علم النفس المرضي للطفل والمراهق

1- علم النفس المرضي للرضيع (Psychopathologie du nourrisson):

1-1- المظاهر العرضية (les manifestations symptomatiques):

1-1-1- مغص الشهر الثالث (les coliques du 3ème mois):

يظهر هذا الاضطراب عند الرضيع ابتداء من الأسبوع الثالث ويختفي على العموم بعد الشهر الثالث، حيث يلاحظ هيجان مع صراخ وبكاء الرضيع مما يحيل إلى وجود معاناة لديه، في حين يكون بكاء الرضيع عادة يدوم حوالي ساعتين في اليوم حسب Brazeltonفإن هؤلاء الرضع يزيد معدل نوبات البكاء ويتضاعف ليصل إلى 4 أو 5 ساعات أو أكثر في اليوم. إن توقيت هذه النوبات قد يكون منتظم بعد الوجبة وفي المساء حيث يتهيّج الرضيع بيديه ورجليه ويحمرّ ويكون صراخه مرتفعا.

1-1-2- الجشاء (Lemérycisme):

هو ارتداد الطعام من المعدة إلى الفم، يظهر عموما ابتداء من السداسي الثاني، يتمظهر من خلال القلس (régurgitation) والقيء (vomissement) الجزئي الناتج عن ضغضغة (mâchonnement) للطعام (أي مضغ بهدوء أو بصعوبة أو بإهمال)، اجترار (rumination)، والذي من خلاله يبدو الطفل أنه يحقق رضا وإشباع كبيرين، وينهمك في نشاطه بعمق منعزلا عن العالم ولكن يتوقف إذا نظر إليه أحد من المحيط. يظهر هذا العرض غالبا نتيجة الانفصال عن الأم أو عندما تكون هذه الأخيرة غير مبالية بالطفل، متعصبة قليلة الحضور أو مكتئبة، كل هذه الظروف التي تهدد الاستثمار الأمومي حيث أن ذلك يرتبط بحاجة الرضيع إلى علاقات التبادل مع أمه.

1-1-3- فقدان الشهية (Anorexie):

هي رفض تناول الطعام، إنها ظاهرة نفسية تتمثل في غياب الجوع، تكون منتشرة في السداسي الثاني ولكن يمكن التحكم فيها، وهناك أنواع:

- الرفض في السداسي الثاني (Le refus du second semestre):

وهذا الشكل أكثر حدوثا حيث يكون نمو الطفل عاديا، ويظهر هذا الرفض غالبا نتيجة لحدث مفاجئ يشوش السير المعتاد لحياة الرضيع مثل مرض معد، اضطراب هضمي، تغير التغذية.إن أول رفض يؤدي إلى ردود أفعال قوية من طرف الوالدين من أجل فرض الطعام على الرضيع.

- أنوركسيا معقدة (Anorexie complexe):

وتضم أنوركسيارهابية (Anorexie phobique) وهي تظهر ما بين السداسي الثاني بقلق من نوع رهابي حيث يحدث ربط رمزي بين الطعام مع مواد خطيرة وممنوعة، وغالبا ما يكون أحد الوالدين قلقا لديه رهاب غذائي. وأحيانا أخرى قد يؤدي اكتئاب الرضيع إلى أنوركسيا قد تكون خطيرة.

- أنوركسيا بدائية (Anorexie primitive):

بعد الميلاد هناك بعض الرضع الذين يكون لديهم صعوبة في الرضاعة خلال فترة قصيرة وغالبا ما تكون لها علاقة بغياب الأم.

1-1-4- قيء نفسي المنشأ (vomissement psychogénie):

ويحدث كثيرا لدى الرضيع ولا يصبح معبرا إلا إذا تكرر بشكل كبير، قد يحدث نتيجة لظروف شوشت العلاقة بين الرضيع وعائلته مثلا: عودة الأم إلى العمل بعد عطلة الأمومة، وضعه عند مربية أو روضة.

1-1-5- تشنجات الشهيق والزفير (le spasme du sanglot):

يمكن أن يظهر ابتداء من السداسي الثاني إلى غاية السنة الثالثة حيث يفقد الطفل الوعي أثناء حدوث التشنج، إذ يفقد معرفة طريقة حدوث الشهيق والزفير. ويوجد شكلين مختلفين لهذا التشنج:

-   في بعض الأحيان نتيجة لتضايق واستياء الرضيع فأن ذلك يدي إلى ردة فعل غاضبة، حيث يحبس الطفل تنفسه بشهيق حاد ويفقد الوعي في حالة من الازرقاق (ناتج عن نقص o2)، غالبا ما يسقط الطفل ويمكن أن تحدث له نوبة تشنجية قصيرة.

-   هناك شكل آخر نتيجة لانفعال حاد حيث يلاحظ شحوب الطفل وسقوطه. هذا الشكل يؤدي بصفة متواترة إلى اختلاجات، مما يؤدي إلى تشخيص خاطئ على أنها حالة صرع. هذه النوبة تحدث لدى الأطفال الذين يعانون من الخوف والخجل.

1-1-6- اضطرابات النوم (Troublesdu sommeil):

وهي الأكثر انتشارا وتصبح مَرضية حسب حدتها. حيث قد يعاني الرضيع من أرق خطير الذي يكشف عن اختلال التوازن النفسي الجسدي للرضيع، ويمكن أن يؤدي إلى آثار ضارة ومؤذية على مستوى نوعية العلاقات داخل العائلة ككل. إن حاجة الرضيع للنوم تكون حوالي 18 ساعة في اليوم في الشهر الأول، وعموما في الشهر الثالث إيقاع النوم يستقر. تظهر اضطرابات النوم غالبا في الثلاثي الأول، يمكن أن يكون الأرق عاديا حيث ينام الرضيع ثم يستيقظ وهو يصرخ ويحتاج إلى المواساة ثم يعود إلى النوم. لكن أحيانا أخرى يكون الأرق كبيرا مع صراخ مستمر، حيث لا يقبل ولا يستجيب الرضيع لأي مواساة، يعود إلى النوم ولكن لمدة قصيرة جدا، يرتعش ويصرخ قبل فتح عينيه، عند حمله بين الذراعين وهزه يهدأ ولكن عندما يوضع ثانية في سريره يبدأ الصراخ من جديد. وهناك الأرق الذي يكون مصاحبا لاضطرابات أخرى مثل المغص، التقيؤ، فقدان الشهية. وهناك شكل آخر والمتمثل في استيقاظ الطفل ويبقى هادئا ولا يبدي أي صوت، وهذا لا يثير انتباه الأولياء، ومع ذلك فهو قد يشير إلى احتمال ظهور لحالة توحد. عندما يكبر قليلا قد يكون الأرق ناتجا عن كوابيس ليلية.

1-1-7- اضطرابات جلدية (Troubles cutanés):

- إكزيما (Eczéma): وتظهر على العموم بعد الشهر الرابع، حيث يظهر خلل أو ضرر على الجلد على شكل بثور حمراء تتطلب حكها، ومن خلال الحك تظهر قشرة وتزيد بذلك الرغبة في الحك.

- داء الثعلبة (Pelade): هو مرض جلدي الذي يتمظهر من خلال فقدان الشعر بشكل سريع في الغالب علة مستوى مناطق معينة في فروة الرأس، وهذه الظاهرة قد تختفي بسرعة ولكن يمكن أن تستمر ويكون هناك معاودة لظهورها، يكون لها غالبا علاقة بحدث عائلي، غياب أو مرض الأم، صراع بين الوالدين.

1-2-التناذرات (Les syndromes):

1-2-1- غياب العلاقة داء الإستشفاء (L’absence de relation l’hospitalisme):

إن مؤسسات استقبال الرضع (Les institutions d’accueil des bébés) كان لها دورا اجتماعيا مهما في الخفض من قتل الأطفال (Infanticide)، ولكن ذلك للأسف كان له آثارا سلبية تم ملاحظتها في الميدان وذلك نتيجة لغياب علاقات التعلق (relations d’attachement) مقارنة مع تلك التي تكون لدى الأمهات مع أطفالهن.

ما تمملاحظته في الميدان هو أن عدد الوفيات هو معتبر لدى الرضع الذين تم استوداعهم في تلك المؤسسات. في 1945 قارنSpitzنمو الرضع الموضوعين في بيوت الحضانة حيث كانوا مع أمهاتهم المنحرفات مع الرضع الموضوعين في بيوت الحضانة ويهتم بهم أشخاص ذوي كفاءة وخبرة. كانت نتائج الدراسة مدهشة جدا، حتى سن ثلاثة أشهر بالنسبة للأطفال الذين كانوا في دار الحضانة دون أمهاتهم كانت علامات نموهم أحسن مقارنة بالرضع الذين كانوا مع أمهاتهم، في حين كان نموهم في نهاية السنة الأولى متأخرا بثلاثة أشهر، مس هذا التأخر مجالات النمو الجسمي والنفسي، وتكون حياة الرضيع مهددة، فبالرغم من العناية الصحية الجيدة إلا أن الأطفال معظم الأحيان يكونون مرضى، أدى ذلك لدى بعض الحالات إلى الموت. في حين لم تسجل أي حالة وفاة لدى الأطفال الذين كانوا مع أمهاتهم.لاحظSpitz في دار الحضانة أن الأطفال لديهم غالبا سلوكات غريبة نمطية ورهاب من مواضيع معينة، البعض منهم يتأرجح دون توقف، وآخرين يئسوا من القيام بأي شيء، فيما يخص نمو القامة والوزن فإنه كان متأخرا.

1-2-2- الاكتئاب الاتكالي والاكتئابات المبكرة (la dépression anaclitique et lesdépressions précoces):

- الاكتئاب الاتكالي: في داء الاستشفاء لا يوجد تأسيس للعلاقة مع الأم أما في هذه الحالة فإن الرضيع يعيش انفصالا طويلا عن أمه بعدما كان قد كون معها علاقات عاطفية لفترة امتدت لأشهر بعد الميلاد.

أول دراسة أقيمت حول هذا المشكل كانت دراسة Burlinghamو AnnaFreud اللذين وصفا علاقات الأطفال الصغار وآثار الانفصال عن الأم. فيما يعد تم ملاحظة ردود الأفعال بعد الانفصال من طرف Spitzداخل دار الحضانة (1946-1965). كان للرضع علاقات جيدة مع أمهاتهم اللاتي كن يهتمن بهم يوميا وكان نموهم جيد، وبسبب غياب طويل للأم يصبح هؤلاء الأطفال كثيري البكاء ومنسحبين.

ويقول Spitz: "يبقى هؤلاء الأطفال نائمين على البطن في المهد يديرون رؤوسهم ويرفضون النظر إلى المحيط، وعندما نقترب منهم يتجاهلوننا (...) وعندما نقترب أكثر يؤدي ذلك بهم إلى البكاء والصراخ".

- اكتئابات مبكرة: هي لا تكون ملاحظة لدى الرضع في المؤسسات فقط، يمكن أن تكون نتيجة لظروف عديدة: اكتئاب الأم، الحداد الزائد عن الحد للأم هو أحد الأسباب الأكثر انتشارا، وهناك اكتئاب ناتج عن معاناة الطفل من أمراض جسمية أو سوء تغذية.

1-2-3- التوحد:

في هذه المرحلة لا نتحدث عن التوحد كاضطراب وإنما يكون هناك فقط علامات قد تشير إلى احتمال وجود حالة توحد، ومن بين هذه العلامات هو غياب المنظمات الثلاث التي أشار إليها Spitzوالتي هي غياب ابتسامة الشهر الثالث، غياب حصر الشهر الثامن، غياب قول كلمة لا في حدود السنتين.


Modifié le: dimanche 5 novembre 2023, 20:58