التصوف في القرن الخامس

 يمكن تسجيل حقيقة ثابتة ميزت التصوف خلال القرن الخامس الهجري ، و  هي اتخاذه اتجاهات اصلاحيه واضحا. وارجاعه الى حظيرة الكتاب والسنة ، ويعتبر القشيري والهروي من ابرز صوفية هذا القرن الذي نحوا بتصوف هذا المعنى الصوفي السني.

القشري،  شخصية هامة من شخصيات التصوف الاسلامي في القرن الخامس . و ترجع أهميته الى ما كتب عن التصوف  والصوفية في القرنين الثالث والرابع  ،ـ من ذوي الاتجاه السني ، وحفظ بذلك اقوالهم وتراثهم في التصوف من ناحيتيه النظريةوالعلمية .

والف كتاب "الرسالة" في التصوف لتصحيح التصوف على عقيدة اهل السنة ، فيقول :" اعملوا رحمكم الله ان شيوخ هذه الطائفة (الصوفية) بنو قواعد امرهم على اصول صحيحة في التوحيد صانوا بها عقائدهم من البدع ، ودانوا بما وجدوا عليه السلف واهل السنة من توحيد ليس فيه تمثيل ولا تعطيل ، وعرفوا ما حق  القدم،  وتحققوا بما هو نعت الوجود عن العدم.) وينطوي كلامه هذا على انكار ضمني على صوفية الشطح ،الذين نطقوا بعبارات توهم الخلط بين صفات الألوهية، واخصها القدم ، وصفات البشرية واخصها الحدوث.

وينتقد القشيري  صوفية عصره ايضا لتمسكهم بلباس الفقراء  و الصوفية مع مخالفة لباسهم في نفس الوقت لفعالهم،  وينبه الى ان صحة الباطن ، مع التمسك بالكتاب والسنة ،  اهم من ظاهر اللباس.

لذلك  يعلن القشيري انه كتب رسالته  غيرة منه  على هذه الطريقة، فهو لا يريد ان يذكر احد اهلها بسوء،  مستندا الى الاحتراف بعض الأدعية لها ، فهو على هذا تعبيره بمثابه (سلوى عن الشكوى) مما كان عليه تصوف عصره .

وواضح مما تقدم ان اصلاح التصوف في رأي القشري لا يكون الا بإرجاعه الى عقيدة اهل السنة والجماعة،  والاقتداء في ذلك بالصوفية السنيين الذين ذكرهم في رسالته من اهل القرنين الثالث و الرابع . و سنجد أن القشيري في هذا الصدد كان ممهدا للغزالي،  الذي انتهى الى نفس مدرسة الأشعرية و الذي تبنى نفس فكرته تلك فيما بعد و سار في اتجاه الحارث  المحاسبي والجنيد .

كان لابي حامد الغزالي لغة اخرى يعبر بها عن المعرفةالصوفية الذوقية.

المعارف الذوقية في نظر الغزالي من العلوم الإلهية التي تنكشف في القلب انكشافا او تلقي فيه القاء بدون عمل اوجه او اختيار ولا فرق بينها وبين الوحي الا ان صاحبها لا يدري.

 يقول الغزل في كتابه الموقد من الضلال بعد ان ناقص المدركات الحسية والعقلية ودارها له ان حاكم الحس يؤمن بالمحسوسات الا انه يكذبها حاكم الفصل وان في الامكان ان يكون في الانسان حاكم يكذب حاكمه العقل في ما يقول به بمعنى ان في الانسان قوه غير قوتي الحث والعقل وفق قوتي الحس و العقل فهو ترى في حقيقه في صوره لا هي محسوسة ولا هي معقولة بل متذوقة .

وكان يعتقد انه لا يمكن كشف الحقائق الكبرى في علم التصوف للعامة، لأنه ينجم في ذلك ضرر وفساد في عقيدة المجتمع الإسلامي،  لكنه رأىبالإمكان تقديم حقائق الدين لكل فرد حسب مستواه العقلي والعلمي، فدعا للتمسك بالكتاب والسنة في الممارسات الصوفية، والابتعاد عن التصوف الذي يخالف تعاليم الاسلام ، معتبرا أن التصوف طريق ومسلك للمعرفة والخلوة للتحصيل المنزلةالرفيعةوالتقرب الى الله،  وقد اعتبر" دومينيك سورديل" أن الغزالي الى جانب اهتمامه بالبحث والعلم ، الا انه اعطى درجة رفيعة للحياة الروحية الرامية الى تحصيل محبة الله.

 وفي القرنين السادس والسابع الهجريين ، برز الشيخ عبد القادر الجيلاني وهو أحد أشهر اقطاب الصوفية الذي نال منزلة رفيعة بين العلماء والعامة على حد سواء،  وطارت شهرته في الافاق.

 ظهور التصوف ببلاد الغرب الإسلامي:

بالنظر الى المعلومات المتوفرة في ما يخص الفترةالمبكرة، يبدو أن التصوف دخل بلاد المغرب الاسلامي عبر المشرق باعتبار بلاد المشرق الاسلامي مجال التصوف  و منطلقه. فطبقا لوحدةالظاهرةالصوفية في العالم الاسلامي  لا سبيل لنكار التلاقح الروحي بين مشرق العالم الإسلامي  ومغربه .

 ولا غرو  في ذلك ،  فالتصوف بالغرب الاسلامي قطعة حية من التصوف الاسلامي بالمشرق .اذ نعلم يقينا ان التصوف انتشر انتشارا واسعا في الشرق ابان هذه الحقبة، بل و قبلها بكثير ، ولم يكن التصوف الغزالي سوى عطاء صادقا  لهذا المد الصوفي . لذلك يمكن القول بأنه من البديهي ان يصل هذا التيار الى بلاد المغرب على ضوء هذه المعطيات.

وقد تم ذلك عبر عدةطرق ، إما عن طريق الحج ، أو عن طريق الرحلات العلمية، فقد كان اهل الغرب الاسلامي يذهبون لأداء مناسك الحج ، وعند العودة منه يكونون قد تشبعوابأفكار وتعاليم وسلوكات ومؤلفات صوفية يعملون على نشرها في اوساط الحجاج المغاربة. و من أمثلة ذلك ،محمد بن سعود القيرواني،  اول شخص ترجم له التادلي في كتاب "التشوف الى اهل التصوف" والذي حمل مؤلفات ابي بكر المطوعي واستقر "بأغمات"حتى وفاته. و بعد ذلك لقي أبو جبل يعلى ، أبا الفضل عبد الله ابن حسن  الجوهري الشيخ المتصوف (ت 480ه)وحمل منه طريقته و عاد الى فاس حيث  توفي بها سنة (503ه). كما كان  عبد العزيز التونسي الذي كان يحث تلامذته من المصامدة  على قراءة كتاب "رعاية الحقوق الله" للمحاسبي .

ومن العوامل الاخرى التي ساعدت في انتشار التصوف في بلاد الغرب الاسلامي مساهمةالدولة الموحدية،  حيث ان المهدي بنت  تومرت (ت 527ه) تورد عديد المصادر أنه تتلمذ على يد ابي حامد الغزالي ، وحمل أفكاره ونشرها في المغرب ، اضافة الى جهود الحكام الموحدين في إزالةالعداوة و الاعتراضات نحو كتاب "الاحياء" .وقد وجدهذا الكتاب رواجا في بلاد المغرب الاسلامي .فألف بعض العلماء كتبا في منواله مثل الكتاب "التفكير فيما تشتمل عليه السور والأيات من المبادئ والغايات"لأبي الحسن بن علي بن محمد المسيلي .

كما ساهم الموحدون في فتح المجال امام التطور الفكري والعقلي وحتى العقدي في ادراك الله وصفاته التي وردت في مؤلفات ابن تومرت ،وكانت تعتمد على العقل  كوسيلة للوصول الى التوحيد والعبادةالصحيحة، والأخذ بالعقيدةالأشعرية. كما حاولوا ازالة القيود التي وضعها فقهاء الدولة المرابطية،مما كان له الأثر في انتشار التصوف في بلاد المغرب،  واصبحت كتب التصوف كالاحياء للغزالي و

"الرسالة" للقشري. تدرس في المؤسسات التعليمية وفي المجالس الفقهيةوالفكرية.

ويرجع بعض الكتاب ازدهار الفكر الصوفي وتبلوراتجاهاته،  ومدارسه وانتشاره في الاوساط الشعبية والبوادي الى مذهب التوحيد ، الذي جاء به ابن تومرت .كما يرى بعض الباحيثين ان مذهب الأشاعرة الذي يفضله الموحدون هو مذهب يقر بالأولياء والصالحين ويرى في كرامتهم تصديقا بمعجزات الأنبياء.

 واصبح لافتاللإنتباه  على عصر الموحدين أن الصوفية اصبحوا يشكلون شريحة بارزة في المجتمع تمارس التأثير الفكري على مجموعات هامة من عامة المجتمع  و نخبته ، مما حدا بالحكام تقبل هذا الواقع والتعاطي معه.

 


Last modified: Thursday, 10 November 2022, 8:17 PM