مدارس التصوف في الشرق الاسلامي :
مدارس التصوف في الشرق الاسلامي :
المدرسةالحجازية:
شهدت المدينةالمنورة الاحداث الاولى للدعوةالاسلامية فقد فتحت احضانها للرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه وشاركت معه عليه الصلاة والسلام في غزواته وحروبه ضد الكفر والشرك ،وقامت بدور كبير في نشر الدعوةالاسلامية بين القبائل العربية في شبه الجزيرةالعربية كانت المدينة حاضره الاسلام الاولى ومدرسته التي لعب الدورة هاما في الحياةالاسلامية،فكانت مقصد الطلاب والعلماء يأتون اليها من كل فج عميق للاعتراف من منبعها الصافي.
شركه المدينةالمنورة ومدرستها في الناحيةالعلمية بقدر كبير في الحياةالروحيةبصفةخاصة، لقد حمل علمائها مشعل الحضارةالاسلامية ووضع النظام العلمي في مدارس العالم الاسلامي ،ولما سمحت الدولة لعلمائها بالسياحة في ارجائها ارسوا قواعد الحياةالعلمية في الدولةالاسلامية،فانتشرت المدارس وظهرت العلوم بمفهومها الحديث ، ومن اهم هذه الشخصيات التي لعبت دورا في الحياةالروحية هم :عبد الله بن عمر عبد الله بن مسعود وعبد الله بن العباس، هم قادة العلم والتعليم والحركةالروحية،وقد تبعهم الكثير في الفقه والتفسير والاحاديث الشريفة،وجاء بعدهم جيل اخر اطلق عليهم التابعون ارسوا قواعد العلم للنهضةالعربيةالإسلامية.
اما مكةالمكرمة فاضطلعت بدور علمي اساسي بعد الفتح الاسلامي وتكونت مدرستها على يد معاذ بن جبل ،وهو من افضل شباب المدينة، ومنهج هذه المدرسة هو قراءة القران الكريم مع توضيح الحلال والحرام .
وهكذا بدأت تتحدد ملامح المدرسةالصوفيةالحجازية التي قامت على تعميق الحياةالروحية بين طلابها للوصول الى الله ،ولا يتأتى ذلك الا بالتخلص من الذنوب ،وكان منهجها الذكر لله الممزوج بالبكاء.
المدرسةالعراقية:
نشأت المدرسةالصوفية في العراق بتتأثير واضح من الجو الروحي الذي كان سائدا في الحجاز .انتقلت حاضره الاسلام من المدينة الى الكوفة.
في عهد الخليفة علي بن ابي طالب رضي الله عنه ،وانتقلت اليها الاحداث والفتن التي غمرت العالم الاسلامي جراء الصراعات السياسية التي تسببت بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، ونشطتالحركةالعلميةبالمدينة بفعل اسهامات اعلام العلم ،منهم سلمان الفارسي ،حذيفةبن اليمام سفيان الثوري.
كما ظهرت مدينةالبصرة كحاضرة علمية شاركت بنصيب كبير في الحياةالروحية وعملت على تطويرها، ومن ابرز علماء البصرة ابو عوس الاشعري الذي قام بتدريس علم الفورادات ظهرت المدرسةالبصرية بعد ابي موسى الاشعري ، الذي قام بتدريس علم القراءات .
ظهرت المدرسة البصرية بعد أبي موسى الأشعري هي المدرسة الام التي جذبت اليها العديد من الطلاب من أرجاء الدولةالاسلاميةللدراسة التي يعتمد منهجها على علوم القراءات وعلوم الحديثوالفقه و التفسير ، ومن المدرسة الام هذه ظهرت المدارس الصوفيةالبصرية بالوان جديدة في الحياةالروحية التي طبعت هذه الحياة بما يتناسب مع متطلبات الحياةالعامة التي تخدم الحياةالسياسية وقتذاك ، ومن اهم هذه المدارس مدرسة الحسن البصري الذي اشتهر بنبوغه عن أقرانه في الناحيةالروحيةالمستمدة من الكتاب والسنة، فهو يعتبر بحق المؤسس الحقيقي لأولمدرسةصوفيةجديدةمن نوعها مختلفة في مناهجها عن غيرها ذات المناهج التقليدية. لقد احتل الحسن البصري مكانة و منزلة علمية في تاريخ الصوفية لم يسبقه اليها احد من قبل، ولشهرته العلمية الصقت به العديد من الآراءالمتناقضة والنظريات الفلسفيةالمختلفة لهذا عده المؤرخون اسطورة عصره. لقد قامت مدرسته بدور هام في الحياةالروحيةالاسلامية،فجلبت اليها الطلاب من كل ارجاء الدولةالاسلامية وتخرج منها العديد من العلماء الصوفية المشهورين ، لقد تحددت افكاره الصوفية من خلال التركيز على علم الاخلاق الذي يجد مرتكزاته في القران الكريم والاجتهاد في تصفية النفس، من خلال حث طلبته على مخاطبة قلوبهم ومراقبة انفسهم .والالتزام بالصبر لفظا وعلما حتى يتخلصوا من الشهوات ،ويوضح لهم بان الصلاة لا تصح الا بعد التخلص من تلك الشهوات والخطايا.
و يرى الحسن البصري ان صلاح حال الفرد المسلم يأتي عن طريق مراقبة النفس ومحاسبتها وزجرها.
واستمراراللمدرسةالعراقية الكبرى بلورت مدينة بغداد وهي ايضا منهجا في التصوف. ويروى ان اول من تكلم في علوم التوحيد والوارع ببغداد هو ابو الحسن السريالسقطي ،وكان تاجرا، فترك التجارة وقام من السوق ،ولزم بيته للعبادة،وانقطع عن الناس. وقد اشتهر بانه أول من تكلم في الحقائق والتوحيد ،ويقال ايضا انه اول من تكلم في المقامات والاحوال .
وكان ابراهيم الصدفي البغدادي، اول من تكلم في الاصطلاحات الصوفية ومن صفاء الذكر، وجما الهمة،والمحبة والعشق ، والقرب والانس، ولم يسبقه الى الكلام بهذا على رؤوس المنابر ببغداد أحد. وكان تلميذ احمد بن حجوقن ، الذي خاطبه بقوله له:" يا صوفي."
ويظهر أن معاصره طيفور البسطامي هو الذي اضاف الى ذلك استعمال لفظةالسكر ، فكان لها الى جانب كلمة العشق.
ثم جاء ابو سعيد الحزازالبغدادي ،وهو تلميذ دينون المصري ، فكان اول من تكلم فيه الفناء و.
كان أبو صالح حمدون ابن احمد بن عمارة القصار أول من سلك طريق الملامة ، ومنه انتشر مذهب الملامتية،وكان بفضل ان يكون مظهره مظهر المذنبين على ان يصرفه تعظيم الناس له عن الله .
وحوالي أواخر القرن الثالث الهجري حمل تلاميذ السري السقطي مذاهب الصوفية البغداديين الى أنحاء المملكةالاسلامية،فحملها موسى الانصاري بمرو الى خراسان والروذباري الى مصر ، وابو زيد الأدمي الى جزيرة العرب. و كذلك ظهر التصوف بمدينة نيسابور على يد اب علي محمد بن عبد الوهاب التقاف، و كانت شيراز بنوع خاصمملوءةبالصوفية حوالي أواخر القرن الرابع الهجري .وفي النصف الثاني من الخامس الهجري لقي الحجويريالافغاني 300 من مشايخ الصوفية بخرسان وحدها ، و لكل منهم مشرب ، والواحد منهم يكفي الدنيا بأسرها .
وكان يعيش في بغداد حوالي عام 300 هجرة ثلاث من كبار مشايخ الصوفية متقاربين وهم : ابو بكر الشبلي المشهور بإشارته. وكان ابوه حاجبا بدار الخلافة، وتولى هو نفسه ادارة دواوين كثيرة، وابو محمد عبد الله بن المرتعش صاحب النكت الصوفية، والخلدي، عن خمس وتسعين سنة، وهو اول من الف في تاريخ الصوفية،وحكاياتهم،وكان يفتخر بانه يحفظ اكثر من 100 ديوان من دواوين الصوفية.
المدرسةالشامية
على ارض الشام هبطت الديانات السماوية فانتشرت تعاليمها في ارجاء المنطقة كلها، واكثر من ذلك قامت الحضاراتالقديمة على ضفاف الأنهار، فصارت الشام منطقة جذب لكل سكان البحر المتوسط وشبه الجزيرة ومصر .
ولما تم الفتح الاسلامي لهذه البلاد انتشرت اللغةالعربية بين سكانها. ونقل الامويون مركز خلافتهم الى دمشق، وكان من الطبيعي ان ينتقل علماء الى مركز الخلافة،ومع ظهور المدارس العلمية نشطت الحركةالروحية في بلاد الشام .
تعتبر المدرسةالشاميةأولى مدارس التصوف في الاسلام ،واتخذت من المساجد ركنا لها ،حيث كانت تقام حلقات الدراسة،ولقد وضعت هذه المدارس منهجا دراسيا جديدا يتلاءم مع طبيعةونوعية التصوف في بلاد الشام ،ولقد درست هذه المدرسة مواد التفسير والاحاديث والقراءةالصحيحة،واشهر رواةالحديثة هو معاذ بن جبل. واعتمد منهج هذه المدرسة على عده نقاط هامة:
أ- الجوع :لقد اتخذت هذه المدرسة الجوع شعارا خصا بها ، واطلق على موريديهاالجوعة نتيجة لعدم اقبالهم على تناول الطعام الا ما يقيم أودهم ، متخذين من حديث الرسول عليه الصلاة والسلام قدوةالحسنة قال "بحسب ابن ادم لقيمات يقمنصلبه" ولقد رات الصوفية ان اكثار من الطعام يكون بمثابه حاجز قوي يؤدي الى الكسل والخمول ويمنع الفرد المسلم ان يفكر تفكيرا علميا ، ويمنع النفس ان ترقى الى مدارج الصفاء .
ب- الخوف و الدموع :اتصفت هذه المدرسة بالخوف الشديد على نمط مدرسة الحسن البصري فالخوف في قاموس هذه المدرسة هو الخشية من الله .و لكن الخوف فيها ظهر ممتازجابالبكاء الشديد، ويرى صوفيةالمدرسةالدمشقية بان الدموع تغسل الفرد المسلم من ادران الذنوب ،ولهذا كثر البكاء ،وعرف اصحابها بهذه الصفة حتى ترى تأثير الدموع الكثيرة على وجوههم.
ج- الشريعةالاسلامية:قامت هذه المدرسة على دراسةالشريعةالاسلامية في الدولةالاسلامية فالشريعة في نظرها ليست من أعمال الحكام في الدولة الإسلامية، وهي تطبق على الحكام والمحكومين سواء .فليس في نظرهم حاكم من حقه ان يشرعوا للناس ،ولا يعتبر بحال من الاحوال ما يصدره الحاكم من أمر أو نهي مبدأ قانونيا، يعمل به كسابقه الا اذا كان اجتهادا في حدود الاطار العام للشريعةالاسلامية التي مصدرها كتاب الله وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام . فاذا كانت شريعةمرنة تستجيب لحاجيات الناس المتجددة، فليس معنى هذا انها تخرج عن اطار القران الكريم والسنة ، وانما تستخرج لكل مسألة طارئة قياسا في اطار اصولها ،ويتم ذلك عن طريق ما عرف في العصور السابقة وعصورنا بالاجتهاد .
ولما كانت الامة لا تستطيع بكليتها ان تقوم بهذه الواجبات اوجد الاسلام ما يسمى "بالاكتفاء والنيابة" اي اذا قام بها بعض من الائمة سقطت عن باقي المسلمين ،وقد اطلقوا على هذه المهمة الاجتهاد كغائبه، واطلقوا على اصحابهم اسم "أصحاب الاجتهاد "وهم اصحاب العلم والبصر بكتاب الله وسنة رسوله (ص) مع اتصافهم بصدق النظرة وقوة الرأي. ولم يكنهناك نظام معين يختارون به هؤلاء او يتخذونهم لسلطانها او تأثيرهان فمهمةالخليفة او الحاكم مهمة تتغير به ولا يسمح للحاكم او الخليفة ان يكون في داخل هذه الهيئة (أهل الاجتهاد )الا اذا انطبقت عليه شروطهم.
المدرسةالمصرية:
اصبحت مصر وهي صاحبةالحضارةورائدةللثقافةالقديمة،مركزا علميا في الدولةالاسلامية، وحركتها العلمية صارت اسلامية وليست فلسفية ولا دنيوية، وقد وصل اليها العلماء الذين قاموا بدور عظيم وشأن جليل في مدرستها واشهرهم: عبد الله بن عمرو بن العاص، فقد اشتهر برواية احاديث رسول الله.
ويعتبر النص التصوف المصري حسب العديد من الباحثين احسن انواع التصوف المعتدل الذي لا تشوبةشائبة،ويستمد اصوله من الكتاب والسنة ، وكل فكرة بعيدة عن المصدرين السابقين مرفوةه عند المصريين ، ويعتبر الامام الرفاعي صاحب مدرسة مستقلة في مصر ن الذي ولد سنه 512ه وشعاره في مدرسته" طريقي دين بلا بدعة ، و همة بلا كسل ،وعمل بلا رياء ،وقلببلا شغل، ونفس بلا شهوة "واتخذ علوم الشريعة اساسا في مدرسته ،والزم المريدين (التلاميذ) باتباع:
_الكتاب والسنة.
- عدم مجاراة موتى القلوب .
- موافقة السلف على ما هم عليه.
- ترك الدنيا وشهوات النفس .
- الصبر على البلاء .
- الوفاء والاخلاص واجتناب الجفاء.
واشترط في المريد عند قبوله في المدرسة أن يكون:
- ترك الماديات وحب الدنيا.
- الصبر وعدم الياس من رحمه الله .
- كتمان السر ولا يشكو الا مخلوق مثله.
- ان يهرب من الناس الى الله عز وجل .
- ان يعمل لله تعالى ولا يرى انه يعمل شيئا.
- ان يظهر الغنى في الفقر.
- ان يلتزم المريد جانب شيخه.
ويشترط في الشيخ ما يلي:
- ان يلزم الكتاب والسنة ويبتعد عن البدع.
- ان يكون مع مريدهكالاب مع أبنائه.
- ان يحتمل مسؤولية كبرى في تعليم المريدين ،ومسؤوليته ليس في الدنيا فقط بل تتعدى للاخرة
ويشترط في الامام:
- ان يدعو الى الحب والخير والمؤاخاة.
- ان يكون مخلصا مبتعدا عن الغرور والرياء .
- ان يكون قلبه محتويا على الخوف وعقله على الذكر ووجهه على الشكر .
وفي مصر تظهر شخصية صوفية احدثت تاثير كبيرا في مصر وخارجها انه احمد البدوي .تبدأ رحلته في الفكر والتأمل في الامةالاسلامية وما وصلتاليه ،ثم رحل الى العراق وكان يدرس ويحضر حلقات العلم في بغداد ، ويعترف على افكار علمائها ، فقد كانت رحلته عبادة وعمل وتجميع للفكر والاتصال الروحي بالمتصوفة.ويدورمنهجه حول ما يلي :
- ان يكون المريد عاريفا بالله مراعيا لأوامره
- ان يتمسك بكتاب الله وسنه نبيه .
- ان يكون دائما الطهارة وراضيا عن الله.
- ان يترك ما في ايدي الناس ويحتمل اذاهم .
- ان يكون متواضعا لله
- ان يكون عالما بان الشيطان عدوه كما اخبره الله عز وجل .
وفي الجانب الاخلاقي دار منهجه حول:
- عدم حب الدنيا لأن حبها يفسد العمل الصالح .
- التقوى
- الشفقة على اليتيم .
- الاكثار من الذكر والصلاة في الليل.
- البعد عن النميمة و الأذية للأخرين وعدم ظلم الناس .
- صلة الاصدقاء والاخوة والاقارب.
- الاحسان الى من اساء اليك.
- التصوف لدى المدرسةالبدويةاخلاق ،حيث قال البدوي:" من زاد عليك خلقا زاد عليك تصوفا ."
والكتب الدراسية التي تركها صاحب المدرسةالبدوية هي مجموعة من الأدعية والصلوات. وقد تم نشرها تحت عنوان" فتح الرحمن"، وكذلك مجموعة من الوصايا والعظات الموجهة.
نلاحظ مما سبق ذكره عن الزهد ومدارسه في المدينةوالبصرةوالكوفة ومصر والشام في القرنين الاول والثاني الهجري ،انه يتميز بالخصائص التالية:
أولا: انه يقوم على اساس فكرةمجانبة الدنيا من أجل الظفر في ثواب الاخرة و اتقاء عذاب النار ، مثأترابذلك بتعاليم القران والسنة، وبالظروف السياسيةوالاجتماعيةالسائدة في المجتمع الاسلامي انذاك.
ثانيا :انه زهد ذو طابع عمل ،ومن وسائله العملية العيش في هدوء وبساطه تامة ، والتقليل من المأكل والمشرب والاكثار من العبادات والنوافل والذكر ، مع المبالغة في الشعور بالخطيئة والخضوع المطلق لمشيئة الله ، والتوكل عليه ،وهو بهذا يهدف الى غايةأخلاقية.
ثالثا: انه كان يتخذ دافعا له الخوف من الله ،وهو خوف يبعث على العملالديني الجاد ،على انه ظهر له دافع أخر في اواخر القرن الثاني عند رابعة العدوية،وهو الحب لله المنزه عن الخوف من عقاب الله والطمع في ثوابه في ان معا .وهو يعبر عن انكار الذات، وعن التجرد في علاقة الانسان بالله .
رابعا:ان زهد بعض المتأخرينمن الزهاد خصوصا خراسان ،وعند رابعةالعدوية، يمكن لما تميز به من تعمق في التحليل ان يعتبر مرحلة تمهيدية للتصوف .واصحابه ،وان كانوا يقتربون من التصوف لا يعدون صوفيا بالمعنى الدقيق للكلمة، وانما يمكن اعتبارهم روادا أوائل لمن سيجيء بعدهم من صوفية القرنين الثالث والرابع .
وتعتبر بعض الدراسات المتأخرة في مجال التصوف الاسلامي ان الزهد اقدم نوع من انواع التصوف، وهو يصف الزهاد احيانا بالصوفية الأولين ، والبعض الاخر يعتبر ان مثل هذا الزهد لا ينطبق عليه من الخصائص المعروفة التي تضبط صفات المتصوفة و الزهاد ، ولذلك فان من ادق عدم اطلاق اسم الصوفية على الزهاد المسلمين حتى اواخر القرن الثاني ، و يحبذ اطلاق عليهم ما أطلقته المصادر العربيةالقديمة عليهم من تسميات ، كالزهاد والعباد و النساك و القراء ، وما الى ذلك .
ويمكن القول ان القرن الثالث هو بداية تكون علم التصوف بمعناه الدقيق ،ومن اقدم من صنف في الحارث المحاسبي (ت243 ه)والخراز (ت277 ه) ، و الحكيم الترمذي (ت 285ه) ، و الجنيد (ت 297ه) . واستمر هذا التصوف في القرن الرابع ،بحيث يمكن ان نعتبر تصوف هذين القرنين تصوفاالإسلاميةناضجا اكتملت له كل مقوماته .واصبح التصوف منذ القرن الثالث متميزا على علم الفقه من ناحية الموضوع والمنهج والغاية.
ولا شك انه كان لحركة تدوين العلوم الشرعية التي سبقت تدوين التصوف اثر في ذلك ،على نحو ما يقول ابن خلدون :"فلما كتبت العلوم و دونت ، و الف الفقهاء في الفقه و أصوله ، و الكلام والتفسير .وغير ذلك كتب رجال من اصل هذه الطريقة(ويقصد الصوفية)في طريقهم، فمنهم كتب في الورع ومحاسبة النفس ...وصار علم التصوف في الملة علما مدونا بعد ان كانت طريقة عباده فقط.
وجدير بالتذكير ان التيار الصوفي في بلاد المشرق الاسلامي تأثر بمذاهب المتكملين ،وعلى وجه الخصوص المعتزلة،وذلك ان الصوفية اخذوا المسائل والمناهج من المعتزلة، ولذلك انتشرت التصوف بصورة لافة في بلاد الفارس التي كانت كلها معتزلة. ثم ان الصوفيةجعلوا مسألة القدر ، وهي اهم شيء عند المعتزلة،نقطةاساسية من مذهبهم ، فقالوا بالجبر على نحو لا اضطراب فيه : يحكى ان ابي عبد الله احمد بن يحيى الجلاء أنه قال : " من استوى عنده المدح والذم فهو زاهد ، ومن حافظ على الفرائض في اول مواقتها فهو عابد ، ومن رأى الافعال كلها من الله عز وجل فهو موحد، لا يرى الا واحدا."
على ان الجبر عند الصوفية ليس هو ذلك الاقتران الألي بين الاسباب والمسببات على النحو الذي يذهب اليه اوساط المتفلسفين وعامتهم، بل ان الصوفية جعلوا الجبر معنى دينيا .وقد كان الاسلام دعامن اول الامر الى الثقة بالله ، والتوكل عليه ، اما الصوفية فانه لم يألوا جهدا في دعوة الناس الى التوكل على الله والثقةالمطلقة به ، تاركين الأمر كله لمشيئته من غير ان يعملوا شيئا ، ذاهبين الى "ان أول مقام التوكل ان يكون العبد بين يدي الله عز وجل الميت بين يدي الغاسل ، يقلبه كيف شاء لا يكون له حركة ولا تدبير" . ومعظم كرامات الصوفية انما هي جزاء تحقيق لهذه الثقة التي بفضلها تبقى خزائن الله مفتوحةللمتوكلين .
وكان التوكل أكبر عقيدةللصوفية في القرن الرابع الهجري .وكان مذهبهم يقوم على اربعة اصول .فكان فيها بعد التوكل الصبر والرضا والرجاء .وقد اثر صوفيةتأثيرقويا في الاسلام من طريق قولهم بالتوكل حتى طبعوه بطباعة وهو ما يسمى بالاستسلام او الجبر الاسلامي .
ولم يكن للقول بالجبر عند المتكلمين ولا عند المنجمين من الاثر في الاسلام ما كان لتوكل الصوفية، وماذلك الا لأن الصوفية كانوا يطبقون قاعدة التوكل ،جادين كل الجد، في شؤون الحياةاليوميةالعملية. يضاف الى كل هذا أن الصوفية على التقوية روح التوكل ، كما دعا اليه العباد، وحث عليه النصوص المأثورةن وهذا الشيء في غايةالأهمية من الناحيةالدينيةن و فسروه بانه الرضا التام بكل الاحكام الالهية.
على ان الاصلاحات الإسلاميةالخاصة بالجبر لم يكن ظهورها ،في هذا العصر بل هي جمعت فيه و رسخت ، كما هي عليه اليوم. وهذه هي النقطةالهامة،وقد رسخت الصوفية في دهن كل مسلم بأفعالهم وبكلامهم البليغ ان أ رزاق الناس قد قسمت ، وكتبت قبل خلقهم بزمن طويل . ويريد ابو طالب المكي في كتابه" قوت القلوب " ، وان لكل عبد رزقا هو أتيه لا محالة، ولو هرب العبد من رزقه ، كما لو هرب من الموت لادركه " وان رزق كل انسان قد كتب في اللوح المحفوظ.
وأخيرا قوى الصوفية روح التوكل، كما دعا اليه الزهاد والعباد، و حثت عليه النصوص المأثورة وهذا الشيء في غايةالأهمية من الناحيةالدينية، وفسروه بأنه الرضا التام بكل الاحكام الإلهية، والسرور باستقبال مجاري القضاء كلها ، بحيث يكون العبد راضيا عن المصيبة والنعمة على السواء ، ويحكى عن رابعة انها سئلت : متى يكون العبد راضيا .... ، فقالت اذا صرته المصيبة كما سرته النعمة.
وفي أوائل حركة التصوف كان الحارث المحاسبي ، اول من فصل بين الرضا في مجاري الاحكام الإلهية وبين التوكل بمعناه المعروف ، وقال : "ان الرضا من جملة الاحوال التي لا تكتسب وانما هي النوازل تحل بالقلب ، والمحاسبة هو اول من جعل للرضا الحض الاوفر من عنايته ، ونستطيع ان نعتبر المحاسبي مؤسس مذهب الاستسلام الذي ينسب للمسلمين.
على ان الصوفية لم يبنوا عقيدتهم في القدر كما انهم ينشروها على منهج المنطقي، بل هم اختصروا في ذلك على الناحيةالعلميةالدينية.فمن ذلك انهم مثلا لم يوقعوا في الجمود في التفاصيل ، ولم يتأدوا الى راي الصارم فيما ذهبوا اليه بين واخر من القول بالقدر.
اما النظرةالثانية الكبرى في المذهب الصوفية هي مسألةالولاية،وهو من يواليه الله وينصره ن وهذه الفكرة صوفية ادخلها الصوفية في الاسلام ، فلم ينفك عنها في كل عصوره ن وهذا هو اكبر نجاح ظاهر للصوفية، وهو النجاح الذي بدأ يظهر في القرن الرابع الهجري . ويعتبر المحاسبي أ ول من تكلم في مسألة درجاتالاولياء وفي مقدمات الحياةالصوفية.و يقال ان الذي ادخل مسألةالولاية في المذهب الصوفي هو ابو عبد الله محمد بن علي الحكيم الترمذي .