المحاضرة الأولى: المحددات المفاهيميىة للقانون الجنائي الدستوري:

باعتبار أن الدستور يكرس حماية الحقوق والحريات وضمانات ممارستها والتي تعد من أبرز موضوعاته، فالمشرع ملزم بحماية هذه الحقوق والحريات . وباعتبار أن القانون الجنائي جاء لحماية أخطر ما يهدد الحقوق والحريات ، فالقانون الجنائي الدستوري إذن هو بيان للحماية الدستورية للحقوق والحريات من خلال تجريم الاعتداء عليها وتحديد الجزاءات المقررة لذلك . فقانون العقوبات يقرر الحماية الجنائية لهذه الحقوق والحريات المقررة دستوريا  ويمتد الأمر إلى قانون الإجراءات الجزائية باعتباره اقتضاء لحق الدولة في العقاب وتحقيقا للمصلحة العامة ، إذ لا يجوز إهدار كل الحقوق والحريات المقررة للمتهم وإنما تتم المتابعة الجزائية وفق الأطر الدستورية ومكفولة في قانون الإجراءات الجزائية..

وبالبحث في المجالات التي تتناول أحكاما جنائية دستورية نجد أن مجالها واسع في الدستور يتمثل أساسا في أحكام جنائية خاصة في الوثيقة الدستورية، ومبادئ وأحكام جنائية عامة في الوثيقة الدستورية.

أولا:أحكام  جنائية خاصة في الوثيقة الدستورية:

 إذا كان الأصل أن الحماية الجنائية للحقوق والحريات هي في الأصل من اختصاص المشرع عن طريق تجريم الأفعال والمعاقبة عليه ، إلا أن ذلك يبقى خاضعا لما هو متوافق وأحكام الدستور ، كما أن الدستور يعتبر كموجه لقانون الجنائي وبالتحديد قانون العقوبات من خلال تحديد الحقوق والحريات والحماية المقررة لها دستوريا ، وبالتالي تحديد نطاق قانون العقوبات في مجال الحماية الجنائية لهذه الحقوق والحريات المحددة دستوريا، كما قد يتجه إلى تجريم بعض الأفعال فبالبحث في مجمل الأحكام الدستورية التي لها علاقة بالقانون الجنائي بالأخص ما تعلق بالتجريم والعقاب نجد أحكام خاصة بحماية النظام الدستوري للدولة ومؤسساتها الدستورية كما ورد في المادة 79 من التعديل الدستوري 2020  التي نصت على المعاقبة على جرائم الخيانة والتجسس والتعدي على السلطة الدولة والدفاع الوطني وسلامة أرض الوطن  وجميع الجرائم المرتكبة ضد أمن الدولة كل ذلك لحماية النظام السياسي في الدولة  .

كما نصت المادة 91 من الدستور على حق رئيس الجمهورية في إصدار العفو وحق تخفيض العقوبات أو استبدالها.

وبالرجوع إلى المادة 25 نجد أنها تصت على تجريم استغلال النفوذ والتعسف في استعمال السلطة بقولها: " يعاقب القانون على استغلال النفوذ والتعسف في استعمال السلطة."

أما في الفصل الخاص بالحقوق والحريات فقد تضمن مبادئ مرتبطة بالقيم الإنسانية ، وحظر المساس بها كعدم انتهاك حرمة الإنسان سواء الجسدية والمعنوية في إطار ما ورد في المادة 39 التي تنص على أنه:" تضمن الدولة عدم انتهاك حرمة إنسان.

يحظر أي عنف بدني أو معنوي ، أو مساس بالكرامة.

يعاقب القانون على التعذيب ، وعلى المعاملات القاسية واللاانسانية أو المهينة والاتجار بالبشر".

وما ورد في نص المادة 47 من الدستور  فيما يتعلق بحماية الحياة الخاصة وحماية الشرف والاعتبار بقولها:" لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة وشرفه." لكل شخص الحق في سرية مراسلاته واتصالاته الخاصة في أي شكل كانت .لتنص الفقرة الأخيرة من المادة على أنه:" يعاقب القانون على كل انتهاك لهذه الحقوق." 

وفي ذات السياق ما نصت عليه المادة 48 بقولها:" تضمن الدولة عدم انتهاك حرمة مسكن."

بالإضافة الى النص على الحماية الدستورية للأسرة والطفل اذ جاء في نص المادة 71:" تحظى الأسرة بحماية الدولة.

حقوق الطفل محمية من طرف الدولة والأسرة مع مراعاة مصلحة العليا للطفل....

تحت طائلة المتابعة الجزائية ، يلزم الأولياء بضمان تربية أبنائهم.

تحت طائلة المتابعة الجزائية يلزم الأبناء بواجب القيام بالإحسان إلى أوليائهم ومساعدتهم.

يعاقب القانون على كل أشكال العنف ضد الأطفال واستغلالهم والتخلي عنهم".  

وما ورد في المادة 54 التي نصت على أن حرية الصحافة المكتوبة والسمعية البصرية والالكترونية مضمونة. ، وعلى حظر خطاب الكراهية والتمييز بقولها:"...يحظر نشر خطاب الكراهية والتمييز..."  

الملاحظ إذن على هذه النماذج من الحقوق والحريات المحمية دستوريا، أن أي انتهاك لها لا بد أن يقابل بالتجريم والمتابعات الجزائية.وهو ما يفسر وجود الارتباط بين أحكام القانون الجنائي والدستور في العديد من المواضع.

ثانيا:أحكام جنائية عامة في الوثيقة الدستورية    

وفي ذات الإطار الملاحظ أن الدستور يتضمن الكثير من المبادئ العامة التي تشكل أساسا يقوم عليه القانون الجنائي بشقيه الموضوعي والإجرائي  أبرزها مبدأ الشرعية الجنائية الموضوعية والإجرائية، وما يترتب عن ذلك من نتائج قانونية هامة. ومبدأ الأصل في المتهم البراءة حتى تثبت الإدانة وغيرها من ضمانات المحاكمة العادلة التي كرسها قانون الإجراءات الجزائية تطبيقا للشرعية الدستورية.

 ومما ورد في الدستور من أحكام ومبادئ عامة للتجريم والعقاب مبدأ الشرعية الجنائية إذ نصت عليه المادة 41 من الدستور بقولها:" كل شخص يعتبر بريئا حتى تثبت جهة قضائية إدانته في إطار محاكمة عادلة.

وفي ذات سياق الشرعية الجنائية في شقها الموضوعي نصت المادة 43 على أنه:" لا إدانة إلا بمقتضى قانون صادر قبل ارتكاب الفعل المجرم."والمادة 165 التي جاء نصها:" تخضع العقوبات الجزائية لمبدأي الشرعية والشخصية."

وفي إطار الشرعية الجنائية الإجرائية وما يستتبعها من ضمانات محاكمة منصفة ورد عدة نصوص سيتم تفصيلها لاحقا منها ما جاء في نص المادة 44 :" لا يتابع أحد أو يوقف أو يحتجز إلا ضمن الشروط المحددة بالقانون وطبقا للأشكال التي نص عليها.".

كما نصت المادة 175 على أنه:" الحق في الدفاع معترف به.

الحق في الدفاع مضمون في المتابعة الجزائية."."

 

 

Modifié le: jeudi 30 mai 2024, 12:06