السرديات البنيوية (جيرار جينيت)

    يرجع الفضل في اجتراح مصطلح السّرديات (Narratologie) عام 1969 ليدلّ على العلم[1] ولأوّل مرّة في كتابه "نحو الدّيكاميرون" Grammaire de Décaméron الذي سعى من خلاله إلى محاولة بلورة نظريّة عامّة للمحكيّ وإيجاد نمذجة شاملة لدراسة النّصوص السّرديّة مستندا في ذلك إلى فكرة النّحو العالمي، ومستفيدا من الإمكانات التي يتيحها النّموذج اللّغويّ، وذلك عن طريق استعارة المصطلحات والقواعد العامّة التي تحكم النّظام اللّغويّ جاعلا من القواعد النّحويّة قواعد للسّرد.

   إذا كان "تودوروف" سبّاقا إلى إطلاق مصطلح "السّرديّات" على أنّه العلم الذي يعنى بدراسة خطاب المحكيّ، وأنّه أحد المؤسّسين الفاعلين لهذا العلم؛ فإنّ ما طرأ على حقل السّرديّات من تطويرات منهجيّة وتصوّرات علميّة دقيقة سيتحقّق على يد "جينيت" الذي عدّ "أبا السرديات في العصر الحديث"[2] ورائدا حقيقيّا لها، بالنّظر لما تتميّز به طروحاته وتصنيفاته السّرديّة من شموليّة في الطّرح وعمق في التّحليل حتّى وإن كان ذلك يستهدف بدءا الخطاب دون المضمون. وقد استحقّ جهده التّوصيفيّ للبنيات الشّكليّة للمحكيّ أن يوصف بالمشروع السّرديّ المتكامل على حدّ تعبير "سعيد يقطين"، فهو من بين الإنجازات التّاريخيّة المهمّة في حقل النّظريّة الأدبيّة والنّقديّة الحديثة.

    قدّم "جينيت" رسما لحدود المحكيّ في مقاله الموسوم "بحدود المحكيّ"[3] Frontière du Récit المنشور ضمن العدد الثّامن من مجلة "Communications"، حيث مكّنه ذلك من ضبط الأطر التي يشتغل ضمنها المحكيّ مهتديا إلى أنّه يتحدّد من خلال التّعارضات التي يقيمها مع الأشكال اللاّمحكية وصيغها، التي انطلق في حصرها ابتداء من التّمييز والتّعارض الذي أقامه أرسطو بين Mimésis و[4]Diégésis. وهو التّمييز الذي سبقه إليه أفلاطون.

   ينتهي "جينيت" إلى رسم حدّ أخير للمحكيّ انطلاقا من التّمييز الذي أعلن عنه "بنفنيست" بين القصة والخطاب، متناولا مسألة التّعارض بينهما في إطار علاقتهما بالزّمن؛ إذ توصّل إلى أنّ هذه الاختلافات والتّعارضات ترجع أساسا إلى تعارض بين موضوعيّة القصّة، وذاتيّة الخطاب. فالخطاب يكون ذاتيا عند مثول ضمير المتكلّم (أنا) أو إحالته عليه، غير أنّ هذه الأنا لا تتحدّد، إلاّ من حيث كونها الشّخص الذي يتكلّم بطريقة تتماثل مع المضارع الحاضر زمن الصّيغة الخطابيّة. أمّا موضوعيّة القصّة فتتحدّد على العكس من ذلك، من خلال غياب أيّة إحالة -ضمنيّة أو صريحة- على السّارد؛ حيث تعرض الأحداث مسرودة بشكل تلقائيّ تبعا لظهورها في القصّة[5]. لكنّه إذا كان "جينيت" -في حدود المحكي- قد نحا نحو "بنفنيست" في تقسيم المحكيّ إلى خطاب موسوم بذاتيّة المتكلّم وقصّة موسومة بنقل الأحداث مختفيّة آثار السّارد فيها، فإنّه عدل عن هذا الرّأي في كتابه III Figures أو في discours du récit، مشيرا إلى تعلّق القصّة بالخطاب وتواشجها معه إلى حدّ يعدّها شكلا من أشكاله[6]. من هذا المنطلق اهتم جينيت -من خلال حصر جلّ عنايته بالخطاب- بدراسة العلاقات بين مكوّنات خطاب المحكيّ الثلاثة، بوصفها كلاّ متكاملا ومتلاحما، وهي:

-القصّة Histoire: وتحيل إلى المادّة الحكائيّة أو الأحداث المسرودة، سواء كانت واقعيّة أم متخيّلة، وبمعنى آخر فهي تطلق على المضمون السّرديّ؛ أي على المدلول.

-المحكيّRécit : ويطلق على النّص السّرديّ ذاته وهو الدّال، أو الملفوظ السّرديّ، أو الخطاب، ويكون مكتوبا أو شفويّا أو قائما على الحركة أو الصّورة، ليعرّف بمضمون المادّة الحكائيّة (القصّة).

-السّرد Narration: وهو الطّريقة التي يعتمدها السّارد في تقديم القصّة[7].

    تلتحم هذه المكوّنات وتتواشج فيما بينها، وتربطها صلات وثيقة، حيث تسهم مجتمعة في تشكيل خطاب المحكيّ، الذي يؤسّس كيانه عليها؛ إلى درجة أنّه لا يمكن له أن يوجد من دونها، وقد أكّد "جينيت" على أنّ "تحليل الخطاب السّرديّ ينبني أساسا على دراسة العلاقات بين الخطاب والقصّة، وبين الخطاب والسّرد (...) [من جهة] وبين القصّة والسّرد"[8] من جهة أخرى. غير أنّه من بين هذه المكوّنات يكتسي فعل السّرد أهميّة قصوى كونه يعمل على تقديم القصّة عبر الخطاب الذي يحملها، ويعرف بمضمونها وبساردها الذي يتلفّظ بها[9]. لذلك يرى جينيت -خلافا لتودوروف- أنّ المحكيّ أو الخطاب[10] هو المجال الذي ينبغي أن يعنى بالدّراسة والتّحليل[11]*. كون أن القصّة والسّرد لا يوجدان إلاّ في علاقة مع المحكيّ، والأمر نفسه يقال عن المحكيّ أو الخطاب السّرديّ الذي لا يتمّ إلاّ وهو يسرد قصّة وإلاّ فلا يمكن أن يكون سرديّا. وبهذا فالخطاب سرديّ بسبب العلاقة التي تربطه بالقصّة التي يسردها، وأيضا بسبب تواشجه مع السّرد الذي يقوم بإرساله[12] وإبلاغه إلى المتلقي. 

    لما جعل "جينيت" وكده الاهتمام بتحليل خطاب المحكيّ ودراسة العلاقات بين مكوّناته عمل على بحث ذلك استنادا إلى التّقسيم الذي اقترحه "تودوروف" لمقولات تحليل الخطاب السّرديّ، مع إجراء بعض التّعديلات عليها، وهذه المقولات هي: مقولة الزّمن، الصّيغة، والصّوت. فإذا كان الزّمن والصّيغة يشتغلان في إطار العلاقة بين القصّة والمحكيّ، فإنّ الصّوت يتجلّى من خلال العلاقة القائمة بين المحكيّ والسّرد، وبين السّرد والقصّة من جانب آخر.

    إنّ هذا التّحديد الحصريّ والمقيّد بالشّكل الثّلاثيّ الذي أعلن عنه "جينيت"، قد بدا له تحديدا مبرّرا- رغم الانتقادات التي تعرّض لها- مادام أن الخصوصيّة الأساسيّة التي ينفرد بها المحكيّ تكمن       في صيغته، لا في محتواه، وهو ما جعل سرديّاته تنحصر "في دراسة السرد وتحليله، وبمعنى أدق دراسة طرائق عرض مضمون المحكي لا المضمون ذاته"[13]. كما أنّ ذلك لم يمنعه من الإشارة إلى وجود "نوعين من السّرديات: أحدهما موضوعاتي بالمعنى الواسع (هو تحليل القصّة أو المضامين السّرديّة)، والآخر شكليّ، بل تنميطي [صيغي] ( هو تحليل [المحكي بصفته نمطا؛ أي صيغة] "تمثيل" للقصص، في مقابل الأنماط [الصيّغ] غير السّرديّة)"[14]. لكنّه رغم اعترافه بوجود اتجاهين سرديين، إلاّ أنّه بقي وفيّا لسرديّاته الحصريّة، ولم يأبه بالدّعوات السّاعيّة إلى توسيعها لتضمّ إليها العديد من الأشكال التّعبيريّة الأخرى كالمسرح والسّينما على غرار المحكيّ الشّفاهي والكتابيّ. ذلك ما دأب "جينيت" على توكيده في كتبه المتلاحقة رفعا للالتباسات التي أثارتها سرديّاته، وتعميقا لبعض الآراء والتّصوّرات التي اكتنفها الغموض أو التّناقض، وهو ما أعلن عنه بوضوح في Nouveau discours du récit الذي جاء توكيدا لقناعاته الرّاسخة، التي لا تحيد عن الأطر العامّة التي رسمها للسّرديّات، على الرّغم من اقتحامه مجالات بحثيّة أخرى قد تبدو مغايرة[15]* ومقحمة بالنّسبة لكثير من الباحثين والدّارسين المهتمين بسرديّاته. 

    من هذا المنطلق تتأسس السرديات علما لدراسة الخطاب السردي، انطلاقا من ثلاثة مقولات أساسية، هي كالآتي:

 

 

السرديات

الخطاب

مقولة الزمن

Temps

 مقولة الصيغة

mode

مقولة الصوت

vois

1-الترتيب الزمني: Ordre temporel

1-1-الاستباقات: Prolepses

     1-2-الاسترجاعات: Analepses

2-المدة الزمنية:  Durée temporel

   2-1-الوقفة Pause

   2-2-الحذف  Ellipse

   2-3-التلخيص  Sommaire

   2-4-المشهد  Scène

3-التواتر الزمني:  Fréquence

1-المسافة Distance

    1-1-محكي الأحداث أو الأفعال:  Récit d’événements

    1-2-محكي الأقوال: Récit de paroles

2-المنظور السردي: Perspective

3-التـــــبـــئــــيـــــــر:Focalisations

1-زمن السرد

temps

 de la narration

2-المستويات السردية

Niveax narratifs

3-الضمير: Personne

4-وظائف السارد

Fonction du narrateur

 

 

 

 

 

 

 

 



[1]:Voir, Oswald Ducrot, Schaeffer Jean-Marie, Nouveau Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage, éd, Seuil, Paris, 1995, p. 191 .

[2]: إبراهيم خليل ، بنية النص الروائي، منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان، ط1، 2010، ص. 69.

[3] : نشر جينيت هذا المقال لأول مرة  ضمن العدد الثامن من مجلة تواصل، ثم  أعاد نشره في كتابه Figures II.

-Gérard Genette, Frontières du récit, in Communications n° 8, L’ analyse structurale du récit, éd, Seuil, Paris, 1966.

- Gérard Genette, Figures II, éd, Seuil, Paris, 1969.

-ترجمت بعض مقالات هذه الدورية الفرنسية (communications n° 8) ضمن العدد المزدوج 8-9 من مجلة آفاق المغربية الصادرة عن اتحاد كتاب المغرب سنة 1988. ثم نشر هذا العدد في كتاب بعنوان طرائق تحليل السّرد الأدبيّ (مرجع مذكور سابقا).

-لمزيد من الاطلاع بخصوص "حدود المحكي" ينظر العدد الثاني من مجلة "سرديات" Narratologie الفرنسية الصادر في أفريل من سنة 1999.

-Narratologie N°2, Les frontières du récit, Publications de la faculté des lettres arts et sciences humaines, université de Nice, Paris, Avril, 1999.

[4]: يتعارض مصطلح Diégésis مع مصطلح mimésis عند أرسطو، ويدل على السّرد الخالص الخالي من الحوار الذي يتولّى فيه السّارد سرد الأحداث بنفسه والتحدّث بلسان الشخصيّات دون الإيهام بأنّ المتكلّم غيره. وبذلك فهو يخلو من المحاكاة أو التمثيل المسرحي mimésis، ممّا جعله خارج نطاق اهتماماته. انطلاقا من هذا التعارض اشتق جينيت من مصطلح Diégésis مصطلحا جديدا أطلق عليه Diégèse ليكون معادلا للقصّة بدءا في خطاب المحكي، لكنّه يتراجع عن هذا المفهوم الجزئي في Nouveau discours du récit ليجعله يدل ليس على القصّة تحديدا وإنّما على الكون الحكائي الذي تحدث فيه. ومن أجل دفع الالتباس والخلط عن مصطلحه رفض جينيت رفضا قاطعا كلّ علاقة تقام لمصطلحه بمصطلح Diégésis الإغريقي، كما فنّد أن يكون ترجمة فرنسية لـ: Diégésis كذلك. ويضيف توضيحا آخر رافق الالتباس    الذي اكتنف بعض مصطلحاته التي اشتقها من Diégèse ومنها توكيده على اشتقاقه Diégétique دائما من Diégèse وليس من Diégésis ردّا على بعض الاشتقاقات التي تربطه بالمصطلح الإغريقي. في المقابل أدّى امتلاك Diégèse لهذه الدّلالة الازدواجيّة التي تربطه بالقصّة في خطاب المحكي، وتبعده عنها في Nouveau discours du récit إلى التباس دلالته في النّقد المغاربيّ وتفرّقها تبعا لذلك، وقد يحصل أن تقرن دلالته بالمرجعيّة الإغريقيّة التي لا تلتقي مع مصطلح جينيت.  

[5] :Voir, Gérard Genette, Frontières du récit, p. 165, 166.

[6]: ينظر، محمد الخبو، الخطاب القصصي في الرواية العربية المعاصرة، دار صامد للنشر والتوزيع، صفاقص، تونس، ط1، 2003، ص. 39. (الهامش).                                                                                                       

[7] :Voir, Gérard Genette, Figures III, éd, Seuil, Paris, 1972, Cérès éditions, Tunis, 1996, p. 101.

[8] :Ibid, p.104 .

[9]: ينظر، بوشفرة نادية، علم السّرديّات في النّقد الفرنسيّ، (مخطوط)، أطروحة مقدّمة لنيل شهادة الدّكتوراه في الآداب، كليّة الآداب واللّغات والفنون، قسم اللّغة العربيّة وآدابها، جامعة السّانية، وهران، 2005، 2006ص. 68. 

[10]: للإشارة فجينيت يستعمل مصطلحي Récit محكي وDiscours خطاب مترادفين، في الوقت الذي يجعل مصطلح Histoire للإحالة إلى القصة.    p. 104). Voir, Gérard Genette, Figures III,)  

[11]: Gérard Genette, Ibid, p.102 .                                                                    

*: يرى جينيت أن المحكي Récit خطاب تواصلي ولفظي يفترض وجود سارد ومسرود له، وأن خصوصية السّردي تكمن في صيغته وليس في محتواه، الذي يمكن أن ينسجم مع مختلف الأشكال التعبيريّة الدرامية والفنية التي تأخذ طابعا سرديا (المسرح، الرسم، النحت، الصورة، الموسيقى، الرقص، السينما...). وبهذا فلا وجود لمضامين سردية -حسب جينيت- وإنما يوجد سلسلة من الأحداث والوقائع المتتابعة والقابلة لأي تمثيل صيغي (السّرد أو العرض).

-Voir, Nouveau discours du Récit, éd, Seuil, Paris, 1983, p. 12, 13.

-وفي هذا السّياق تجدر الإشارة إلى المفهوم الذي وضعه "رولان بارت" للمحكي  Récitالذي يرى بأنّه عالم متشعّب ومتنوّع ومتعدّد وغير محدود، بحيث يتجلّى في مختلف الخطابات الأدبيّة وغير الأدبيّة. يقول: "إن أنواع المحكي في العالم لا حصر لها (...) ويمكن نقلها عن طريق العديد من أشكال اللغة، المنطوقة والمكتوبة، الصور الثابتة والمتحركة، والإيماء، أو أي خليط منظم من كل هذه الأشكال. فالمحكي حاضر في الأسطورة والخرافة، وفي الحكاية على لسان الحيوان، والأقصوصة والملحمة والتاريخ والمأساة والدراما والكوميديا، والبانطوميم [فن التمثيل الإيمائي] واللوحة المرسومة (...) والنقش على الزجاج، والسينما والرسوم الكاريكاتورية والخبر الصحفي والمحادثة. وفضلا عن هذه الأشكال اللانهائية تقريبا، فإن المحكي حاضر في كل الأزمنة، وفي كل الأمكنة، وفي كل المجتمعات... إنه موجود تماما مثل الحياة".

- Roland Barthes, introduction à l’analyse strcturale des récits, poétique du récits,édition du seuil,1977,p: 07.

- Roland Barthes, introduction à l’analyse structureale des récits, in communications n° 8, p. 07. 

[12]: ينظر، سعيد يقطين، تحليل الخطاب الروائي، الزمن، السرد، التبئير، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، بيروت، لبنان، ط4، 2005، ص. 40.

[13]: منصوري مصطفى، المسارات المنهجية لسرديات جينيت، مجلة السرديات، دورية محكمة تصدر عن مخبر السرد العربي،جامعة منتوري قسنطينة، العددان، 4، 5 ، 2010، 2011، ص. 21.                                                            

[14]: جيرار جينيت، عودة إلى خطاب الحكاية، تر، محمد معتصم، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 2000، ص. 17.

[15]: ينظر، منصوري مصطفى، المسارات المنهجية لسرديات جينيت، السرديات، ع4، 5، ص. 23.

*: مثل اهتمامه بالمتعاليات النصية، فهو من خلال ذلك يسير في فلك الاتجاه الصيغي الذي اختطه للسرديات منذ دراساته الأولى؛ أي الاهتمام بطرائق عرض خطاب المحكي وأنماطه، ومختلف الخصائص التعبيرية والجمالية المميزة له.


آخر تعديل: الاثنين، 11 مارس 2024، 1:46 PM