الحواضر الإسلامية ودورها في الإشعاع العلمي
الحواضر الإسلامية ودورها في الإشعاع العلمي
تنتسب مدينة بجاية - حسب ما يذكر ابن خلدون - إلى قبيلة " بقاية"، وهي فرع من صنهاجة. وتتّفق معظم النصوص الواردة في كتب الجغرافيا والرحلات أن الفينيقيين أسسوا المدينة وأطلقوا عليها اسم صلدة salada، ثم إلى صلداي saldae عندما دخلت في حوزة النفوذ الروماني في حدود سنة 104 ق.م.
وعلى العهد الإسلامي، يورد لنا صاحب كتاب " الاستبصار" أنها مدينة عظمى على ضفة البحر، وهي محدثة من بناء ملوك صنهاجة أصحاب قلعة أبي طويل وتعرف بقلعه حماد. كما أورد البكري حولها إشارات مقتضبة بأنها مدينة أزلية عامرة بأهل الأندلس، ولها مرسى مأمون.
وتتّفق عديد المصادر أن اختطاط المدينة الإسلامية كان سنة 460 هـ ــ على يد الناصر بن علنّاس، ثم انتقل إليها وسمّاها الناصرية، وأقام بها من أسباب الحضارة ما لم يُر مثله شرقا وغربا، فأسّس المدارس والمعاهد العلمية، وأمر أن توزّع المنح على العباقرة والمبرزين في كل فن، فازدحم على تلك المعاهد العلماء والحكماء والأطباء والشعراء، وأهل الفنون الرياضية والهندسية. وأمّ بجاية الكثير من علماء الأندلس والشام ومصر والحجاز والعراق، والعجم.
دور مدينة بجاية في التواصل الثقافي بين المشرق والغرب الإسلامي
فكان يأوي إليها المشتغلون بعلوم الأوائل وأصحاب المذاهب الصوفية والعقول المستقلة، يجدون فيها متعة الإقامة وراحة العقل وطمأنينة القلب، مما يتيح لهم أن يتأملوا وأن يؤلفوا، و أن ينجوا من سطوة بعض الجائرين من السلاطين، وزادها أهمية أنها مرسى وثغر يمر به الحجاج وطلاب العلم، الذين يقصدون إلى المشرق ويقيمون بها، يأخذون عن علمائها، فتتلاقح في مواطنها العقول المختلفة.
استقطبت مدينة بجاية العالم الصّوفي الكبير أبا مدين الغوث، التي استوطن بجاية وفضّلها على الكثير من المدن، فاشتهر أمره فيها، بما كان يعقده من مجالس مؤثرة، فأخذ الناس يقصدونه إليه وفودا من مختلف الآفاق، ترك فيها تلاميذ كثر أبرزهم: أبو يوسف الدّهماني (ت 621 هـ)، أبو سعيد الباجي (ت 628 هـ )، وأبو علي النفطي (ت 610هـــ)، وكان على رأس هؤلاء الزائرين أبو محمد عبد العزيز بن أبي بكر، صاحب الخلوة الصّوفية في قصر المنستير، وكان شاعرا جرت بينه وبين أبي مدين مراسلات.
وهناك علماء آخرون استقطبتهم بجاية، وبثّوا العلم بها، منهم: عبد الحق الإشبيلي المعروف بابن الخراط البجائي، ولد سنة 510 هـ، استوطن بجاية عند الفتنة الواقعة بالأندلس عند انقراض الدولة المرابطية، فنشر بها علمه وصنف ولي الخطابة والصلاة بجامعها، وكان فقيها حافظا عالما بالحديث وعلله، عارفا بالرجال، موصوفا بالخير والصّلاح و الزّهد والورع، صنّف العديد من المؤلّفات في الفقه والحديث والرّقائق وغيرها من المصنّفات التي مسّت مختلف الفنون والعلوم.
وخلال القرن 6هـ ـــ بذلت مجهودات كبيرة في مجال الطّب العلمي والطّب التطبيقي، واستقبلت بجاية عشرات الأطباء الأندلسيين الذين ساهموا في تطوير الطّب العلمي ونشره، فقد كانت جبال بجاية مجالا الاستنبات النباتات الطّبيعية التي كانت تستغلّ في التجارب المعالجة.
وكان بين شيوخ الطب والباحثين فيه ببجاية، ابن أندراس أحمد بن محمد الأموي (ت 674هـــ)، كما أشعّ أبو علي حسن بن محمد المسيلي بعلومه في بجاية، ولقب بأبي حامد الغزالي الصغير، له كتاب في علم التذكير سمّاه " التفكّر فيما تشتمل عليه السور والآيات في المبادئ والغايات"، دلّ كلامه على إحاطته بعلم المعقول والمنقول، وعلم الظاهر والباطن.
لقد كانت بجاية بحق خلال العصر الإسلامي حاضرة علمية وثقافية كبيرة أسهمت بقسط كبير في الإشعاع العلمي للغرب الإسلامي ومنطقة البحر الأبيض المتوسط (: البحر الرومي) واستقطبت من العلماء والمفكرين المسلمين وغير المسلمين الأعداد الكبيرة.