا التأويلات التي تهدف لإخضاع هذا الواقع المعاش.

ü     وظيفة التبرير fonction justificatrice :

يمكن للتصورات الاجتماعية أن تبرر المواقف والسلوكيات التي يتبناها الفاعلون الاجتماعيون تجاه شركائهم أو أفراد الجماعات المنافسة .(Abric, 1994, p15-17)

وخلاصة للقول، أن مفهوم التصوارت الاجتماعية مهم جدا في ميدان البحوث الاجتماعية والنفسية، ورغم حداثته كمفهوم أو كأسلوب بحث إلا أنه ظل منسيا سنوات طويلة، وإن كانت العودة إليه قد منحت الكثير للعلوم الإنسانية والاجتماعية ولا سيما على صعيد البحث والتنقيب، فمن خلاله تم التطرق إلى جملة المواضيع التي كان من الصعب نتناولها بالبحث والدراسة، ولعل الفضل في كل هذا يرجع إلى الباحث "موسكوفيتشي"، الذي قدّم هذا الموضوع إلى الساحة العلمية وكذا إلى الباحثين الذين لم يتوانوا في إخراجه كعلم مستقل بذاته عن بقية العلوم الأخرى.

 

Modifié le: lundi 24 avril 2023, 00:26