وسائل وأدوات تحديد السواء واللاسواء والمرضي

 

تتنوع الوسائل والأدوات التي يعتمد عليها الأخصائي النفسي أو الباحث لتحديد السواء واللاسواء، وقبل الإشارة إليها لابد من الإشارة إلى أول خطوة والتي هي شاملة لمختلف الوسائل، إنها التشخيص.

1- تعريف التشخيص:

التشخيص هو الأسلوب العلمي الذي يُمكّن النفساني من التمييز بين السواء والمرض، والمفهوم نفسه مستعار من مجال الطب، حيث يحاول الطبيب تشخيص الاضطراب البدني لمعرفة الأسباب الكامنة وراء المرض.

وبذلك فالتشخيص للسلوك لا يهدف كما يظن البعض إلى وضع الفرد المشخص في فئة اكلينيكية معينة كأن تقول مثلا أن هذا الشخص هستيري أو وسواسي أو سيكوباتي، وإنما يعني التشخيص وصف كلي لدينامية الشخص ومحاولة فهم صراعاته كذلك، مستوى ذكائه، والقدرات التي تميزه عن غيره وسماته الواضحة وميكانيزمات دفاعه... إلخ. أي أن التشخيص هو بمثابة تحديد صورة كاملة عن الشخص. إذ أن تفاعل كل المعطيات السابقة تعطي للنفساني تصورا يساعده على فهم الشخصية الموجودة أمامه. أما تصنيف السلوك ووضع الحالة داخل فئة ثم وضع لافتة عليها فلن يفيد في شيء.

يقول Meninger: "حين أطلب فحصا لمريض نفسي فإني بالقطع لا أريد أن أعرف نسبة ذكائه أو نسبة الاستجابات الكلية أو الجزئية في اختبار روشاخ، وإنما ما أريده هو وصفا تشخيصيا للشخصية كي نحدد طبيعة السلوك وما وراءه من ميكانيزمات دفاع وطريقة هذا الفرد في التوافق التي يتعرض لها، إذ يساعد هذا كله في التنبؤ بالمستقبل كما يساعد في تخطيط وتنفيذ إمكانيات العلاج".

2- هدف التشخيص:

يمكن أن نحدد هدفين للتشخيص متكاملين:

أولا: هدف علمي يتمثل في تكامل وتناسق المعطيات المتحصل عليها. والتي تكوّن مفهوما كليا عن الحالة، وقد تصل من خلال ذلك إلى القانون العلمي الخاص الذي يساعد في فهم وتفسير السلوك بشقيه السوي والمرضي.

ثانيا:هدف عملييتمثل في تحديد خطوات العلاج ورسم مساره.

وحيث أن السلوك المرضي دالة لتفاعل هذا الشخص مع بيئته، فإنه يكون لزاما على النفساني أن يدرس هذه البيئة بكل معطياتها المادية والاجتماعية، كذلك الشخص في حالة دائمة من التغير كذلك البيئة بكل معطياتها المادية والاجتماعية في حالة من التغير أيضا. ومن ثم لابد أن يكون التشخيص دينامياوليس استاتيكيا (ساكنا).

والمقصود بالدينامية أن التشخيص "هنا والآن" قد يغاير التشخيص لنفس الحالة "غدا وفي مكان آخر"، فتفاعل الشخص مع بيئته لا يكون ثابتا بل أن انخراط الفرد في مجالات ومواقف متباينة يؤدي بالضرورة إلى ضروب متباينة من السلوك.

3- أدوات التشخيص:

تتمثل أدوات التشخيص فيما يلي:

3-1- المقابلة العيادية:

يقول Rossفي كتابه "الطفل غير العادي في الأسرة": "إن الأساس المبدئي التي تقوم عليه المقابلة هو الأمانة والصدق. والمقابلة عملية تتم من خلال حوار بين شخصين عادة، وتتسم العلاقة بينهما بالدينامية وتعد المقابلة العيادية أحد الأدوات المهمة في التشخيص". وتهدف لفهم المعالج لدينامياتسلوك الحالة، وبالتالي فهم المؤثرات التي كونت الصورة التي يظهر عليها سلوكه في حياته، وحتى تتم المقابلة بنجاح لابد من توافر مجموعة شروط:

- أن يكون المعالج ودودا، متعاطفا أم متطابقا (Empathie) أي يستطيع المعالج أن يتعاطف ويتطابق مع مشاعر الحالة ويحس بها ويشاركها فيها، أي يغوص في أعماقها ويحس بمشاعرها ويتعاطف ويتطابق معها، ومن هنا تطمئن الحالة إليه وتثق فيه.

- أن يكون المعالج قد تعرض هو نفسه للتحليل حتى يكون مستبصرا بمشكلاته الخاصة (الشخصية) التي قد تعوق عمله كمعالج، لأنه ربما يسقطها لاشعوريا على الحالة أو حتى في تفسير نتائج بعض التقنيات التي طبقها عليها، وبذلك يبتعد عن الحيادية والموضوعية.

- أن يكون المعالج ملاحظا جيدا إزاء استجابات الحالة خلال المقابلة، فقد تكون الحالة قلقة أو مكتئبة أو مضطربة، وعلى المعالج أن يلاحظ كل ذلك. كما يلاحظ حركات الحالة ونظرات عينيها وحركة يديها، ويتابع أيضا معدل سرعة الكلام لديها، كذلك مدى ترابط أفكارها، ومدى انتباه الحالة للمثيرات من حولها بما فيها المعالج، وما إذا كان انتباهها مشتتا، شاردا أو مركزا.

- أن يكون المعالج متيقظا ومنصتا جيدا، بحيث لا يكتب ما تقوله الحالة أمامها حتى لا يسبب لها الشك، كما ينبغي ألا يطرح أسئلة سبق وأن طرحها وأجابت عنها الحالة في مقابلة سابقة.

3-2- الملاحظة العيادية:

وهي وسيلة من وسائل جمع البيانات من أجل التشخيص وترتكز على أن يقوم المعالج بملاحظة الحالة وتسجيل كل ما يلاحظه بدقة وموضوعية ولكن ليس في حضور الحالة. ولتكلّل الملاحظة بالنجاح علينا مراعاة الشروط التالية:

- ماذا يريد المعالج أن يلاحظ وما الهدف من ذلك.

- كيف يسجل ملاحظاته أو ما يلاحظه.

- كيف سيتحقق من صحة ملاحظاته وبأية إجراءات.

- نوع العلاقة التي يجب أن تكون بينه وبين ما يلاحظه وكيفية تدوين هذه العلاقة.

3-3- تاريخ الحالة:

تساعد هذه التقنية في تجميع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن الحالة المراد دراستها، وعادة ما يستخدم مصطلح "عميل"، ونعني به المريض المطلوب دراسة تاريخ حالته لنتعرف على موقعه داخل الأسرة، المدرسة، الأصدقاء، العمل، وهناك معلومات يتم الحصول عليها من سجلات مثل البطاقة المدرسية، وقد تكون هناك معلومات يتم الحصول عليها من قبل شهود ممّن هم محيطين بالعميل من أفراد الأسرة، الأصدقاء، الأقران، الأقارب،... والمهم أنه كلما كثرت مصادر تجميع هذه المعلومات كلما أفاد ذلك في عملية التشخيص، ويزاوج بعض السيكولوجيين بين تاريخ الحالة ودراسة الحالة، ومنهم على سبيل المثال: Murray، Thorne، Schafer، بينما يرى البعض الآخر أن هناك فرقا بينهما مثل: Strzng، و Traxlerوغيرهما، ويكمن الفرق في أن تاريخ الحالة يقتصر على جمع المعلومات مهما تعددت الطرق والوسائل والتي تتعلق بماضي الحالة فقط، بينما دراسة الحالة تشتمل على كل المعلومات التي يتم جمعها من العميل والتي تضم المعلومات المستقاة من تاريخ الحالة مضافا إليها معلومات أخرى تم الحصول عليها من خلال تطبيق مجموعة من الاختبارات والمقاييس عليه، بالإضافة إلى الملاحظة المنظمة لسلوك الشخص وغير ذلك من التقنيات، مضافا إلى كل ذلك الاهتمام بحاضر الحالة وبالإسقاط نحو المستقبل.

وتساعد دراسة تاريخ الحالة في فهم سلوك الشخص وتطور هذا السلوك، إذ أن الخلل أو الاضطراب في السلوك الحالي لا يمكن فهمه إلا بالرجوع إلى خبرات المريض السابقة، وقد أشار Freudفي أكثر من موضع إلى أن العصاب ينشأ كفرع من سوء التوافق أثناء مرحلة الطفولة، أثناء صراع الطفل بين ما يحبه ويشبع حاجاته وما لا يحبه ويسبب له الإحباط.

ومع ميل معظم السيكولوجيين العياديين إلى اعتبار دراسة تاريخ الحالة مهمة في التشخيص، إلا أن هناك فريقا منهم يضع بدائل لهذه التقنية، ولكن يعتبر البعض الآخر أن الحصول على معلومات وافية عن تاريخ الحالة صعب جدا وسيكون هناك فراغات يصعب ملؤها، في الوقت الذي يمكن فيه تخطي هذا العيب من خلال المقابلات العلاجية.

ومن هؤلاء يظهر CarlRogersمؤسس مدرسة العلاج غير الموجه أو العلاج المتمركز حول العميل، ويقول Rogersأن:"المريض يمكنه أثناء المقابلات العلاجية أن يذكر كل خبراته السابقة، وسيكون بالضرورة أكثر صدقا وأمانة مما لو أدلى بها مسبقا في المقابلة الأولى لتجميع بيانات عن تاريخه". والمعروف عن طريقة روجرز أنه يلقي بمسؤولية العلاج والشفاء على المريض نفسه، وعلى المعالج توضيح ما استعسر فهمه على المريض. وحين يستعيد المريض جذور هذه المشكلات –بمساعدة المعالج- يحاول جاهدا تغيير جوانب في شخصيته، وحل مشكلاته بطرق أكثر نضجا وفعالية.

وفي كل الأحوال فإن دراسة تاريخ الحالة مع أنها تتميز بتوافر المعلومات، إلا أن هناك بعض الصعوبات التي يمكن أن تواجه النفساني منها ضيق الوقت مما يصعب استيفاء كل ما يود الحصول عليه في فترة زمنية محدودة، كذلك عدم صدق المعلومات، فقد يحصل على معلومات عن تاريخ الحالة من أفراد آخرين، والمعروف كذلك أن استرجاع خبرات أو معلومات أو مواقف سابقة يكون محكوما عادة بنوعين من الكف: أولهما الكف التصاعدي ونعني به أن المعلومات الأسبق زمنيا تؤثر في المعلومات الأحدث، وثانيهما: الكف التراجعي ونعني به أن المعلومات الأحدث زمنيا تؤثر في المعلومات الأقدم زمنيا.

3-4- الاختبارات والمقاييس:

تكمل الاختبارات والمقاييس عملية التشخيص فهي تضيف إلى المعلومات المتحصل عليها من تاريخ الحالة ومن المقابلة العيادية والملاحظة أبعادا أخرى أكثر تفصيلا وثراء، فهناك اختبارات ومقاييس متعددة للكشف وقياس جوانب مختلفة من الشخصية.وتساعد كل تلك التقنيات في إعطاء صورة عن سلوك المريض ويتوقف التفسير على مهارة المعالج الذي يطبق هذه التقنيات.

3-5- الخرائط الإيكولوجية:

وهي تلك الأداة التي يمكن من خلالها وصف علاقة العميل (الفرد-الأسرة) بالأنساق الأخرى في البيئة المحيطة به، وتفاعله معها وتأثيرها فيه.وتكون عبارة عن رسوم توضيحية يقوم الأخصائي برسمها، وبمشاركة العميل بعد أن يكون قد جمع معلومات كافية عن علاقة العميل بالبيئة المحيطة به لتوضيح شكل واتجاه علاقته بالأنساق التي يتفاعل معها. ويعتبر أول من قدمها هو Hartman في 1978، وهي تتكون من مجموعة من الرموز وهي كالتالي:

 

 

 


ذكرذكر متوفى                  أنثى     أنثى متوفاة

 


نسق

 

 

علاقة قوية

علاقة ضعيفة

علاقة إيجابية باتجاه واحد

علاقة إيجابية متبادلة

علاقة سابقة منقطعة

علاقة فيها مشاكل

 

 

 

4- مسلمات وقواعد التشخيص:إن التشخيص الجيد يتضمن أربعة مسلمات:

- الوفرة في المعطيات: والمقصود به أن هناك علاقة طردية بين وفرة المعطيات أو المعلومات وإمكانية الدقة في التشخيص، فكلما زادت المعطيات زادت الدقة في تشخيص الحالة بالإضافة إلى ظروف أخرى كخبرة المعالج ومهارته وصدق المعلومات،...إلخ.

- التكامل في المعطيات: ويعنى به مدى ارتباط المعطيات والمعلومات بعضها بالبعض الآخر بحيث تكوّن كلا متكاملا أو صيغة كلية وليس أشتاتا من المعلومات قد لا يمكن إيجاد ما هو مشترك بينهما أو ما هو عام فيهما، فتكامل المعلومات يساهم في فهم دينامية الشخصية عبر تطورها التاريخي في علاقتها بالظروف الراهنة.

- الصدق في المعطيات: ويعنى به مدى ارتباط المعطيات والمعلومات المتحصل عليها بسلوك المريض بشقيه الظاهر والمضمر، فقد تتجمع وقائع كثيرة ومعطيات وافرة ولكنها لا تمس من قريب أو من بعيد واقع الحالة التي هي محل الدراسة، ويحدث هذا كثيرا في بداية التشخيص خصوصا مع الممارس غير المدرّب بدرجة كافية والمفتقر للخبرة والحس السيكولوجي والحدس العيادي.

- استقراء المعطيات: وهو التفسير والتأويل الذي يرد الكثرة من الوقائع والأحداث إلى أقل عدد ممكن من القوانين كون هو الأسلم والأشمل في عملية التشخيص للسواء والمرض.

بالإضافة إلى كل هذا يمكن ذكر بعض القواعد والأسس في عملية الشخيص منها:

- يجب أن تكون الأدوات المستخدمة مناسبة وملائمة.

- يجب استخدام أساليب وأدوات متنوعة (رسمية وغير رسمية).

- يجب أن تكون الاختبارات الرسمية في حالة استخدامها مقننة تتصف بالصدق والثبات وملائمة لبيئة الحالة.

- يجب أن تتم عملية التشخيص من قبل أخصائي نفساني كفء أو من قبل فريق متعدد التخصصات.

- يجب تطبيق وتفسير أساليب وأدوات القياس من قبل مختصين مؤهلين.

- يجب جمع المعلومات التشخيصية من مصادر متنوعة (الأسرة، المعلم، الزملاء، ...).

- في حالة العمل مع حالة قاصر يجب موافقة ولي الأمر على إجراء التشخيص.

- يجب المحافظة على سرية المعلومات التي تقدمها الحالة أو مختلف المصادر الأخرى.

- يجب أن توضع الحالة تحت الملاحظة لمدة من الزمن وذلك للتحقق من صحة المعطيات التي تم جمعها.


Last modified: Sunday, 5 November 2023, 8:50 PM