تاهرت

تعتبر تاهرت من المدن البارزة في بلاد الغرب الإسلامي، فقد كانت حاضرة علمية هامة، تركت آثارها وبصماتها الواضحة في حقل الثقافة والعلوم المختلفة. وقد سجلت كتب التاريخ والرحالة والجغرافيين هذا الدور الحضاري البارز للمدينة.

لم تكن تاهرت في البداية سوى معسكراً للقبائل البربرية، المعتنقة للمذهب الإباضي، غير أن عبدالرحمن بن رستم، مؤسس الدولة الرستمية ( 160- 269هـــ/ 777-909م)، نجح في جمع تلك القبائل، وقام ببناء مدينة تاهرت التاريخية المعروفة، اتخذها الإباضية عاصمة لهم، وهي على منحدر يشرف على علوٍ قدره ألف متر على سبسب للمرعى، وفيه ينتجع الرحل في فصل الصيف، ويبدّلون محصول ماشيتهم بحبوب التل.

عرفت تاهرت على العهد الرستمي رخاءً اقتصاديا واستقراراً سياسيا وعافية في أحوالها الأمنية، رافقته نهضة علمية وفكرية كبيرة، سجّلتها لنا كتب التاريخ، خاصة كتب التراجم والطبقات والرحلات.

وقد توافد الخوارج من مصر والعراق والجزيرة العربية وفارس على تاهرت، التي أصبحت مركز إشعاع قوي لجميع الخوارج. وكانت تاهرت تحتضن فرقا أخرى للصفرية والمعتزلة، على مقربة من تاهرت. يبلغ عددهم ثلاثة ألاف، كانت هذه الفرق والمذاهب تتمتّع بحرية الفكر. فكان لكل منها مسجدها وعلماؤها وحلقات دروسها، وقد فتح الرستميون المجال واسعا أمام حرية الفكر، فلم يضايقوا أحداً ولا طردوا مخالفا، بل إن من أتى إلى حلقات الإباضية إلى حلقات غيرهم كان يجد سعة الصدر في النفس.

ويورد الشمّاخي أن العالم أبا تميم درج على عادة تتمثل في جمع علماء الفرق يتناظرون بين يديه، خاصة المعتزلة، حيث أثاروا العديد من النقاشات المتعلّقة بأسماء الله.

كما أن أمراء بني رستم شملوا الثقافة الدينية والأدبية برعايتهم، حتى نهضت نهضة عامة في تاهرت ونواحيها. فكان كل هؤلاء الأئمة رجال علم وأدب وعلماء دين ورؤساء مذهب، يتطلب منهم كل هذا أن تكون لديهم ثقافة متينة، وأن يكونوا على أهبة للدفاع عن آرائهم. فالغلبة في هذه المناظرات والمناقشات لمن كان أكثرهم ثقافة وأرجحهم عقلا.

فقد كان الإمام أفلح بن عبد الوهاب (208-258 ه/ 823-871م) مشغوفا بنشر العلم، حيث كان يجلس إلى أربع حلقات، وهو لا يزال صغيرا، وكان يحرص على القراءة وتلقّي العلم، ويقول لأتباعه عليكم بقراءة كتب المسلمين. وزيادة على ذلك كان الأمراء الرستميون يعقدون مجالس للعلم والتعليم، يعلّمون الناس ويلقون عليهم في المساجد دروساً في التفسير والحديث والفقه وعلم الكلام والأدب والعلوم الرياضية والتنجيم. كما تركّزت الحياة الفكرية على لون آخر من فنون الآداب، وهو كتابة السير، وخاصة المتعلقة بالعلماء وأشياخ المذهب والحكام (: الأئمة). وكانوا يجتهدون في نقل كل ما يصدر من كتب ذات شأن في بلاد المشرق الإسلامي، وخصوصا في بلاد عمان، حتى أن الإمام عبدالوهاب بن عبد الرحمان الرستمي (171-208ه/787-823م) ابتاع من البصرة في دفعة واحدة حمل أربعين بعيراً من الكتب، وهي الأحمال التي نقدّرها بالوزن العصري بما لا يقل عن عشرة أطنان من الكتب، ابتيعت من البصرة في مجرد دفعة واحدة. ولقد أودعت هذه الكتب وسواها قبلها أو بعدها، في أول مكتبة عمومية أسّست في تاهرت، وهي المكتبة التي أطلق عليها "المعصومة". كما ابتكر الأمراء الرستميون نظام التعليم المتنقل بالبوادي ليستفيد منه الرّحل ومربّو المواشي وأبنائهم، فكانوا يُخصّصون خيمة تقوم مقام مدرسة، وأخرى للصلاة، ويتبعهم هذا الجهاز كلّما حلّوا بجهة أخرى.

كان لرعاية الأئمة الرستميين، وحبّهم للعلم أثره الواضح في نشر الثقافة والعلوم في إمارتهم، إذ تشير كتب الطبقات والتراجم إلى عددٍ غير قليل من علماء الإباضية الذين أسهموا في تأكيد وتثبيت القاعدة الثقافية داخل الإمارة الرستمية، وبخاصة في تاهرت، ومن هؤلاء وأشهرهم:

§       الشيخ المهدي النفوسي.

§       عمروس بن فتح.

§       أبو الحسن بن علي التاهرتي.

إن تلك النهضة العلمية والثقافية والحضارية التي عرفتها تاهرت كان وراءها حكام الدولة الرستمية التي كانت تنافس الدولة العباسية، فصمّم الأئمة على أن لا تكون دولتهم متخلفة، ولاسيما في الميدان الثقافي، فأخذوا بتلابيب العلم، وأرسلوا البعثات إلى المشرق، فيرجعون مزوّدين بالعلوم وبأنفس الكتب العربية والفارسية. وكانت العائلة الرستمية تعرف اللغة الفارسية وتحافظ عليها، إنها لغة أجدادهم، ولغة العلم والحضارة القديمة. وكان لهم مترجمون يحسنون الفارسية يترجمون تلك الكتب.


Modifié le: samedi 12 novembre 2022, 19:15