علاقه المتصوفه بفقهاء العصر :

شهدت فترة العصر الوسيط في بلاد المغرب والاندلس سجالات  حادة بين المتصوفة والفقهاء،  ففي المغرب الاوسط ، وحسب الباحث الطاهر بوناني ،  تحول ذلك السجال الى الصعيد الفكري( الاكاديمي ) الصرف بدل فيه الطرفان جهدا من اجل الاقناع والافهام حول القضايا التي بقيت عالقة بين الطرفين، خصوصا بعد ان نجحت شريحة الفقهاء الصوفية والقضاة الصوفية والعلماء الصوفية في صياغة أطاريح صوفية مسنودة بأدلة شرعية ،  ووقع على ضوئها تسليم الفقهاء للصوفية في كثير من القضايا التي طالما اثارت التشنج والنفور بين الطرفين وأدت الى اقناع النخبة الكاتبة العاملة  مثل صنف الفقهاء،  مثل أبو مرزوق الخطيب و ابن قنفد  وابن خلدون  بهذه الأطاريح بوصفها تخدم مسارهم في المحافظة على تماسك الجماعة .

وهي تلك الاعمال التي انجزها الفقهاء الصوفية بتحويرهم لمنظومات فكرية وعقلية فلسفية في صورة عملية جراحية استهدفت فلسفة ابن رشد العقلية والفلسفية الإشراقية وفلسفة وحدة الوجود ، والوحدة المطلقة والخروج منها ، بما عرف بينهم بالتجلي الشهودي والعرفان الصوفي القائم على استشعار الحقيقة الإلهية والقول بالتنزية والتشبيه بالصحو والسكر والغيب والشهادة والفناء والبقاء والفرق والجمع ، مما أغلق باب النقد لدى الفقهاء ، وبالتالي انتفى الصراع بين الطرفين باختفاء أطروحة التصوف الفلسفي وحل محله التصوف العرفاني السني ، او ما اطلق عليه بعضهم إسم التصوف المعتدل .

وكان بعض الفقهاء والعباد اتخذوا على عاتقهم سد أبواب التصوف المنحرف ومريديه، مثلما حدث في احدى مساجد القيروان ، حيث اتفق الزهاد على ضرب موعد اسبوعي،  واختار يوم السبت لعقد حلقات الذكر والعلم ،  فسمي" مسجد السبت".قال الدباغ : يجتمع فيه الصلحاء والقراء والحفاظ ، فيكون فيه خير كثير كل يوم سبت من اول النهار الى الزوال. وقد تميز ابن خلدون بموقفه القائم على تحليل  ظاهرة التصوف  وانتهى الى انكار كل من اخذ بمنهج الفلاسفة في التصوف  ، وهاجم المتصوفة المتأخرين موضحا ان كل ما يتعارض مع مناهج الكتاب والسنة والائمة المهتدين ، من الصحابة والتابعين فهو مرفوض و مذموم .

اسهامات المتصوفة:

1- الاسهام الديني والتربوي :

حاول الصوفية في الفترة الممتدة بين القرن السادس والسابع الهجريين،  نقل المجتمع من مرحلة تطبيق احكام الفقه تطبيق الاحكام الى مرحلة اعلى،  تتمثل في ادراك معاني العبادة ، وفق نظرةمقاصدية أخلاقية موازيةلمقاصدية الفقهاء ذات النظرة الخلقية والمنهجية الأصولية ،  لذلك شكلت المبادئ الأخلاقية الأرضية ، التي انطلقت منها الصوفية في تأطير المجتمع ، وبما أن هذه المبادئ تنطلق من الزهد كأساس في تنظيم العلاقات بينهم وبين سائر  فئات المجتمع ، فقد غعتمد هؤلاء على عدة وسائل للنشر تعاليم الإسلام  كمجالس الذكر والعلم وتحفيظ القران والدعوة.  وكان الصوفية من اهل الفقه والحديث والتفسير كأبي عبد الله بن المجاهد وابي وكيل ميمون الوريكي، وأبي محمد الجليل القصري الذي ألففي الفقه كتاب "الأسئلة والأجوبة".فقد كانوا يعقدون مجالس للعلم  و للتذكير يلقون فيها المواعظ ويشرحون فيها كتب التصوف ، ومنهم من كان يشرح العلوم الشرعية كالتفسير بروح صوفية .

كم ساهم العديد منهم في بناء المساجد في المناطق النائية كالبوادي لتعليم الناس أمور دينهم ولنشر مبادئ الاسلام . هذا دون أن ننسى دور مواعظهم  ودروسهم التي كانوا يبثونها بين الناس بتلك المساجد،  فضلا عن مؤلفاتهم التي ساهمت في تنوير العقول وشرحهم للقضايا والمسائل الدينية ، وساهموا أيضا في ادخال بعض المسيحيين للإسلام ،  ولجأ الناس الى أبي مدين شعيب في كثير من المسائل الفقهية التي استعصت عليهم ، كما كان لهم دور في تعليم الناس الطهارة وحثهم عليها ، ودعوا الناس الى الصلاة ، وحريصوا ايضا على حماية أحباس المساجد التي كان يتعدى عليها .

 

2- موقف المتصوفة من مشاكل المجتمع

يورد الباحث الطاهر بونابي عن الادوار التي اداها المتصوفة داخل المجتمع ، أنهم -المتصوفة -وبسبب وجودهم في الوسط الاجتماعي والاقتصادي والسياسي كملاك زراعيين  و تجار حرفيين بين الفران و الحطاب و الخياط ،  قد جعلهم قريبين من العامة وما كانت تعنيه من فاقة فضلا عن تموقعهم

  في مناصب الافتاء والقضاء  ، وقربهم من دوائر السلطان قد أتاح لهم دور الشفعاء والوسطاء ،  ثم ان بعضهم قد جمع بين العمل اليدوي وتدريس العلم وتأليف فيه ، مما جعلهم أصحاب مكانة أدبية وصوت مسموع.

 وعلى كل،  فقد كان العمل على مساعدة الفقراء من  أولويات النشاط الاجتماعي للصوفية ، حيث جعل ابو زيد يعقوب بن علي في النصف الثاني من القرن الثامن  الهجري ، زاوية  للوارد يطعم فيه الطعام ،  حتى انه كان يؤثر الفقير الجائع على اهل بيته ،  ويبدو ان القرن التاسع الهجري ،  قد شهد اتساعا في ظاهرة الفقر والفقراء اكثر من ذي قبل يعكسه جهود محمد بن عمر الهواري في حث الاغنياء وأرباب الدنيا والتجار على اخراج زكاة اموالهم وتوزيعها على الفقراء،  فضلا على قيامه بصرف الصداقات والنذور  التي تصله في وقتها لعلمه بحاجة هؤلاء الفقراء اليها ، وعلى خطاه في حث الفقراء،  وتوزيع الصدقات  و النذور دأب كل من إبراهيم التازي وأحمد العماري والحسن أبركان ، ومحمد بن يوسف السنوسي.

 كما تفاعل الصلحاء والصوفية ايجابيا مع مجتمعهم أوقات الكوارث الطبيعية وقد اعطتنا كتب المناقب،  والتراجم صورا واضحة عن هذا الدور ،خصوصا أوقات الجفاف ، و حسبنا في ذلك ما ذكره الغبريني عن الولي ابي الحسن الحرالي، انه عندما اصاب الناس جفاف ببجاية دعا الله ان يمطره فاستجاب الله له امطره مطرا غزيرا واخذ يغسل ويشرب منه.

 وقد نزل المطر على اهل العباد بعد طول الجفاف ببركة الولي الذي نزل عندهم ، وهو الشيخ واضح الذي أشتهر امره في الشلف أوساط القرن السابع مع أصحابه الفضلاء وإمتلأت ابارهم  و سواقيهم وانتجعوا بمواشيهم فاعتزموا على رؤيته والتبرك به .

كما تمكن الصلحاء من تجاوز أزمة الجوع في اوقات المجاعات ،فقد  كان لوالد ابن مرزوق الحفيد مطامير من القمع والفحم والجوع و اللحم  المؤخر والمسمى "الخليع"  و الزيت ، و يتصدق بذلك أيام الثلج ، فلا يرجع الى بيته حتى يفرغ المطمورتين ، كما انه كان يتصدق بالخبز كل يوم  و بالثياب كل سنة.وتضيف الروايات اخرى  أن عم ابن مرزوق قد تصدق بكل غلات داره وقت ان كانت تلمسان في حالة من الضيق.

 وقد كان ولي محمد بن يوسف السنوسي يأمر اهله بالصدقة ، لاسيما اوقات الجوع ويقول:" من احب الجنة فليكثر من الصدقة خصوصا في ايام الغلاء".

بيد انهم لم يتمكنوا من إقامة المجتمع الذي نشدوه ، ويرجع السبب في نظرهم الى المال الذي رأوا انه سبب ما تعرضوا له الغرب الاسلامي من ازمات ، لذا  صبوا عليه كل سخطهم، ورحوا يصنفونه بالشياطين و الاوساخ و عززوا موقفهم برفضهم  لاكتسابه حتى ولو بطرق شرعية،  فعمدوا الى رفض حقوقهم من الميراث،  وتصدقوا بها على الفقراء،  وصورت كراماتهم في المقابل اموالا اخرى خاصة بهم عرفت بالدراهم الطيبة ، فابن سبعين كان يقص الورق على شكل دراهم ويقضي بها حوائجه ويقبلها منه التجار، ومثل هذه الكرامات ترمز الى ان المتصوفة يرزقون من مال الله الذي لا يفنى فيه وانهم اغنياء عن مال الدنيا المشوب بالحرام .


Last modified: Thursday, 10 November 2022, 8:23 PM