أ-الفقه والحديث: على الرغم من العدد الكبير للمذاهب الفقهية في بلاد المشرق، إلا أن الفقهاء المغاربة إشتهر فيهم الأخد عن مالك بن أنس في الفقه ويفيدنا القاضي عياض أن اثنا عشر من طلاب العلم من المغرب والأندلس أخدوا عن مالك فلما عادوا إلى القيروان بثوا علمهم بين الناس، وما يزال المذهب يتسع وينتشر إلى أن جاء سحنون، فغلب في أيامه وفض الحلقات التي كان يعقدها أفضل المذاهب الأخرى.

واستقر المذهب بعده في اتباعه، فشاع في تلك الربوع وهؤلاء وإن كانوا كلهم عملوا على نشر المذهب المالكي في تونس خاصة إلا أن علي بن زياد كان اسبقهم وأكثر من غيره، فقد كان أول من أدخل موطأ مالك وفسر لهم قول مالك ولم يكونوا يعرفونه، وأصبح معلما لعدد من مشاهير فقهاء المغرب ومع ذلك فإنه لم يدخل الموطأ وحده، وإنما درس أيضا جامع سفيان الثوري.

بعد ذلك جاء سفيان الثوري ليوازن في الاعتماد على الامامين ويحمل رأيهما في كل قضية، أخد الموطأ عن مالك، وحمله إلى العراق حيث رواه عنه أحد كبار تلامذة أبي صبغة، وقد لقي اثنين منهم، وهما أبو يوسف ومحمد بن الحسن، وارتبط بصداقة مع الاخير، تم حمل مسائل جماعة أبي حنيفة، وعرضها على أبي القاسم تلميذ مالك بمصر فأجابه بهذا بالحكم فيها، إما نقلا ثابتا عن مالك وإما ما يضن أنه سمعه عنه، وإماما يضن أنه سمعه عنه، أو ما يعتقد أنه حكمه في قضية مشابهة، وما لم يجد له أصلا عند مالك، قال به باجتهاده على أصل قول مالك.

سجل أسد بن الفرات، كل هذا في سنتين كتابا سميته (الاسدية) فعلا مقامه بها واشتهرت في المغرب، لكن المالكية خطت خطوة إلى الامام بتدوين احكام أئمتها في كتاب خاص على يد سحنون بن سعيد، الذي حمل (الأسدية) لابن القاسم في مصر، فأسقط منها ما شك فيه، ونفذها سحنون وبوبها وألحق فيها ما أختار ذكره مما اختلف عليه كبار أصحاب مالك، فدعيت "المدونة" وتسمى المختلطة فالمدونة الموجودة بين ايدينا هي ثمرة مجهود ثلاثة من الأئمة: مالك بإجابته، وابن القاسم يقياساته وزيادته، وسحنون بتنسيقه وتهذيبه وتبيوبه وبعض إضافاته. 

 


Modifié le: samedi 12 novembre 2022, 19:01