- الاسهام السياسي :

ظل موقف الصوفية من السلطة ورجالها محكوما باعتبارات مذهبية على ضوء ثنائية الاعتقاد والمعارضة، أي اعتقاد السلاطين في الصوفية ومعارضة الصوفية ومعارضة الصوفية للسلطة.و ظل تحركهم  السياسي مؤطرا بموقف أهل السنة والجماعة من السلطان ، أي الدعوة الى طاعته وعدم الخروج عليه وبالتالي لم ينافس السلطان في ملكه ولم يعلنوا الثورة عليه ، كما لم يسعوا الى اقامة نظام سياسي معين،  وبالتالي انزاحوا الى الاطلاع بما هو اجتماعي و بأدوار سياسية كلفوا به من طرف السلطة،  وهي القناعة التي انتشرت بين اتباع معظم الطرق الصوفية،  و انسجام ظهر بعض الصوفية والرجال السلطة ، فابن فنفذ القسنطيني ودعا الى وجوب طاعة السلطان وعدم الدعاء عليه ، وحرم ابن مرزوق الخطيب عصيان السلطان وعدم مخالفته .

لكن من ناحية أخرى تفيدونا النصوص التاريخية ان المتصوفة في العهد المرابطيتوترت  علاقتهم برجال السلطة ، ورفضوا التقارب معها.  فقد رفض ابن عريف عروض الأمير علي بن تاشفين و هباته.وفي الاتجاه نفسه نصح المتصوف ابو محمد عبد العزيز التونسي تلامذته بالابتعاد عن تقلد وظائف الدولة .

ولا تعوزنا النصوص التي تثبت التحدي بعض المتصوفة للأمراء المرابطين في شكل مباشر، فقد انتقد احدهم تميم بن يوسف ابن تاشفين علنا في جامع تلمسان عىامالاستسلفه من احباس هذا الجامع ،واستنكر ان يرده "من ماله الخبيث ".  وفي السياق نفسه كتب ابو يعزى الى وال جائر بضع كلمات يهدده فيها  ويعوده بالهلاك اذا لم تجد التوبة الى قلبه سبيلا.

لذلك بات بديهيا ان يتعرضوا للقمع والاضطهاد والملاحظة.  وحسبنا أن أبا الفضل بن النحوي طلب فخاف  على نفسه فإختفى في بستان له ،  وبقي بها الى أن أشرف على الموت من الشدة على نفسه ومنع من تدريس في مسجد من مساجد سجلماسة . كما تعرض ابو لقمان بن يعقوب الأسود  للضرب والتنكيل ،  وبالمثل أبعد أبو يعزى عن حومة البليدة بفاس بحجة ان اهل البدع يجتمعون لدي. يضاف الى ذلك ما قامت به السلطة المرابطية من مراقبة صارمة على كل من اشتبه في أمره من المتصوفة .فصارت تمتع وصول رسائل وخطابات اليهم أو تستدعيهم  لإختبار احوالهم . وفي هذا الصدد تجمع المصادر على استدعاء علي بن يوسف لإبن عريف الى مراكش  بتدبير من قاضي المرية أبي  الاسود الذي خوفه من حاله  ، فأرسل مقيدا نحو العاصمة قبل ان تبرأ ساحته وهو في سبتة.  لكنه تعرض لإغتيال شنيع عندما وصل الى مراكش من طرف قاضي ألمرية المذكور ، مما يعكس حدة  الصراع بين الفقهاء والمتصوفة .

ولم يقتصر اضطهاد السلطة المرابطية للمتصوفة على هذا الحد،  بل زجت بهم في السجون . ونذكر من بين الذين تم القاء القبض عليهم أبا الحسن علي بن حرزهم الذي سجن بفاس . كما تم سجن ابي عبد الله الأصم وابي عبد الله العقاء مع مجموعة من المريدين .وكذلك ابي عبد الله احمد  بن وشون .

وطالت عمليات الاعتقال كذلك محمد ابن الحسين المعروفبالميورتي  الذي يقول عنه إبنالأبار " إمتحن بالقبض عليه مع ابي الحكم إبن برجان  وابي العباس بن العريف " . وبالمثل تعرض كل من محمد ابن احمد نماره الحجري ومحمد ابن خلف اللخمي للسجن.  وقد صنف فهذا الاخير وهو رهن الاعتقال مجموعا في التصوف فرغ من تأليفه سنة 529 هجري .

ولتبرير قمعها ،حاولت السلطة المرابطية وضع الصوفية خارج الشرع عن طريق اتهامهم بالخروج عن السنة والقول بالتأويل .كما حاولت ضرب اتجاه الصوفي الغزالي بتفجيره داخليا عن طريق الإدعاء أن كتاب "الاحياء "يحتوي على مسائل منافية للسنة . و استعانت  في ذلك بالفقهاء الذين اتخذوا موقفا عدائيا اتجاه متصوفة ، واذا كانت العوامل المذهبية تظهر كأساس في الصراع بين الفقهاء والمتصوفة ، حيث اختص الفقهاء  بالفتيا  والأحكام العامة في العبادات والمعاملات،  في الوقت الذي تميز المتصوفة بالمجاهدة  والمحاسبة النفس والكلام في الاذواق ،  فإن ذلك لم يكن سوى غطاء للصراع الاجتماعي بين فيئة ثرية واخرى تدعو الى الزهد والتقشف.

الوظيفة الجهادية

 تعكس التجربة الصوفية في البلاد الغرب الاسلامي تلازم  الجهاد والتصوف،   إذ من الصعب التمييز بينهما في تاريخ التصوف السني المغربي ، و مما ساعد على تنامي الدور الجهادي  للصوفية ما تعرض له الغرب  الإسلامي على مدى مراحله التاريخية من ضروب التهديد الخارجي والتحديات التي فرضها التعنت الصليبي  ،  لذلك وجه الصوفية اهتمامهم للمقاومة والجهاد،  ولذلك اقيمت الرابطات والزوايا للعلم والجهاد  ، ومن ثم فان مزاولة الصوفية بين وظيفتي الجهاد و نشر  العلم أعطى  للربط والزوايا بالمغرب الاسلامي ذلك المعنى الفارق حيث صارت لفظتا الرباط و الزاوية تطلقان على معاني عده منها المعنى العسكري والتعبدي والعلمي في الادوار الجهادية للصوفية لم تكن تعترف بضيق الحدود السياسية بلطالما راهنة الصوفية المغاربة على وحدة الامة والجماعة ، فقد شكلت الاندلس مقصد الصوفية كعلي بن حمود المكناسي  دخل الى الاندلس بنية الغزو والرباط،  وابو محمد عبد الواحد الهسكوري الاسود استشهد في غزوة الأرك ضد النصارى.

 كما ساهم الصوفية الغرب الاسلامي في الحروب الصليبية ببلاد الشام الى جانب جيش صلاح الدين الايوبي لتحرير القدس كمساهمة ابي مدين شعيب.  ومما يزيد من اهميته الوظيفة الجهادية للصوفية  ،تدخل بعضهم لإعفاء من لم يقدر على اداء الخدمة العسكرية لظروف عائلية ، كما شكل فك الاسرى مظهرا اخر من مظاهر الدور الجهادي للصوفية ، خاصة و أن منهم من وقع في الأسر بفعل مشاركتهم الفعلية في الغزوات داخل المغرب وخارجها ، كإبراهيم بن عيسى بن ابي داود (ت 578 ه) .

-        الطريقة الصوفية التشكل والادوار :

جعل الغزالي من التصوف علما قائما بذاته ،فقد كتب فيه بإسهاب وعمق ، وحدد قواعده في دقة  منهجية ،  ووضع آدابه العملية في صورة مفصلة،  ولا نجد لهذا كله مثلا عند من تقدمه من الصوفية .يتصور الغزال الطريق الى الله عبر مراحل ،بدايته مجاهدة النفس ،ثم تترقى النفس  بالمجاهدة في مقامات هذا الطريق وأحواله لتصل في النهاية الى الفناء والتوحيد والمعرفة والسعادة .

وقد جعل الدين مكونا من اربعة اقسام رئيسية هي: العبادات والعادات والمهلكات والمنجيات .

ويبين اهمية معرفة  هذه الاقسام الأربعة لسلك الطريق الصوفي .

ويصف الغزالي رياضة النفس أخلاقيا بأنها ،طب القلوب  و هو مقدم عنده على طب الأبدان ،لأن امراض الابدان تؤدي فقط الى فوات هذه الحياة.  أما امراض القلوب فتفوت على الانسان حياة الابد وهذا النوع من طب القلوب واجب تعلمه على كل ذي لب ، اذ لا يخلو قلب من   القلوب  عن أسقام لو اهملت تراكمت وترادفت العلل وتظاهرت ،  فيحتاج العبد الى معرفة عللها  واسبابها ،  ثم الى تشمير وجدية  في علاجها واصلاحها ، فمعالجتها هو المراد بقوله الله تعالى :"قد أفلح من زكاها "و اهمالها هو المراد بقوله :"وقد خاب من  دساها ".

ويفصح الغزالي عن الوسائل العلمية للرياضة الصوفية ،فمنها ضروري التزام السالك بالأخذ عن الشيخ ،فيقول عن ذلك :"فكذلك المريد يحتاج الى شيخ واستاذ يقتدي به لا محالة ليهديه  الى سواء السبيل ،فان سبيل الدين غامض وسبل الشيطان كثيرة، فمن لم يكن له شخص يهديه قاده الشيطان الى طرقه وليتمسك بشيخه تمسك  الاعمى على شاطئ النهر" .

ويشير الغزالي على المريد السالك بالتزام الخلوة والصمت والجوع والسهر ،وهذا من اجل اصلاح قلبه ليشاهد به ربه  ،وفائدة الخلوة عنده ، تفريغ القلب من شواغل الدنيوية التي تشكل العقبات الرئيسية في الطريق ،  ليس سلوك الطريق الى قطع العقبات، ويشير الغزالي الى ان اصطناع الخلوة مردود الى الاعتزال النبي في غار حيراء . وأما الصمت فهو ايضا ذو فائدة لسالك من الناحية الروحية  ،لان الكلام يشغل القلب ، و شر  القلوب الى الكلام عظيم ، فالصمت كما يقول الغزالي ،ينقح  العقل ويجلب الورع ،ويعلم التقوى . ولكن الغزالي لا يعني بالصمت  الامتناع عن الكلام نهائيا وانما يعني عنده ان لا يتكلم المريد  الا بقدر الضرورة .

وقد تأثر صوفية الطرق فيما بعد بقواعد السلوك التي وضعها الغزالي في هذا الصدد ،خصوصا الشاذلية .وبهذا يكون اثر الغزالي فيمن  جاء بعده غير قاصر على نظريات التصوف ، وانما هو يتجاوزها الى آدابه العملية.

ومن الذين تأثروا بالغزالي في القرن السادس هجري ، و بنوا طرقهم الصوفية على اساس فكره،  القطب عبد القادر الجيلالنيمؤسس الطريقة القادرية،  والشيخ احمد بن علي الرفاعي الحسيني (ت 578 ه) صاحب الطريقة الرفاعية ، هو احمد بن علي البدوي (ت 675 ه) ،  ومؤسس الطريقة الأحمدية .والقطب ابو مدين شعيب الذي لقي الجيلاني بالحرم الشريف وأخذ عنه طريقه ولباس منه الخرقة ،  لذلك صارت الطريقة المدينية خلال القرنين السابع والثامن الهجريين ، واسطة  بين الطريقة القادرية وعدد من طرق التصوف بالمغرب الإسلامي ،  واهمها الشاذلية في القرن السابع الهجري نسبة  لمؤسسها ابي الحسن الشاذلي (ت 656 ه).

 ويورد الباحث  الطاهر بونابي ان هؤلاء الاقطاب تمكنوا حتى نهاية القرن السابع من صياغة مفهوم جديد للفكر الصوفي الطرقي وذلك بتبسيط ما جاء به الغزالي وتقديمه للمريد في قالب عقائدي واخلاقي وتربوي ،  يقوم بنسبة  لمبادئ العقيدة على الالتزام بالقران والسنة والرضا بالقضاء والقدر وتجريد التوحيد حتى لا يبقى حجاب بين العابد والمعبود ،  وبالتحلي بالصفات الحميدة على المستوى الاخلاقي خصوصا الصدق وكسب الحلال ،  وحسن العشرة والترك الاسفاف والخصومة والتعاون على امر الدين والدنيا والالتزام مبادئ التربية الصوفية وفيما يتعلق بالأوراد والاذكار المخصصة للمريدين.  وكذلك فيما يخص ترتيبات الانتساب للطريقة والتي تتم عادة بين الشيخ والمرشح لصفةالمريد . وقد اتخذت كل طريقه الراية المناسبة لها من حيث الشكل واللون وشكل السبحة والطقوس الاجتماع للذكر والسماع وغيرهما .ويعزى تركيز اصحاب هذه الطرق على المضامين الأخلاقية الى ما اعترىالتصوف من دعوات سلبيه اكثرها تلك التي نجت به سبيل التوكل السلبي وتحريفه عن مقاصده الروحية وفي القرن السابع الهجري نجح ابو الحسن الشاذلي بمصر بتشكيل طريقهة هي حصيلة التجارب العلمية والفكرية لأساطين الطرق الصوفية من عصر الجنيد الى السهر والرودي. اضاف لها رصيده من التصوف المغربي الذي تلقاه عن شيخه عبد السلام بن مشيشت  624 ه)  في رابطه بجبل الغمارة من سبته ، وصهارها في بوتقة واحدة  جعله من مجدد في عصره في ميدان التصوف السني خصوصا  ن وانه راع في ظروف عصريه وما تميزت به الحياه الصوفية من بلوغ التصوف الفلسفي  ذروة ازدهاره الفكري والتجريدي على يد اقطاب وحده الوجود والوحدة المطلقة والاتحاد، يتصدرهم عمر بن الفارق(ت  632  ه) وجلال الدين الرومي(ت 672 ه)

 

ومحي الدين بن عربي (ت638 ه) وعبد الله الحق بن السبعين(ت 667ه) وكانت افكار هؤلاء الاساطير تتعارض مع مشروع الشاذلي الرامي الى نشر التصوف العلمي بين سائر طبقات المجتمع في قالب و يتوافق مع متطلبات الحياة .

خطاب الكرامة في النص الصوفي:

 تجمع الكرامة الصوفية كظاهرة وبدنيه حدسية بين مظهرين يكونان متناقضين:  الاول ، وتظهر فيه كروايات يبدو فيها العقل واهيا او منعدما في كثير  من الاحيان  ، وبالتالي لا مجال فيها للعقلية المنطقية والثاني ،  تبدو غير منفصلة  عن الواقع ومرتبطة بأحداث التاريخ و ظواهره المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ،  اي بشروط تاريخية  سمحت بقراءتها على بساط الاوضاع العامة من زاويه الخلفيات والابعاد المنتجة لها .

 وتشكلت الكرامة حضورا بارزا على مستوى ذهنية  الفرد والمجتمع من حيث الايمان بها والخوارق والبركة كعناصر فاعلة في مجمل القضايا التي كانت تعترض الفرد والمجتمع وتكرس الايمان بالكرامة  لدى قطاع واسع من الفقهاء والعلماء .

 إن عجز السلطة في البلاد المغرب الاوسط خلال فترة  القرنين الثامن والتاسع الهجريين  مثلا ،  كان احد ابرز الدوافع التي ادت الى بروز الكرامة وانتشارها كوسيلةلمعالجة مختلف المسائل الاجتماعية العويصة ثم ان ذلك اقترن ايضا بإفرازات المنظومة الشاذلية خصوصا ما ورد في كتاب  "لطائف المنن" لابن عطا الله السكندري حيث قسم فيه الكرامة الى قسمين : كرامات حسية  وتشمل على الارض والمشي على الماء والطيران في الهواء والاطلاع على احداث خلت واحداث لم تقع ، وتكثير الطعام والشراب والاتيان بثمار في غير موسمها وتفجير ينابيع الماء من غير حفر وتسخير الحيوان واجابةالدعوىباتيان المطر في غير وقته وكرامات معنوية: وتتمثل في المعرفة بالله والخشية له ودوام المراقبة ورسوخ اليقين ودوام المتابعة وصدق التوكل والمسار الاوامر والنواهي ويورد الملالي في "المواهب القدسية" أن كل ما صح معجزة  لنبي ،  جاز ان يكون كرامة لولي "  لذلك تكرس قبولها كظاهره تدل على صدق العبادة .

فهذا ابن قنفذ القسطيني اقري بحدوثها  في القرن الثامن هجري واعتبرها دليلا على صدق العبادة،  وذهب الى القول بانها لا تنقطع بموت صاحبها ، و حذر  بان  لا يستدل على الولاية بحدوثها لاحتمال ان تكون من الشيطان ،  وانما يجب ان تستبدل على الكرامةبصدق الولاية  ، ومن هنا اشترط على الصوفي ، ان يتبع ما امر به الله نبيه صلى الله عليه وسلم،  وفي رأيه كذلك ان الكرامة إذا كانت  المواصفات خلانكرها معاند محروم سيء الاعتقاد كثير الانتقاد. وقد ذهب بعض العلماء الذين هم أئمةوحجة عند الصوفية الى ان المعجزات دلالات صدق الأنبياء،  ودليل النبوة لا يوجد مع غير النبي ، والى ان الاولياء لهم كرامات شبه اجابة الدعوة وذهب بعضهم ان الفرق بين المعجزات والكرامات ان الانبياء عليهم السلام مأمرون بإظهارها ، والولي يجب عليه سترها واخفاؤها.

 

 

 

مراجع أخرى :

1-              ملياني زينب : دور المتصوفة في مجتمع الغرب الإسلامي ، مجلة الباحث في العلوم الإنسانية و الاجتماعية ، العدد 35 / سبتمبر 2018.

2-              مزدور سمية ك مجاعات و الأوبئة في المغرب الأوسط ، 588. 927 ه / 1192-1520 م ، مذكرة ماجستير ن جامعة قسنطينة ،2008/2009 .

 

 


آخر تعديل: الخميس، 10 نوفمبر 2022، 8:25 PM