أعلام التصوف في المغرب الاسلامي :
أعلام التصوف في المغرب الاسلامي :
ابو الحسن الشاذلي : هو علي عيد الله عبد الجبار ، ابو الحسن الشاذلي ، دراسته و لقائاته العلمية و الصوفية شملت المغرب و الافريقية و العراق و الحجاز أمضى وقتا من حيانة بشاذلة ثم انتقل الى مدينة تونس ، وحيث أن الشاذلي كان فصيح اللسان كثير الخطرات و الأفكار الصوفية التي ترددت على لسانه بيسر مع تنوعها ـ تعددها ، فان ذلك جلب اليه المزيد من الأنصار بتونس ، كما أن بفضل كراماته و مكشافته ، جلب اليه أفرادا من مختلف الشرائح الاجتماعية و و هذا ما أزعج على الخصوص قاضي الجماعة ابن البراء التنوخي و جملة من الفقهاء الذين التفوا حوله ، و شرعوا في تأليب حكام تونس عليه لاتهامه بالزتدقة و المروق عن الدين ، وما كان من الشاذلي الا ان غادر تونس مضطرا الى مصر ، واستقر قريبا من الاسكندرية في مغارة من مفارات شواطئها ، وبدأ ينشط و ينشر في مذهبه بين الناس هناك، و لكن يبدو أنه لم يجد من يستمع اليه فغادر الاسكندرية الى القاهرة ، حيث استطاع ان يفرض نفسه كعالم كبير من علماء الاسلام ،و حاز اعجاب الكثير من علمائها .
ان الأفكار الصوفية التي طرحها الشاذلي غلى طلبنه و مديرديه ، تتلخص غاياتها البعيدة في التربية الروحية التي تقوم على تهذيب النفس و تقويم السلوكات الأخلاقية للصوفية و يمكننا تمييز هذه الأفكار في الأتي :
- تقوى الله في السر و العلانية
- اتباع السنة في الأقوال و الافعال
- التعامل مع الدنيا
- التعامل مع الناس
نوفي الشاذلي في سنة 656 ه /1258م بصحراء "عيذاب" قاصدا الحج، تاركا الكثير من التلاميذ الذين تأثروا به كثيرا ، أولا كعالم كبير ، وثانيا كمفكر أصيل ترك بصماته على مياديين الفكري و الثقافي بين معاصريه و نشروا أفكاره و عرفوا بصاحبها بين العلماء و رجال العصر في المغرب و المشرق .
لقد كانت مصر أكثر البلدان تأثيرا بالأفكار الصوفية للشاذلي، فيها درس و كون تلاميذ و مريدين كثر ، كما ان السلطة السياسية مدت له يد العون ، و كفت عنه ادى الفقهاء النصيين ،بل ان الكثير من أعلام العلم بمصر تحلقوا حول دروسه كابن الحاجب و العز عبد السلام و ابن دقيق العيد و ابن عصفور، فكانوا يحضرون ميعاده اثناء التدريس من القاهرة ، و يمشون بين يديه اذا خرج احتراما و اجلالا له.
غير ان تربينه الصوفية كان لها تأثير في شخصيتن بارزتين بمصر هما .
أ- المرسي ابو العباس : كان كثير التعظيم لشيخه الذي عاش معه بمصر لسنوات طويلة ،تربى على يديه و لقنه علوم الظاهر و الباطن و كان ابو عباس المرسي مطيعا لشيخه ،ذلك لأن الشيخ ضروري للمريد ،ليس فقط كمرشد ـ و معلم ـبل ايضا كقائد تجب طاعته بشكل مطلق ، طاعة ظاهرة بالجوراح و طاعة باطنة بالقلب .
توفي ابو العباس المرسي بالإسكندرية سنة 686ه/ 1281م ـ حيث ضريحه ـ بعد أن أعطى دفعا قويا لتعاليم شيخه و أفكاره ، و كون هو أيضا تلاميذ و مريدين ، سيضطلعون بمهمة إرساء تعاليم الطريقة الشاذلية .
ب- ابن عطاء الله السكندري :كان جامعا لأنواع العلوم من تفسير و حديث و نحو و أصول فقه و غير ذلك ، كان من الطبيعي في سياق الواقع الذي عاشه ان يصبح وارث علم ابي العباس المرسي و القائم على طريقته و الدعوة لها من بعده و كثرت شهادات العلماءله بالفضل و التقدم .
يتضح أن أبا الحسن الشاذلي المغربي ـوضع تعاليم صوفية عميقة في معناها بسيطة في وسائل شرحها و إيضاحها ، أساسها الشريعة بعيدا عن التشدد و الغلو ـ و تمكن نتيجة ذلك من ان ينشر أفكاره و يجد الاتباع و الطلبة الذين يشيعونها و يدافعون عنها بكل ثبات و قناعة .
محي الدين بن عربي :
هو أبو محمد بن علي الطائي المعروف بابن سراقة و يلقب بمحي الدين و يعرف بابن عربي ، المولود سنة 560ه/ 1165 م ، قرأ القرأن على ابي بكر بن خلف باشبلية ثم ارتحل الى المشرق و لم يذكر المقري مرروه ببجاية و اقامته مدة كما ذكره الغبريني ، وأجازه جماعة منهم الحافظ السلفي و ابن العساكر و ابو الفرج ابن الجوزي ودخل مصر و أقام بالحجاز السلفي و ابن المساكر و ابو الفرج ابن الجوزي. و دخل مصر و أقام بالحجاز مدة و دخل بغداد و الموصل و بلاد الروم ، ثم رجع الى دمشق و أقام بها الى أن توفي بها سنة 638 ه/1240 م و دفن بجبل قاسيون.
في سنة 580/ه 1148م دخل حياة الصوفية ، كما صرح هو بنفسه ، و هو في سن الواحد و العشرين و تعلم ابن عربي الاتصال بأرواح الموتى من شيخ شهير بكراماته ، وهو ابو الحاج يوسف السبرياي .
و تلقى ابن عربي عن شيخين متخصين في عملية محاسبة الضمير يوميا من عمليات الكمال الروحي و هما : ابو عبد الله بن مجاهد و أبو عبد الله بن قيسوم بأشبلية ، و لكن طريقهم كانت مقصورة على المحاسبة على الأفعال و الأقوال ، فأضاف اليها ابن عربي المحاسبة على الخواطر ، وأتم ابن عربي تكوينه الصوفي تحت اشراف مجموعة من الشيوخ الذين عرفوا بالزهد و الكرمات ، خاصة اشبيلية و ما حولها ، و كان يقيم أياما كثيرة في مسجد الزبيدي بصحبة أبي يحيى النهاجي الضرير صاحب الكرمات ، الذي علمه ان يتقبل بالصبر اضطهاد العامة .
و علمه يوسف الأستجي القيمة الصوفية للصدقة ، و كان يوسف هذا من الاميين المنقطعين الى الله المنورة بصائرهم ، و علمه أبو عبد الله الشرفي الخلوة في الظلام ، حتى يتجنب كل داع الى تشتيت الخاطر . ومن ناحية أخرى تعلم الفائدة من حياة التجول بالنسبة الى الصوفي من معاشرته لصالح البربري و كان من الصوفية السياح ، و لذلك من شيوخ ابن عربي في الطريق عجوزان صالحان هما : ياسمين ، وهي صوفية من مرشانة الزيتون " ، وفاطمة القرطبية .
وبعد ان تحددت ملامح شخصية ابن عربي الصوفية ، اتجه الى حياة السياحة ، ذلك أن السفر الروحي و ما يرتبط به من أغتراب لدى اهل الصوفية يمثل عتبة الى المحبة الإلهية التي تتعلق بها همة الصوفي و تؤثرها عما سواها ،الى درجة تصير معها جوهرا تتحد به ماهية الوجود الذاتي للصوفي الذي تستوي عنده المعرفة و المحبة فتصبحان أمرا واحدا .
يبدو ان روح ابن عربي القلقة لم تقتنع بحدود بلاده الضيقة فأرتجل عنها الى افريقية قبل سنة 590ه/1193م ، وكان هدفه أن يلتقي بالشيخ الاشيبيلي الكبير أبي مدين ، الذي أقام مدرسة صوفية في مدينة بجاية منذ عدة سنوات ، و من ناحية أخرى كان أبن عربي في تونس سنة 590ه/ 1193 م، فمن الممكن أذن أن يكون ابن عربي قد مر قبل ذلك ببجاية و أمكنه أذن أن يلتقي ابا مدين فيها .
و بعد تجوال حثيث بين المدن المغربية و الاندلسية ، اتجهت رغبة ابن عربي الى السفر الى المشرق، ابتغاء أن يجد هناك مجالا أنسب للأفكاره ، فمر بالإسكندرية و القاهرة ، وفي سنة 598ه- 1201م ، بلغ الغاية من رحلته ، اذ بلغ مكة و سرعان ما ذاع صيته في البقعة المقدسة ، وبدأ الصالحون و العلماء يتوددون اليه .
و بعد هذا التراكم العرفاني الذي حصله ابن عربي ، وامتداد أخباره و شهرته في المغرب و المشرق ، طرح فكرة عرفانية تلخص فلسفته الصوفية و هي وحدة الوجود و التي تعني أنه لا وجود الا وجود الله و ماذلك التعدد المرئي في المخلوقات و العالم الا ضرب من الوهم في حقيقته ،لكن الفكر الصوفي لابن عربي بقدر ما لقي من الاعجاب و التشجيع ، فأنه لقي أيضا معارضة و نقدا في بلاد الشام ، و خاصة من قبل الفقيه الحنبلي تقي الدين ابن تميمة الذي انتقد نظرية وحدة الوجود عند ابن عربي .
يظهر مما تقدم ان الصوفي محي الدين ابن عربي اجتهد في تقديم نظرية متكاملة في التصوف تقوم على فكرة وحدة الوجود مستندا الى شواهد من القرأن الكريم و سيرة الصحابة . وبدا مفكرا فذا من خلال عمق فكره و كفائته الروحية و استعداده الفطري ، وقد احتضن فكرة الصوفي في بلاد المشرق و المغرب قسيم هام من المشتغلين بالفكر و العلوم ، غير أن قسما من الفقهاء قدح في أفكاره و كذبه و كفره مخرجا اياه من الملة .