الدرس الرابع عشر: نظريات الاتصال

ح‌.    نظريات الاتصال:

تعد نظرية المجتمع الجماهيري من أوائل نظريات الاتصال، ظهرت في بدايات القرن العشرين حيث تغيرت صورة المجتمع الذي كان سائدا في القرن التاسع عشر:

" مجتمع تقليدي يرتبط فيه الناس ارتباطا وثيقا غلى مجتمع يتميز بتعقيد أكبر حيث يتسم أفراده بالعزلة عن الآخرين وانعدام المشاعر الشخصية عن التفاعل مع الآخرين حيث يتحررون فيه من الالتزامات الاجتماعية ". (حسن ، 2007، ص129).

بعد الحرب العالمية الثانية بدأت الرغبة في إنشاء علم الاتصال مستقلا عن باقي العلوم الإنسانية الأخرى (علم الاجتماع، علم النفس.....) حيث إنقسم الباحثين المهتمين بعلم الاتصال إلى مدرستين فكريتين كبيرتين الاتصال هما " المدرسة الإمبريقية والمدرسة النقدية"

1/ النظرية الإمبريقية:

المدرسة الإمبريقية بقيادة ج، لازر سفيلد وتتميز بالمنهج الكمي والوظيفي والوصفي، وتهتم بالجانب الإداري لعلمية الاتصال وتركز على وظائف الاتصال وعلى مساعدة رجال الأعمال على فرض نفوذهم وخدمة الثقافات المهيمنة وإهمالها للمحيط التاريخي والثقافي ( دليو، 2003، ص27)

2/ النظرية النقدية:

المدرسة النقدية بقيادة مدرسة فرانكفورت الألمانية من أمثال هوركايمر وادرنووماركيوز وفروم وهذه المدرسة تعطي الأولوية في تحليلهم للمحيط الثقافي والاجتماعي الذي تتم فيه عملية الاتصال وقد تأثرت بالفكر الماركسي وهم يعتمدون على البحث النظري المجرد الخالي من المعطيات الموضوعية وقد تفرعت هذه المدرسة إلى اتجاهات مختلفة منها أصحاب اتجاه الاقتصاد السياسي والاتجاه الشمولي والاتجاه الثقافي النقدي والاتجاه الإمبريالي الثقافي ( دليو، 2003، ص28).

قسم الباحثون وعلماء الاتصال النظريات الإمبريقية إلى أنواع هي:

*نظرية التأثير المباشر ( وتسمى نظرية الحقنة تحت الجلد أو نظرية الرصاصة السحرية):

سادت  هذه النظرية خلال العقود الأولى من القرن العشرين نظرة ترى أن لوسائل الاتصال الجماهيري نفوذا أو قدرة على إحداث التأثير بصورة مباشرة على أساس أن الرسالة تشكل عنصرا قويا في ذلك التأثير كما أن أفراد الجمهور سلبيين في تعرضهم للوسائل وفي تعاملهم مع المضمون ولهم الاستعداد ولتقبل الأفكار والمعاني بمجرد وصولها إليهم. ( نعمان،2006، ص78).

مؤسس هذه النظرية هارولد لازوبل وتسمى أيضا بنظرية الآثار الموحدة بإعتبار الرسائل الإعلامية كطلقات سحرية (حسن والسيد، 2009، ص29) بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، ظهر اعتقاد عام بالقدرة البالغة لوسائل الاتصال الجماهرية بأن وسائل الإعلام قادرة على تكوين الرأي العام، وحمل الجماهير على تغيير رأيها إلى أي وجهة نظر يرغب القائم بالاتصال في نقلها، وكانت الفكرة الرئيسية التي اعتمد عليها هذا الاعتقاد هي أن الرسائل الإعلامية تصل إلى جميع أفراد المجتمع بطريقة متشابهة، وأن الاستجابات الفورية والمباشرة تأتي نتيجة للتعرض لهذه المؤثرات ( الرسائل).

لقد اتضح أن الجماهير عبارة عن ملايين القراء والمستمعين والمشاهدين، وهذه الجماهير مهيأة دائما لاستقبال الرسائل، وتمثل كل رسالة منبها قويا ومباشرا يدفع المتلقي للإستجابة بالشكل الذي يحقق هدف القائم بالاتصال، ويذهب (جون بيتنز) إلى أن نظرية الآثار الموحدة تنظر إلى جماهير وسائل الاتصال الجماهيرية كمجموعة من الأشخاص غير المعروفين، لهم أنماط حياة منفصلة، ويتأثرون بشكل فردي بمختلف وسائل الاتصال التي يتعرضون لها، أي أنها تجربة فردية وليست تجربة جماعية، وكأن هذا القبول لفهم وسائل الإعلام يسمى بنظرية " الرصاصة" السحرية أو " بنموذج" الحقنة تحت الجلد وتقوم هذه النظرية على افتراضين أساسيين هما:

*أن الناس يستقبلون الرسائل الاتصالية بشكل مباشر وليس من خلال وسائل أخرى.

*أن رد الفعل اتجاه رسائل الاتصال يتم بشكل فردي، ولا يضع في الاعتبار التأثير المحتمل لأشخاص آخرين.

*نظريات التأثير غير المباشر:

- نظرية التأثير المعتمد على تقديم النموذج: تنص على أن تعرض الفرد لنماذج السلوك التي تعرضها وسائل الإعلام تقدم للفرد مصدر من مصادر التعلم الاجتماعي، مما يدفعه لتبني هذه النماذج في سلوكه اليومي ( فتيات الإعلانات،.....).

-نظرية المعنى: يمكن لوسائل الإعلام أن تقدم معان جديدة لكلمات اللغة، وتضيف عناصر جديدة للمعاني القديمة، وبما ان اللغة عامل حاسم في الإدراك والتفسير والقرارات فإن وسائل الإعلام يصبح لها دور حاسم في تشكيل السلوك بشكل غير مباشر ( الثورة، الفتح العربي...).

نموذج الحاجات والإشباعات:

وتنص هذه النظرية جزءا هاما من استخدام الناس لوسائل الإعلام موجه لتحقيق أهداف يحددها الأفراد، وهم يقومون بإختيار وسائل إعلامية معينة لإشباع احتياجاتهم مثلما قال (مارك ليفي) أن هناك خمسة أهداف من استخدام الناس لوسائل الإعلام وهي مراقبة البيئة، التوجه المعرفي، عدم الرضا، التوجه العاطفي، التسلية).

 نظريات الاتصال الإقناعي:

النموذج النفسي يعتمد على نظرية الإختلافات الفردية.

الرسالة الفعالية هي التي تتمكن من تحويل البناء النفسي للفرد بشكل يجعل الاستجابة المعلنة متفقة مع موضوع الرسالة.

النموذج هو: الرسالة الإقناعية تغير أو تنشط العلميات النفسية الكامنة..... وتحقق السلوك الظاهر المرتبط بالعلميات النفسية.

خطواتها هي:

وصول الرسالة للشخص

قبوله لها ليفكر فيها.

تقيميه للأهداف التي سيحققها من تنفيذه للسلوك.

اختيار القيام بالسلوك.

النموذج الثقافي الاجتماعي:

يعتمد على نظرية الفئات الاجتماعية والعلاقات الاجتماعية.

من الصعب تفسير سلوك الأفراد بناء على المتغيرات النفسية وحدها لأنهم دوما يتصرفون داخل سياق اجتماعي.

النموذج هو : الرسالة الإقناعية، تحدد أو تعيد تحديد العملية الثقافية ... تشكل أو تغير معايير السلوك المتفق عليها داخل الجماعة .... تحقق تغير في اتجاه السلوك المعلن.

لابد من مراعاة أن : هناك مجتمعات ذات نظم ثقافية قاسية توجه الفرد وتقدم له بناء كامل للحقيقة، وهناك مجتمعات أخرى على النقيض، تتاح فيها الفرصة أمام الأفراد لتحديد استجاباتهم الخاصة نحو الأفكار الجديدة.

نظريات التأثير الانتقائي:

نظرية الإختلافات الفردية: من أفكارها ما يلي:         

تنص على أن الأشخاص المختلفون يستجيبون بشكل مختلف الرسائل الإعلامية وفقا لإتجاهاتهم، وبنيتهم النفسية، وصفاتهم الموروثة والمكتسبة.

وسائل الإعلام تستقبل وتفسر بشكل انتقائي، وذلك بسبب إختلاف الإدراك الذي يفكر به كل شخص. والذي يرجع إلى إختلاف التنظيم الذي لدى كل شخص من المعتقدات، والقيم والاتجاهات لأن الإدراك انتقائي فالتذكر والاستجابة انتقائيين، وبالتالي فتأثير وسائل الإعلام ليس متماثل.

نظرية الفئات الاجتماعية : من أفكارها مايلي:

-                    الناس ينقسمون إلى فئات اجتماعية والسلوك الاتصالي يتشابه داخل كل فئة.

-                    موقع الفرد في البناء الاجتماعي يؤثر على استقباله.

-                    الفئة قد تتحدد بناء على السن، الجنس، الدخل، التعليم، الوظيفة.

-                    أنماط الاستجابة تتشابه في داخل كل فئة، لذا فتأثير وسائل الإعلام ليس قوي، ولا متماثل، ولكنه يختلف بتأثير الفئات الاجتماعية.

نظرية العلاقات الاجتماعية : من أفكارها مايلي:

جمهور وسائل الإعلام ليسوا مجرد أفراد متعزلين، او أفراد مجتمعين في فئات اجتماعية، ولكنهم مرتبطون ببعضهم البعض في اتحادات، وعائلات ونوادي.

دراسات على انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 1940م أكدت أن المناقشات السياسية كان لها أكبر الأثر على قرارات الناس أعلى من التعرض للراديو والصحافة الذين يزيد تعرضهم لوسائل الإعلام يمكن أن يؤثروا في الأقل تعرضا لها.

العلاقات يجب أن توضع في الاعتبار.

بدأت تلك النظرية تبعد جدا عن فكرة المجتمع الجماهيري والنظريات الأولى.

ويرى "جون بيتنز" أن تأثرنا بوسائل الاتصال الجماهيرية يخضع لعوامل انتقائية، حيث أشارت نتائج دراسات عديدة أننا تختار ما نعرض له من محتوى وسائل الاتصال وهذه العملية تسمى بالتعرض الانتقائي، وكذلك فإن إدراكنا للرسائل التي تتعرض لها يؤثر في طبيعة ردود أفعالنا، وتعرف هذه العملية بالإدراك الانتقائي، فإن الفرد يتذكر فقط الجوانب التي تؤكد أفكاره وتتفق معها، فإذا كانت هذه الأفكار تختلف مع طبيعة شخصيته، فإنه قد يلغيها من عقله تماما ولا يستعيدها، وتسمى هذه العملية بالتذكر الانتقائي ، ونتيجة زيادة ميل وسائل الاتصال إلى التخصص في توجيه المحتوى الإعلامي، فإن ذلك يزيد من دائرة اختيارات الجمهور للوسائل الإعلامية والمحتوى الذي يتعرض له.

وبسبب الفوارق في العوامل المتصلة في المعرفة مثل: الاهتمامات ، العقائد ، والخلفيات والحاجات، والقيم، فان الأفراد سوف يفسرون الرسائل الإعلامية، بطرق مختلفة فإن المقال في جريدة أو في فيلم سينمائي، أو برنامج في الراديو أو التلفزيون يمكن أن يشاهده عدد من الأفراد، وسيلخص كل منهم إلى تفسير مختلف نوعا ما بما تعرضوا إليه ويرمز الإدراك إلى النشاط النفسي الذي ينظم الأفراد من خلاله التفسيرات ذات المغزى للمؤثرات أو المنبهات الحسية التي يستقبلونها من بيئتهم، وتدفع التغيرات في هيكل المعرفة الأفراد إلى تجميع نماذج  مختلفة بمعنى، وتفسير أي نموذج للمؤثرات أو المنبهات لعرض إعلامي مثلا، ولذلك فإن أعضاء فئات إجتماعية محددة ممن يدعمون سلوكيات خاصة سينسبون نماذج مميزة المعنى إلى موضوع إعلامي محدد، فالسود قد يفسرون القضايا الاجتماعية بشكل مختلف عن البيض.

ويتأثر الإدراك الانتقائي أيضا بالعلاقات الاجتماعية، وقد يفسر الآباء من لديهم أطفال برنامج تلفزيونيا يتناول العنف أو الجنس بشكل مختلف عن ما يفعله من ليس لديهم أطفال وهكذا فإن قاعة الإدراك الانتقائي هي أن من لديهم صفات نفسية متميزة، وتوجهات سلوكية خاصة بفئات إجتماعية محددة سوف يفسرون نفس المضمون الإعلامي بأساليب مختلفة (حسن، والسيد، 2009، 30-31).

-         نظرية التبعية ( الاعتماد على وسائل الإعلام):

محور هذه النظرية أن الجمهور يعتمد على وسائل الإعلام ليحقق حاجاته ويحصل على أهداف معينة والنقطة الهامة في هذه النظرية بان وسائل الإعلام ستؤثر في الناس إلى درجة التي فيها يعتمدون على معلومات تلك الوسائل، وتركز هذه النظرية على العلاقات بين النظم والمعلومات الصغرى والمتوسطة والكبيرة ومكوناتها. (صالح، 2006،ص162).

-         نظرية الحتمية التكنولوجية:

ترجع هذه النظرية إلى جهود العالمان ( مارشال ماكلوهان) و (هاورد أنيس) حيث ركزا في تحليل عملية الاتصال على التكنولوجية المستعملة في وسيلة الاتصال التي تفرض هيمنتها في كل مرحلة تاريخية، حيث عد (ماكلوهان) (الوسيلة هي الرسالة) " أن مضمون أي وسيلة هي دائما وسيلة أخرى، حيث يرى أن مضمون الاتصال غير ذي علاقة بالتأثير، فالذي يجعل هناك فرقا في حياة الناس إنما هي الوسائل في عصر ما وليس مضمونها ( صالح، 2006، ص157).

بالإضافة إلى أنه يوجد العديد من النظريات الأخرى الاتصال مثلا: نظرية ترتيب الأولويات (وضع الأجندة)، نظرية دوامة الصمت، نظرية الاستخدامات والإشباعات (وتسمى نظرية الاستعجالات والرضا)، نظرية إنتشار الابتكارات، نظرية فجوة المعرفة، ....إلخ.


Modifié le: lundi 24 avril 2023, 00:34