أ‌-                 التيار السني :

يتميز هذا التيار ببساطته ، وهو كل ما تبلور خلال فترة القرن الرابع الهجري في المشرق بظهور مصنفات وضعها صوفية مارسوا  التصوف و سبروا أغواره ، فكتبوا في المجاهدات وترتيبها ومراحلها والمنازل والمقامات والاحوال التي يقطعها المريد، وما يتعرض له تحت اشراف شيخه كما وضعوا القواعد كما والاسس العملية لما يعرف بالطريقةالصوفية، ومن ابرزها كتاب  "اللمع "للطوسي و "التعرف لمذاهب  اهل التصوف "لابي بكر الكلاباذي و "قوت القلوب" لأبي طالب المكي ، واكبر نجاح وصلوا اليه هو استطاعتهم ادراج التصوف في حقل العلوم الإسلامية، وصار يعرف بعلم الباطن تميزا له عن علم الظاهرة- الفقه - وعلوم اخرى ، وهذا ما قصده عبد الرحمن بن خلدون بقوله:" فبعد أن كان – أي -  التصوف عبادة وسلوكا فقد صار علما مدونا من المتصوفة" لأن حركة الكتابةالصوفية لم تنطلق إلا بعد ان دون اصحاب العلوم الاخرى علومهم ، لذلك اعتبر التصوف من العلوم الشرعيةالحادثة في الملة .

وعلى هذا النحو درج المؤرخون والفقهاء الصوفية على اعتبار التصوف علما قائما بذاته،  فاعتبره لسان الدين ابن الخطيب علم التخلق. وجعله ابن ليون التجيبي أعلى العلوم الشرعية،  لكنه رتبته في ذيل الترتيب بعد علم القران وعلم الحديث وعلم الفقه ، وعلم اصول الفقه وعلم الآداب، وعده أحمد  زروق من العلوم الأربعةالمعنية على تنوير القلب الى جانب علم التوحيد وعلم الفقه وعلم العربية .

وفي القرن الخامس الهجري ،عرف انتشارا واسعا بسبب نزوع أقطاب من الصوفية الى الكشف عن علم الغيب والتعرض للمواهب والعلوم اللدنية بواسطة المجاهدات ، ومن هؤلاء ابو قاسم القشري في رسالته ، وابو الحسن الهجاوري في" كشف المحجوب"، و عبد القادر السهروردي في "عوارف المعارف "، وقيدوا كل ذلك بالكتاب والسنة، فنجحوا بذلك في تقديم أطروحة منسجمة بين علم الظاهر -الفقه - و علم الباطن –التصوف- .

ولا بد من التأكيد أن التصوف السني إلتزمبالكتاب  و السنة ، واعتمد العقل والمنطق ، مع رفع درجات الايمان بالإقبال على العبادات والاعتكاف عليها والانصراف عن الشهوات ، وكشف الحقائق لا يتم الا بالتوافق بين الخلوة والزهد والمجاهدة والالتزام بالشريعة الإسلامية ، وبالاقتداء في السيرة الرسول عليه الصلاة والسلام واصحابه

 

ب‌-           التيار الفلسفي:

 وفي اعتقاد اصحابه ان الوصول الى السعادة يكمن في الدراسة والبحث عن طريق العلم  وحده ، و اما الممارسة الفعلية والعملية فهي غير ضرورية ، واعتبارها وسيلة محدودة للغاية ، ومن رواد هذا الاتجاه نذكر الحلاج ( ت 309ه) .  وقد اشتهر هذا التيار بنظرية"وحدة الوجود"والحلول ،والاتحاد بالله ، وكان الحلاج ممن تبنى نظرية الاتحاد بالله بمعنى  الحلول ، واعتمد رواد هذا التصوف على النزعة العقلية ،  فإعتبروا أن العقل أساس معرفة  الله.  ويبدو انهم تتأثروا بالفلسفة ارسطو –طالية- ،ولهذا اختاروا ما يناسبهم من النصوص القرآنية وتركوا ما يعارض افكارهم .

وخلال الفترة التي عاشها الحلاج ، كانت هناك مسائل خلافية بين الفرق الإسلامية ، فالتصوف الحلاج مرتبط بالفكر الفلسفي المتعلق بنظرية وحدة الوجود ، إلا ان بعض الباحثين ينفون عنه هذه المسألة،  ويعتبرون ان فكرة وحدة الوجود ظهرت بعد عصر الحلاج ، لكن الحقيقة أنه ربط بين "الانا" أي الذات وبين المعرفة الوحدانية ،  وكان يرى ان ليس على الصوفي التخلي عن مكاسب الدنيا ، كالمال والعقار وامتلاك الضياع وغيرها، فهي في نظره تقوي الصوفي و تعينه  في حركة البحث والمعرفة.

 ومثل التصوف الفلسفي في بلاد الغرب الإسلامية ابن عريف الذي كان متناهيا،  منقطعا الى الخير- حسب رواية ابن يشكوال-  وكذلك ابن الحكم بن برجان الذي كان محققا في علم الكلام والتصوف مع زهده واجتهاده في العبادة ، وقد ألف الاول كتاب "محاسن المجالس"تحدث فيه عن المقامات الصوفية التي يمر بها السالك  في طريقه الواصل الى الحق تعالى،  ومنها المعرفة والإرادة والزهد والتوكل والصبر والحزن والخوف والسخاء والمحبة والشوق ، غير أ نه لم يأ ت بجديد كما لاحظ ذلك الدارسون المتخصصون إذ أ ن أغلب هذه الافكار سابقه اليها ذو  النون المصري ، لكن الجديدة بالنسبة له هو المنحنى الباطن الذي تطورت من خلاله المعاني المنطوية  عليها هذه الاصلاحات.

اما ابن برجان، فقد تحدث عن ارباب الاحوال  ،وتميز بجنوح شديد الى الباطنية ، تجلى ذلك في ممارسته "لحساب الجمل"وتطبيق ذلك على نصوص القرأن حين اخضع القيمة العددية لكل حرفمن حروفه الى عمليات حسابية مختلفة تعتمد اساسا للتنبؤ بالأحداث خيرها وشرها .

ومهما كان الامر،  فثمةقواسيم تشترك فيها كل الاتجاهات الصوفية في بلاد الغرب الاسلامي وتتجلى فيما يلي :

1-              الموقع الاجتماعي المتواضع للمتصوفة فإستنادا على كتاب "التشوف" وغيره من كتب المناقب،  نستطيع تحديد مختلف الشرائح الاجتماعية التي ينتمي اليها المتصوفة ، فقد كان معظمهم من الحرفيين والمزارعين والرعاة والمدرسين البسطاء .

2-              كثرة العبادة والتهجد ،فقد اعتاد متصوفة المغرب والاندلس على مجاهدة النفس  و التعبد ، فأبو عبد الله محمد بن علي" كان يقضي الليل يقرأ ويردد الاية ويبكي " . أ ما أبو زكريا يحيى بن محمد الجرطاوي من بلد هسكورة"فكان عبدا صالحا مجتهدا كثير البكاء والخوف من الله تعالى" .

3-              المسلك  التقشفي الذي عبر عنه إبن عريف بالترفع عن التلطخ بقاذورات الدنيا وأهلها. وكان طعام المتصوفة وثيابهم وسكانهم متواضعا، فكان أبو يعزى يأخذ أقراصا من دقيق البلوط ويجعل معها اوراق اللبلاب ، ويطحنها و يقتات منها .  وعلى العموم ، تشدد المتصوفة في مقاومة الشهوات البطن،  ولم يأكلوا الا ما يضمن لهم العيش .

 كما حرصوا على اكل الحلال من الأطعمة،  فقد رفض أحد الاولياء أكل طعام تبين له أنه من قوم لا يرتضى  مكسبهم . كما كانت بيوتهم متواضعة،  فقد وصف الشراب بيوت احدهم بانها لم تكن تحتوي سوى على حصير وسجادة ،  بينما اقام بعض المتصوفة في الكهوف أوالاشجار او الجبال .

4-              الثقافة الدينية ،إمتلك معظم المتصوفة رصيدا علميا مقبولا في عديد العلوم ،كان ابو مدين شعيب مقتنعا من خلال تجربته الصوفية أن الله لا يعبد الا بعلم ، وهو ما جعله يليح على ضرورة الاخد بكل أصناف العلوم ، وعلم التوحيد على الخصوص. وكان غالب بن عطية المحارم مبرزا في رياسته  العلم والدين. كما إعتبر بن الحطيئة اللخمي  رأسافي  القراءات السبع وجمع الروايات .

5-              الجانب الانساني ،يشكل هذا الجانب قاسما مشتركا بين جل الاتجاهات الصوفية ، يتجلى ذلك في قيم الرحمة والاحسان والايثار التي جعلوها مبدأ و غاية ،  حتى صارت منمكونات شخصيتهم ، فقد جبلوا  على مشاركة الفقراء احساسهم بمرارة  الفقر ، وبذل ما ملكت ايديهم بسخاء ، حتى أن الولي أبا  العباس السبتي جعل مبدأالصدقة والاحسان حجر الزاوية في فلسفته الصوفية . كما ان ابن قيسي باع كل   ما يملك وتصدق به على المعوزين وذوي الحاجات.


Modifié le: jeudi 10 novembre 2022, 20:21