التطبيق رقم: 02

التحليل المورفولوجي لحكاية الملك وأولاده الثلاثة

1-نص الحكاية:[1]

   كان ما كان ولله الإذعان كان في قديم الزمان ملك جبار عظيم الشأن تخافه الملوك وتعنو له طائعة ذليلة وكان لهذا الملك ثلاثة أولاد في ريعان الشباب وهبوا ذكاء وقوة كبيرهم يدعى أحمد والأوسط يدعى محمودا والصغير يدعى محمدا. وكان والدهم يحب الأزهار ويعنى بها عناية عظيمة، وقد أقام له حديقة فيها كل ما تشتهي النفس من الورد المنظوم والمنثور والشقائق والعطر والزنابق التي تفوح شذى وتختال حسنا، وكان من بينها نوع من الأزهار نادر الوجود له منظر، يسحر النفوس ورائحة تنعش القلوب، وما أشد دهشة الملك وحزنه عندما رأى أن هذا النوع النادر ينقص كل يوم زهره كل يوم زهره تقطف على حين غره في الليل، ولم تجد نفعا كثره الحراس، ولا أسوار قصوره المنيعة كأنما  روح هائمة من السماء أعجبت بها، فأخذت تنزل إليها كل ليلة، لتقطف منها واحدة، تجد في منظرها ونشرها راحة لها، ولما توالى ذلك أياما متعاقبة غضب أشد الغضب وطلب من أولاده السهر ليلا لمعرفه السارق الأثيم والاقتصاص منه، فتقدم الكبير ونصب له سرادقا في الحديقة، وسل سيفه من غمده وعيناه تقدحان غضبا وشررا، ليفتك بالجاني الأثيم، ولكن ما إن مضت ساعة من الليل حتى داهمه النعاس، فغط في نوم عميق لا توقظه منه الصواعق والرعود، عند منتصف الليل قدم مارد مخيف، فأسرع إلى موضع الزهر النفيس النادر، وقطف زهرة، ثم كر راجعا لا يشعر به أحد كأنه خيال، وليس مخلوقا من لحم ودم، وعندما أصبح الصباح أتى الوالد مسرعا، وما أشد خيبته في ابنه عندما وجد زهرة قد قطفت وابنه قد قضى الليل نائما، لا يعي فغضب عليه وبخه ثم دعا محمودا ابنه الأوسط، ليحرس الأزهار في الليلة المقبلة، ولكنه لم يختلف عن أخيه الكبير في شيء إذ داهمه النعاس، وأتى المارد اللعين، فقطف أحسن الزهرات، وعاد سالما غانما، لا يعلم به أحد، ولكن الأيام بالمرصاد لا تدع ظالما بدون عذاب، ولا مجرما بدون عقاب، إذ تقدم في اليوم الثالث الأمير محمد، وهو الابن الأصغر واختفى في السرادق وعيناه لا يغمض لهما جفن وعزماته، لا تكل، ولا تني حتى انتصف الليل، فإذا به يسمع حفيفا بين الأشجار، وما أشد دهشته عندما رأى ماردا مخيفا يتطاير الشرر من عينيه، وتهتز لمرآه رعبا الأغصان والأزهار، ولكنه كان يمشي رويدا رويدا، لئلا يوقظ ضجيجه النائمين إلى أن وصل إلى منطقة الزهر الثمين، فاقتطف أجمل زهرة وأبدعها، وعاد مسرعا، يطوي الأرض طيا، ولكن محمدا أسرع وراءه وأخذ يتبعه كظنه حتى رآه يغوص في بئر خارج المدينة، فعاد مسرعا من حيث أتى، وفي الصباح أخبر والده، وطلب منه الإذن بمتابعة أثره والقضاء على هذا العدو اللدود الذي سيتعدى حتما في يوم من الأيام على الحرائر بعدما سولت له نفسه دخول حرم الملك الحصين، فلبس عدة الحرب وغاص في الحديد، وتبعه أخواه وأبطال جيش أبيه المغاوير حتى وصلوا إلى بئر المارد الأثيم، وكانت بعيدة الغور، لا يصل قعرها أحد إلا إذا تدلى من أعلاها، وربط بالحبال القوية، فتقدم الأمير الكبير أحمد، وطلب سبق غيره في القضاء على العدو اللدود الخائن، وقال لأصحابه، وهو يتدلى إذا قلت الماء حار فأسرعوا في سحبي إلى أعلى، لأن حياتي ستكون إذ ذاك في خطر عظيم، أو أنني قد أديت واجبي، وأردت منكم إرجاعي إليكم، إذ لم تبق حاجة لبقائي فتدلى رويدا رويدا، وهو ينادي مزمجرا أين أنت أيها المارد، سأقطعك أربا أربا، وما فتئ أن لمح شبحا في الماء، فتخيله ذلك المارد، وظن أنه خرج إليه ليذيقه الردى ناسيا أنه خياله  انعكس في البئر، فارتجف، وأخذ يصيح كالمخبول الماء حار حار، ولم ينقطع صراخه حتى وصل أعلى البئر، وأخرجه أصحابه منها، فسقط أرضا وهو على أخر رمق من الحياة، وهنا تقدم أخوه الأوسط محمود ولم يفعل أكثر مما فعله الأكبر إذ ما كاد يصل منتصف البئر حتى اصطدم سيفه بسخرة في حائط، فظن صريره صوت غريمه وتخيل أنه قدم ليطارده فصاح ملء فيه: الماء حار حار، بنبرات مرتجفة من الذعر إلى أن أخرج، وهو لا يكاد يصدق أنه حي.

    وبعد ذلك حان دور الأخ الأصغر محمد الذي تقدم بخطوات ثابتة، وقال لأصحابه لا ترفعوني مهما استغثت ورددت الصراخ، وتدلى في البئر حتى وصل قعرها، فرأى ممرا كبيرا سار فيه فإذا به أمام قصر عظيم، فدخله، فسمع شخيرا مفزعا ترتجف له القلوب الضعيفة، فتقدم بعزم كالصخر وبقلب صلب كالحديد إلى مصدر الصوت، فرأى فتاة، تخجل الشمس بجمالها، وتسحر النفوس برقتها ودلالها وعلى فخذها رأس ذلك الغول الدميم الذي تشمئز منه النفوس، ووجد الزهرات الجميلات قد علقت على صدرها كأنها نجوم متلألئة في هالة بدر مشرق فأشارت له إلى سيف قريب يتقلده المارد في جولاته خارج البئر، يكمن الموت الزؤام في حده، وكان يقطر من دماء الضحايا، فسحبه محمد، ولم يرض أن يقتل غريمه نائما، بل أيقظه فما أن أفاق كالمذهول حتى عاجله بضربة أطاحت برأسه، فسقط على الأرض متخبطا بدمائه كأنما هدم بسقوطه بناء مشمخر، وأخذ يتهاوى إلى الأرض، فأسرعت إليه الفتاة تعانقه مهنئة، وأخبرته كيف اختطفها من قصر أبيها ملك البلاد المجاورة، وجاء بها إلى حصنه هذا، وقصت عليه ما لاقته من عذاب وهول، فأعجب بها، ووقع في حبها، وسارا يطلبان النجاة، فسدت أمامهما الطرق حتى رأيا شيخا كبيرا قد حنى الدهر ظهره وأمامه كبشان أحدهما أبيض والأخر أسود،  فقال لهما من يمتط الكبش الأبيض يطر به إلى سطح الأرض، ومن يمتط الكبش الأسود يغص به إلى الطبقة السابعة من الأرض، ولا يمكن الخروج من هنا إلا عن هذين الطريقين، فأعطى الكبش الأبيض للفتاة، وقال لها انتظريني عند أبي وأخبريه القصة كاملة فطارت إلى أعلى، وهناك أسرع إليها أخواه، وأخذاها إلى أبيهما متباهيين بشجاعتهما الخيالية باكيين على أخيهما الأصغر الضعيف الذي هلك في المعرك طالبين منه أن يزوج أحدهما من هذه الفتاة الحسناء، ولكنها مانعت ولم ترض بديلا عن محمد أخيهما، وتضرعت إلى الملك أن يتركها وشأنها، لأنها لابد أن تقضي سنين طويلة مجللة بالسواد حزنا على أهلها الذين أهلكهم هذا الغول اللعين فأجابها إلى طلبها، وأبعد ولديه عنها حينا من الدهر.

   أما الأخ الأصغر فقد غاص به الكبش إلى الطبقة السابعة فرأى نفسه في دنيا غريبة عنه كلها أشباح، فأخذ يطوي الأرض لا يعلم أين يسير إلى أن رأى من بعيد شجرة شامخة في السماء فأسرع إليها وقد داهمته الظهيرة بحرها اللافح ليتفيأ ظلها الوارف، وما أن وصلها حتى ارتمى على الأرض وأخذته إغفاءة عميقة ولكنه لم يكد يغفو قليلا حتى استيقظ مذعورا على أصوات أفراخ نسر تصرخ فزعا ورعبا، فنظر إلى أعلى، فوجد حية كبيرة تريد ابتلاع هذه الفراخ الضعيفة، فأسرع إليها، وقطعها بسيفه إلى قطع صغيرة ووزعها على الفراخ التي التهمتها، ولكن صغيرها احتفظ بحصته وأخفاها في جانب خفي من العش حتى نزل محمد إلى الأرض وواصل نومه، وبعد مدة أقبلت أم النسور الصغار، ولما رأت محمدا، استشاطت غضبا، وطارت مسرعة وأتت بصخرة كبيرة، وهمت بإلقائها على رأسه، فرآها فراخها فملأوا الجو صراخا وأخذوا يتطايرون أمامها ويتساقطون على الأرض فوق محمد لمنعها من قتله وإلقاء الصخرة عليه، فعجبت من ذلك، وطلبت منهم إيضاحا لمعرفه السبب فأخبروها بقصة هذا الإنسي، وما فعله معهم، وكيف أنه أنقذهم من الأفعى التي أرادت قتلهم، فلم تصدق لأنها لم تر لهذه الأفعى أثرا، وهنا تقدم الفرخ الصغير وأراها حصته التي احتفظ بها فندمت على ما كادت تفعله، ونزلت إلى الأرض وأخذت تهز جناحها رويدا رويدا في وجه محمد، ليهب عليه هواء بارد يجعل نومه هادئا مريحا وبعد ساعات استيقظ وما أعظم دهشته حين وجد أم النسور بجانبه، فتقربت منه وشكرت له فضله، وقالت له اطلب ما تريد، فرد عليها، أريد منك أن تطيري بي إلى سطح الأرض حيث أهلي وأقربائي وبلادي، فزفرت زفرة عميقة، وقالت له: لو هلك فراخي لكان ذلك أهون عندي من تحقيق ما طلبته، ولكن أبشر فلابد أن أنقذك كما أنقذتهم، فاسترح في محلك حتى أتيك بعد أن أملأ بطني بطعام دسم يكفي لهذه الرحلة البعيدة البعيدة، وبعد ساعات قليلة أقبلت إليه، وحملته فوق ظهرها، وأخذت تقطع طبقات الأرض البعيدة الغور، وتطير به عاليا حتى حطت به فوق سطحها بعد سفر طويل، فشكر لها فضلها وودعها وسار متوجها إلى بلده، وبعد أيام قليلة، وصل قصر والده، فعندما رآه الحرس، لم يعرفوه وظنوه خيالا أتاهم من العالم الآخر، لأن أخويه كان قد نعياه لوالده، ولكنه لم يلتفت إليهم، بل دخل القصر، ولما رأته الحاشية اشتد فرحهم وعلا الهرج والمرج، فتطلع أخواه ليسألا عن السبب، وما أشد دهشتهما عندما رأيا أخاهما قادما فتسللا، وهربا من القصر ومن مملكة أبيهما خوفا من غضبه يجللهما الخزي والعار، ولما علم الملك بقدومه هش، وبش،  وتلقاه بالأحضان، وهنا تقدمت تلك الفتاة، وسارت إلى جانبه حتى وصلا العرش، فخرا ساجدين أمام الوالد العظيم الذي اهتز طربا لرجوع ولده سالما، وطلب منه أن يقص عليه ما جرى له، فقص له الخبر صحيحا، والفتاة الفتاه تؤكد حديثه العجيب، ولما انتهى من حديثه، تقدم إلى والده راجيا عقد قرانه على فتاته هذه، فلم يتوان في ذلك، بل أعلنت البشائر في القصر، وعمت الأفراح بزواج محمد، وفي غمرة الحفلات البهيجة التي عمت البلاد بأسرها، أعلن الملك تنازله عن العرش لابنه الأصغر الشجاع وأميرته الجميلة فتوجهما ملكين.

 

2-التحليل الوظائفي لحكاية الملك وأولاده الثلاثة:

    تترتب الوظائف في هذه الحكاية وفق التسلسل الآتي:

-الوظيفة 8 إساءة وافتقار (كل يوم تقطف زهرة من هذا النوع النادر)

-الوظيفة 9 استدعاء العون أو النجدة (طلب الملك من أولاده السهر ليلا لمعرفة السارق)

-الوظيفة 10 بداية الفعل المضاد (تقدم في اليوم الثالث الأمير محمد وهو الابن الأصغر واختفى في السرادق)

-الوظيفة 11 انطلاق ورحيل البطل (انطلق محمد يقتفي أثر الغول السارق)

-الوظيفة 16 صراع (دخول محمد في مرحلة الصراع مع الغول)

-الوظيفة 18 انتصار (قضاء محمد على الغول بضربة بالسيف)

-الوظيفة 19 إصلاح الضرر والافتقار (تخليص الفتاة، وعدم نقص الأزهار)

-الوظيفة 24 (وظيفة تزييف (ادعاء الأخوين أنهما البطلان الحقيقيان)

-الوظيفة 27 التعرف (التعرف على البطل الحقيقي محمد)

-الوظيفة 28 افتضاح (افتضاح أمر الأخوين)

-الوظيفة 29 تحول في المظهر (ظهور محمد في صورة جديدة وهي صورة البطل الحقيقي)

-الوظيفة 31 زواج وتتويج (زواج محمد بالفتاة وتوليه على العرش).

 

 

 

 

 



[1] : يوسف أمير قصير، الحكاية والإنسان، ص: 54. وينظر، داود سلمان الشويلي، القصص الشعبي العراقي في ضوء المنهج المورفولوجي، ص: 68.


آخر تعديل: الاثنين، 11 مارس 2024، 1:44 PM