الأدب:

 وحيث أن الأدب المشرقي خضع للصنعة بأشكال مختلفة، فقد أصبح من سمات الأدب الناجح أن يجمع بين دقة الذوق وروعة الإبداع،  وربما أضاف إلى ذلك القدرة على النقد والتقويم، إذا لم يتخصص في ذلك،  ومن ثم وجب أن يدرس البلاغة والبيان والبديع.

 ويذكر ابن خلدون فيما يخص المغاربة، أنهم ركّزوا اهتمامهم على  البديع من توظيفهم له في الشعر خاصة، لأن علم البديع سهل المأخذ كما قال،  واستعملوه لتزيين الألفاظ،  بينما صعبت عليهم مآخذ البلاغة والبيان لدقة أنظارها وغموض معانيهما، فتجافوا عنهما.

لكن الواقع على ذلك كان النقيض، حسب بعض الدراسات التاريخية المعاصرة،  فالمغاربة أقبلوا بشكل مدهش على دراسة" الكتاب" لسيبويه، وهو أصعب بكثير من أيّ كتاب بلاغة أو بيان،  وعلوم الأصول والمنطق والفرائض والرياضيات، أبدع فيها المغاربة مع كونها معقّدة أو مجهدة للفكر أكثر مما هو الشأن في مواد كالاستعارة والمسند، والمسند إليه.

وفي كل حال فعصر ابن خلدون بالذات،  يمثل أرقى ما وصلت إليه الكتابة الأدبية في بلاد الغرب الإسلامي من حيث الصنعة واللجوء إلى الأساليب البلاغية. ثم إنّ البلاغة ومكمّلاتها لم تقف على أقدامها من حيث التقعيد واكتماله إلاّ مع القرن السابع ثم الثامن. ولذلك نجد المغاربة يُقبلون على دراستها وحتى الإنتاج فيها، إلى جانب اهتمامهم بالعروض أيضا، وهذا منذ عنايتهم  بالبديع منذ وقت  مبكر.

 وعموما فإنّ أهم الكتب التي كانت تدرّس في النحو واللغة حتى القرن الخامس الهجري مصدرها المشرق كالإيضاح لأبي علي الفارسي،  والخصائص لابن جنّي،  والجمل لعبد الرحمن الزجاجي. كما أن كثيرا من الكتب المشرقية واصلت تأثيرها بعد ذلك في حلقات الدروس المغربية،  كما تدل على ذلك كتب الفهارس والبرامج والرحلات والتراجم.

 وشهدت الأندلس الكثير من الأدباء القادمين من الشام والمشرق،  وكان الأمير محمد بن عبد الرحمن بن الحكم (ت238ه) شغوفا بالبيان مؤثراً لأهل الأدب،  وقد قرّب إليه الأدباء والشعراء،  ومنهم أدباء الشام،  وكان أبو اليسر، الشاعر المعروف بالرياضي، قد وصل من الشام وأقام فترة في بلاط ابن الحكم الذي أكرمه. ثم توجه الرياضي بعد ذلك إلى مصر ناقلا معه أيضا ملامح من الحضارة الإسلامية،  وقد شهدت الفترة وفود جماعات من العلماء من الشّام إلى الأندلس لنشر العلم والدّين،  كما ذهب الأندلسيون إلى المشرق للتعلّم والتزوّد.

التأثيرات الدينية والعلمية المصرية في البلاد الغرب الإسلامي

 فيما يخص بالناحية الدينية والفقهية، فقد ساد في مصر المذهب المالكي بعد أن انتقل من المدينة والعراق، والبعض من الفقهاء نقله معه إلى المغرب والأندلس. بالرغم من أن الإمام  الليث بن سعد المتوفى سنة 175ه كان مصريا من بلدة قلقشيدة. من أعمال القليوبية، وكان يعيش في مصر، غير أن المصريين فضّلوا "مالك" عليه، غير أن المغاربة والأندلسيين  الذين درسوا في مصر على يد الليث بن سعد، قد نقلوا مذهبهم إلى الأندلس، حيث ظلّت بعض تعاليمه وأحكامه معمولا بها إلى جانب المذهب المالكي، حتى أواخر الحكم الإسلامي في الأندلس. كما انتقل إلى الأندلس أيضا مذهب الإمام الشافعي بواسطة الفقيه بقي بن مخلد في عهد عبد الرحمن الثاني.

ولكن لم يقدر له الانتشار كثيرا بسبب معارضة المالكية وبعض الأمراء لأحكامه.

غير أن  التأثير  الجدير بالذكر هو ذلك المتعلق بالتكوين العلمي الذي تلقاه المغاربة في الديار المصرية، خاصة في الحواضر العلمية كالقاهرة والإسكندريه، والمدارس العلمية الكبيرة التي اشتهرت بها مصر. وتقدم لنا المصادر التاريخية جوانب مضيئة في هذا المجال، ومن أبرز أعلام الغرب الإسلامي الذين استفادوا من علمه هناك نذكر على سبيل المثال لا الحصر:

·   الرحالة المغربي البلوي، أقام بمصر أثناء رحلته المشهورة، وسجّل لنا المدارس والمعابد والمساجد ودور العلم المشهورة التي زارها واستفاد من  علمائها علما وتكوينا و إجازة.

·   محمد بن أحمد بن مفرّج، المولود سنة 305ه، رحل إلى المشرق سنة 337ه، تكونت شخصيته العلمية من خلال الشيوخ الذين اتصل بهم، واستفاد منهم، وأجازوه في مكة والمدينة وبلاد الشام،  ودخل بعد ذلك مصر  أثناء  رجوعه إلى بلاد الأندلس، فسمع بالإسكندرية من أبي  القاسم العلاف وأبي العباس العطار وغيرهما،  وعدّد الشيوخ الذين لقيهم ابن مفرّج، روى عنهم في جميع الأمصار التي دخلها، مع من كتب عنه بالأندلس مائتا شيخ.  وكان حافظا للحديث، عالما به، بصيرا بالرجال، صحيح النقل، سمع منه الناس كثيرا، وكوّن تلاميذ كثر من شتّى أصناف العلوم، خاصة علم الحديث، توفي سنة 380ه.


آخر تعديل: السبت، 12 نوفمبر 2022، 7:08 PM