التأثير الاندلسي:

 لعبت بلاد الاندلس  دورا هاما في انتشار التصوف في بلاد المغرب الاسلامي  ، فقد كان لأطرهاالمثقفة ذات المنحى الزهدي دورا هاما بالنسبة لتمثل صوفية المغرب للتصوف الإسلامي،  والمتمثل كذلك في نقل التأثيراتالزهدية الى العدوةالمغربية. وهذا ما توضحه كتب التراجمالمغربيةوالأندلسية،وكذا بعض الدراسات المتأخرة حول انتشار الميولاتالزهدية منذ العهود الاولى للإسلام بأرض الأندلس و وحتى نهاية القرن الخامس الهجري . فقد شكلت هذه الميولاتالأرضيةالخصبة التي انتج فيها مذهب صوفي بالديار الأندلسية، وذلك قبل القرن الخامس الهجري وخلال هذا القرن انتشرت بعض التأليفالمشرقيةالمتعلقة بالتصوف . وقد تأثرمتصوفة المغرب بنظرائهم الأندلسين ،  خاصة التصوف في مرحلته المبكرة، من قبيل ابن مجاهد الالبيري، وابن عمر الطلمنكي،  وقد تاُر  بفعل الرحلات التي قام بها متصوفة بلاد المغرب نحو عدوة الاندلس ، ومن بينهم  نذكر  جساس السجلماسي و دراس بن سماعيل وخلف بن علي البلوي.

 وعلى كل حال ،فان التصوف في بلاد  الغرب الإسلامي  كان في بدايته الاولى قد تشبع ونهل من عدة قنوات على رأسها القناةالمشرقية.

الازمات واثارها في ظهور التصوف

 من الثابت عموما ان التصوف يترسخ يشتد  عوده ابان  الازمات ، حين يدب الضعف و الوهن في كيان الدولةالمركزية، وتستشري الفتن ،  وتحدث المجاعات والأوبئة والكوارث،  فيصبح تدخل الأولياء آنذاك بديلا ضروريالإعادة التوازن السياسي والاجتماعي.  وحسبنا دليلا على ذلك الارتباط قول ابن الخطيب عن المتصوفابي  العباس السبتي انه كان مستغاثا به  وقت الازمات.

 و اذا كان أثر الازمة في ظهور التصوف مسالة لا يلقى اليها الشك ، فان لفيفا من الباحثين الاوروبيين عالجوا الموضوع بمنظوراتهمالخاصة بهم فقد اعتبر البعض من هؤلاء ان الظاهر الصوفية جاءت كرد فعل ضد الفشل الذي منيت به ثورات الخوارج . بينما  عزاها البعض الأخر الى العقليةالمغربيةالمجبولة على الاعتقاد بثنائيةقوى الخير  والشر.  وإن كان قد أرجع في موضع أخر السبب الى تذمر الرعية من سلوك الفقهاء ، وحياة البذخ والترف  التي عاشوها ،  وإهمال المسؤولين لقواعد الدين. غير انه فطن  الى ان نشأة التصوف ارتبطت بالمرحلةالأخيرة من الحكم المرابطي. في حين ركز" فور" fouro في تحليله على الجانب السياسي والأخلاقي، فعزا  هذه النشأة  الى الاضطرابات السياسية و إنحطاط الأخلاق . و إختزل مفكر غربي أخر أسبابها في معارضة  بعض الشرائح الاجتماعيةللفقهاء المالكيين .كما أرجع البعض أسباب إنتشار حركة التصوف في أواخر الدولة المرابطية مجرد استمرار لحركة ابن مسرة التي داع صيتها في الاندلس منذ النصف الثاني من القرن الثالث الهجري .

وقليلة هي الدراسات التي نظرت الى هذه الاسباب بشمولية، وربطتها بنضوب موارد اقتصاد المغازي،  وما تمخض عنه من ازمة عميقة طالت جميع المجالات.

 فعلى المستوى الاقتصادي ،تبين ان اقتصاد المغازي الذي شكل حجر الزاوية في سياسة المرابطين اعتمد على الموارد الحربيةالمتكونة من غنائم المعارك و الضرائب الشرعية وغير الشرعية، والجزية والخراج ، فضلا عن مداخيل تجارة السودان التي إستولوا على محطاتها بالقوة. لكن هذا الاقتصاد ظهر مهزوزا ،لانه لم يرتبط بالقاعدةالبشرية قدر ارتباطه بقوةالدولة، بمعنى انه كان ظرفيا ، معرضا لهزات عنيفة، كلما ضعفت الدولة التي احتكرته لصالحها . لذلك تميزت بهشاشته وعدم استمراريه ازدهاره. وهذا ما يفسر المأل  الذي الت اليه  مختلف قوى الانتاج في أواخر عهد الدولةالمرابطية. فالزراعة التي ضلت خاضعة لتقنيات متخلفة ، سرعان ما عرفت انحطاطا تمخض عنه انقباض الفلاحين عن زراعة اراضيهم . ولم تكن الصناعة اكثر حظا ، اذ اقصترت على الصناعةالبسيطةالمعدة للاستهلاك والصناعات الكماليةالمرتبطةبالأمراء، فضلا عن الصناعات الحربية التي تتماشى مع مشاريع المرابطين في الغزو والتوسع ، لذلك عرفت على غرار الزراعة في اواخر العهد المرابطين كسادا كبيرا. ورغم ازدهار تجارة العبور في الطور الأول من الحكم المرابطين ،فانها لم تسلم من المصير نفسه في اواخر حكمهم .

وبالمثل عرف بيت المال عجزا  كبيرا بسبب ارتفاع عمليات الجهاد والنفقات الباهظة التي رصدت لردع حركه المهدي بن تومرت، و قطع دابر  التحرشات النصرانية،  ناهيك عن نفقات الامراء وإسرافهم في مظاهر البدخالترف ،  الشيء الذي ادى الى سن سياسة جبائية مجحفة  أضرت بكل شرائح المجتمع ، وادت الى ظهور أصوات الإستنكار و الإدانة  و من بينها صوت المتصوفة .

اما على الصعيد السياسي، فقد قامت دولة المغازي على مبدأ إحتكارالسلطة وجعلها قاصرة على العناصر اللمتونية والفقهاء المالكيين ، وتهميش كافة القوى الاجتماعية الاخرى ، مما ادى الى ظهور هوة سحيقة بين المجتمع والسلطة ، و هو أمر كان يستدعي بروز قوى المتصوفة لإعادة التوازن والغاء مبدأ التهميش السياسي .

كما ان الايديولوجياالإصلاحية التي نادى بها المرابطون أدت الى الفشل في نهايةالمطاف ،فالمقولةالخلدونية تؤكد ان المالكية تناسب طبائع المجتمع البدوي  ، وهذا ما يفسر ملاءمتها للمد المرابطي الذي اكتسح المغرب الاقصى والمغرب الاوسط والاجزاء الشمالية من بلاد السودان الغربي ، خاصة في البداية، حين كانت البداوة لا تزال الطابع المهيمن لسلوك اهل اللثام.  اما وقد اتسعت الدولة ، وغزتها مدنية الاندلس، فان الايديولوجيا المالكية لم تستطع استيعاب هذه المتغيرات ،  التي اصبحت قويةوسريعة الايقاع كما عجزت عن مسايرة واقع اصبحت التجارة تشكل عصبة وجودها .

وفي الوقت ذاته عاصفه الامراض والمجاعات بأرواح العديد من الشرائح الاجتماعية وعم القحط والغلاء وارتفعت الاسعار بشكل مرعب وصار السواد الاعظم من رعاية يرزحون تحت نير الضرائب ،  ويعانون من ألوان البؤس الاجتماعي والمحن ، مما هيأ التربةالخصبة لبروز قوى المتصوفة والاولياء .

أما على المستوى الثقافي فقد تجلت  الأزمة في محاربة التيار العقلاني ، و تضييق الفقهاء الخناق على كل أشكال التعبير ، وتكميم الافواه ، مما أحدث طلاقا بين الاسلام الشعبي والاسلام الرسمي . وفي الوقت نفسه ساهم تسرب الفكر الغزالي للمغرب و الاندلس في تكوين قاعدة صلبة لنشوء التصوف.

وعلى الصعيد الاخلاقي يورد بعض الباحثين كخالد بالعربي ان ظهور بعض الأزمات الاجتماعية في مجتمع بلاد الغرب الاسلامي ، حيث شاعت  المنكرات ، وسادت كل مظاهر التفسخ والانحلال كتعاطي الزنا ، وشرب الخمر و، كلها تجليات يقرنها ابن خلدون بهرم الدولة. ان عجز الدولة في محارة ه هذه الأ فات جعل عامة  الناس يتطلعون الى قوى  تقودهم الى تطهير وسطهم الاجتماعي من  هذه الافات، مما أدى الى ظهور المتصوفة حملت على عاتقها مسؤولية مكافحة هذه الافات والحد منها ، فدعت الى العفة و الزهد فشهوات البطن ، والإرتقاءبالإنسان من الخطايا  و المعاصي الى الاخلاق الفاضلة.

 اما على صعيد العام ، فّإن شيوع الكثير من المعتقدات في مختلف الاوساط الشعبية قد ساهم في انتشار التصوف ، حيث شاع الاعتقاد بقدرة الاولياء والمتصوفة في تغيير ما قدر من الحوادث النافعة او المضرة، مثل ما كان يحدث عند قبر أبي زكريا الزواوي .

واذا كانت الأزمة بكل تجلياتها على الصعيد الداخلي قد أفرزت حركة التصوف ، وشكلت المناخ الملائم لتوسعها ، فمن الأمانةالتأكيد على دور العوامل الخارجية في انتشارها ،  و إستفحالها ، فطبقا لوحدةالظاهرة في العالم الإسلامي،  وانتشار التصوف أولا في المشرق ، من المؤكد ان يصل الى مدن المغرب الإسلامي،  ومن بينها بجاية ،  وذلك بواسطة الحج أوطلب العلم وكذلك التجارة، فقد دخلت مجموعة كبيرة من المصنفات الصوفيةالمشرقية الى بلاد المغرب مثل (الإحياء)  لأبي حامد الغزالي ، وكتاب"الرعاية"للحارث المحاسبي ، كما اشرنا اليه سابقا ،  حيث تدارسها  الناس في المجالس العلمية وقد ضل الاهتمام منصبا حول مصنفات الغزالي الذي مكن التصوف من أن يتبوأ  مكانة هامة ضمن التيارات الفكريةالإسلامية ، فقد وجدت تعاليمه ونظرياته أرضية مهيأةلإستيعاب أفكار التصوف، فقد ألف عبد الرحمن بن يوسف البجائي في النصف الثاني من القرن السادس الهجري كتاب "قطب العارفين ومقامات الابرار والأصفياء الصدقين ".

من جانب  تجبالإشارة الى أن فشل كل الايديولوجيات السابقة من خارجية وزيدية شيعية واعتزالية،  فتح الباب على مصرعيه لظهور التصوف كبديل لحالة اليأس والتذمر من الازمات التي غرق فيها المجتمع.

إن التكوين الثقافي للأولياءوالمتصوفة،وتنوع المشارب التي نهلوا منها ، واختلاف مواقفهم إتجاه المجتمع، تجعل الدارس يؤطرهم ضمن اتجاهات متنوعة يجمعها تياران رئيسيان .


Modifié le: jeudi 10 novembre 2022, 20:18