دمشق

كانت دمشق عاصمة أكبر إمبراطورية، امتدت من الأطلسي حتى الصين، ومنها انبثقت حركة التعريب التي امتدت على طول البلاد العربية، لقد اتخذها معاوية بن أبي سفيان (41-60 ه/661-680م) حاضرة لخلافته.

وعلى مر تاريخ دمشق في العهد الإسلامي، لعب قسم كبير من رجال السلطة والحكم دوراً بارزاً في تشجيع العلماء والأدباء ورجال الفكر، فالأيوبيون (567-648ه/1171-1250م)، لم تنحصر شهرتهم في الدفاع عن البلاد الإسلامية وتوحيدها وتحرير ما اغتصب منها فقط، بل كانت شهرتهم أكثر فأكثر اهتمامهم بالعلم والعلماء. لقد عمل الأيوبيون في دمشق على تنشيط العلم، وعززوا مكانته في البلاد قاطبة، حتى لم يكن يضاهيهم في عصرهم في هذه الناحية أحد، وقد بذلوا للعلماء ثمن عملهم بكرم وسخاء، وشيّدوا لهم المدارس والمعاهد، فوفد العلماء من كل قطر وناحية إلى هذه البلاد التي راجت فيها بضاعتهم.

وتطرق العالم الرحالة الأندلسي ابن جبير إلى الأوقاف الكثيرة التي حبّست على مدارس العلم والعلماء والمتصوفة، فقد لاحظ أن الرواتب تجري عليهم دون حاجتهم إلى امتهان حرف أخرى.

الحياة العلمية في دمشق الإسلامية

شهدت دمشق فترة ازدهار علمي وحضاري كبيرين، جعلها مركز إشعاع هام، أثر في الكثير من أرجاء العالم الإسلامي والعالم أجمع وقتذاك.

أنجبت المدينة واستقطبت الكثير من العلماء النوابغ، وعديد طلبة العلم من كافة الأصقاع، منهم:

§   الوليد بن مسلم الدمشقي القرشي (ت 194هـــ)، كان عالم دمشق بدون منازع، صنف التصانيف والتواريخ، روى عن الإمام الأوزاعي وتأثر به، كان بارعا في حفظ المغازي، روى عنه كثيرون أبرزهم أحمد بن حنبل، وابن راهويه وابن المديني.

§   أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغسّاني الدمشقي، كان إمام أهل الشام في الحفظ والإتقان، وإليه كان مرجع أهل الشام في الجرح والتعديل لشيوخهم.

أصبحت دمشق منطلقا لتكوين أبرز علماء الحديث المعروفين، فقد استقطبت العالم ابن ماجة، سمع بالشام والعراق وخراسان. كان ثقة متقنا، متحجّا به له معرفة كبيرة بالحديث. حفظ مصنفات في السنن والتفسير والتاريخ توفي سنة 238 هـــ.

وقد أنجبت دمشق حافظا كبيرا، ترك آثاراً لا تمحى في هذا العلم، وهو ابن عساكر أبو القاسم، ولد سنة 527هـــ، كان محدّث الشام في وقته، ومن أعيان الفقهاء الشافعية، غلب عليه الحديث فاشتهر به، وبالغ في طلبه، وجمع بين معرفة المتون والأسانيد.

سمع ببغداد في سنة 520هـــ من كبار علمائها، ثم رجع إلى دمشق، ثم رحل إلى خراسان ودخل نيسابور وصنّف التصانيف. منها تاريخ دمشق الكبير توفي الحافظ ابن عساكر الدمشقي سنة 571هـــ، وحضر الصلاة عليه السلطان صلاح الدين الأيوبي.

أمّا في حقل التفسير، فقد ازدهر هذا العلم بفضل جهود العلماء، سواء أولئك الذين أنجبتهم دمشق، أو الذين وفدوا عليها. ويبرز في هذا المجال المفسّر الدمشقي ابن الحسباني، المولود سنة 749هــ، مفسّر مؤرخ حافظ للحديث، ولد بدمشق وبها نشأ وتعلّم، ثم رحل إلى مصر وأخذ عن جماعة من العلماء، وعاد ودرّس بالعديد من مدارس دمشق، كانت له حلقة بالجامع الأموي وغيره. من كتبه " جامع التفاسير".

ومن علماء الغرب الإسلامي الذين استقطبتهم دمشق وكان لهم إشعاع كبير نذكر:

محمد بن جابر الوادي آشي:

ابن محمد بن قاسم، الوادي آشي الأصل، التونسي المولد والنشأة. كان كثير الرحلة والأسفار للبلاد المشرقية والمغربية، واستكثر من الرواية، ونقّب عن المشايخ وقيّد الكثير، حتى أصبح جمّاعة المغرب وراوية الوقت، رحل إلى المشرق، ورحل إلى الحجاز مرتين، وجاور بالحرمين، وحدّث بهما، وسمع وأسمع.

رحل الوادي آشي مرتين إلى المشرق، ولذلك لقّب بصاحب الرحلتين، المرة الأولى في حدود سنة 720هـــ، والثانية في حدود سنة 734هــ، وفي المرتين اعتنى عناية فائقة بالسّماع والرواية عن أعلام القرن الثامن من الإسكندرية والقاهرة والخليل والقدس ودمشق ومكة والمدينة.

ففي القاهرة التقى بالمحدّث المؤرخ قطب الدين عبد الكريم الحلبي، وبالمحدث المفسّر المقرئ اللغوي الأديب، ابن حيان الأندلسي محمد بن يوسف وبغيرهما. وبعد رجوعه من المشرق في المرّة الثانية دخل المغرب الأوسط والمغرب الأقصى والأندلس.

أقام بدمشق، وكانت في القرن الثامن من العواصم العلمية المرموقة فيها طائفة من مشاهير الأعلام ذوي المنزلة الممتازة والشهرة الواسعة، ناهيك بالحفّاظ والمؤرخين الثلاثة، أبي القاسم محمد البرزالي، والذهبي، والمزّي.

ويبدوا أن رحلته الثانية حاز شهرة، وأصبح معروفا في الأوساط العلمية شرقا وغربا بسعة الرواية، وعلو الأسانيد، فتسابق الكثيرون لسماع القرآن والحديث منه، ثم استجازته فيما تلقّوه عنه.

عيسى بن مسعود الزواوي المنجلاتي:

ولد سنة 664هـــ. كان فقيها عالما متفننا في العلوم، تفقّه ببجاية على أبي يوسف يعقوب الزواوي، قدم الإسكندرية وتفقّه بها، ثم رحل إلى قابس فأقام بها مدّة، وولي القضاء بها، ثم رحل إلى ثغر الإسكندرية، فأقام بها مدّة يسيرة، ثم رحل إلى القاهرة، فأقام بها يلقي الدروس في العلوم بالجامع الأزهر.

وكانت له اليد الطولى في علم الفقه والأصول والعربية والفرائض، وكان يحكى أنه حفظ مختصر ابن الحاجب في الفروع في مدّة ثلاثة أشهر ونصف، وحفظ موطأ مالك بن أنس وعرضه، ويذكر ابن حجر، أن عيسى بن مسعود المنجلاتي دخل دمشق سنة 707هــ. ودرّس الفقه بالجامع الأموي، ويبدو من العبارة التي أوردها ابن فرحون حول المنجلاتي " انتهت إليه رياسة الفتوى في مذهب مالك بالديار المصرية والشامية"، أن الرجل شاعت فضائله ببلاد الشام كله، لاسيما بعد أن انتهت إليه رياسة الجامع الأموي في تدريس الفقه المالكي، مع العلم أن هذا الصرح العلمي لا يتصدّر لتقديم حلقات الدرس به إلاّ لعلماء من ذوي الكفاءة العلمية الكبيرة والمقدرة الفكرية البارزة.

وسار المنجلاتي على نهج أسلافه في المذهب، ووضع مصنّفا في مناقب الإمام مالك، استهله بالثناء على الكفاءة العلمية والاستقامة الأخلاقية لمؤسس المذهب. ثم ينتقل في فصل من كتابه إلى ذكر فضائل المدينة المنورة، المركز الذي أشعّ منه المذهب، حيث أورد عنها " إنها معدن الرسالة ودار الخلافة".


Modifié le: samedi 12 novembre 2022, 19:16