مفهوم مبدأ الشرعية الجنائية الموضوعية
المحاضرة الثانية: مفهوم مبدأ الشرعية الجنائية الموضوعية:
سيتم تناول مفهوم مبدأ الشرعية الجنائية الموضوعية من خلال تعريف المبدأ ، والتطرق الى نشأته وأساسه القانوني .
أولا:تعريف مبدأ الشرعية الجنائية:
يعرف مبدأ الشرعية الجنائية بأنه حصر مصادر التجريم والعقاب في قانون مكتوب صادر عن السلطة المختصة.، وبالتالي تحديد الأفعال المعتبرة جرائم والعقوبات المقررة لها.وهو ماتقرر صراحة في نص المادة الأولى من قانون العقوبات بقولها:" لاجريمة ولا عقوبة ولاتدابير أمن بغير قانون."
وبالتالي من مقتضيات مبدأ الشرعية الجنائية أن يكون التجريم والعقاب بموجب قانون صادر عن السلطة التشريعية صاحبة الاختصاص الأصيل بالتشريع كأصل عام. والتي لها اصباغ صفة التجريم على الأفعال والعقاب عليها.
وأما السلطة القضائية فلها فقط سلطة تطبيق العقوبات على الأفعال المرتكبة وفق ماهو محدد في النص القانوني المجرم للفعل، وعلى هذا الأساس فمبدأ الشرعية الجنائية يقوم على ركنين أساسيين هما: حماية الحريات والتي الأصل فيها الاطلاق ، وحماية المصلحة العامة من خلال اسناد مهمة التجريم والعقاب للسلطة التشريعية وتحديد اجراءات المتابعة الجزائية ، مما يحقق الاستقرار داخل المجتمع والذي يعتبر من مرتكزات الأمن القانوني.
ثانيا: نشأة مبدأ الشرعية وأساسه القانوني:
1-نشأة مبدأ الشرعية:
أول تأسيس لمبدأ الشرعية الجنائية كان في القران الكريم في قوله تعالى:" وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا."سورة الاسراء الاية 15.
وفي قوله تعالى :" ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون."سورة الأنعام الاية 131.
وبالرجوع الى نشأة مبدأ الشرعية الجنائية ، فقد ارتبط بمبدأ الفصل بين السلطات ، والذي جاء للقضاء على تعسف الملوك الذين كانوا يتمتعون بسلطة مطلقة وتجميع كل السلطات في يد واحدة، وتعزز ذلك في عصر التنوير مع الحملة الفكرية المناهضة للاستبداد بزعامة مونتسيكيو وبيكاريا ، التي نادت بتوزيع الاختصاصات والفصل بين السلطات ، وبالتالي افراد السلطة التشريعية بتحديد الجرائم والعقوبات باعتبارها ممثلة للشعب .
أما في التشريعات الدولية فقد تبنت العديد من المواثيق الدولية مبدأ الشرعية الجنائية منها ما ورد في الاعلان العالمي لحقوق الانسان لعام 1948 في المادة 11 التي نصت على أنه:" كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئا إلى أن يثبت ارتكابُه لها قانونًا في محاكمة علنية..."
وبالرجوع إلى العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية فقد نص في المادة 15 على أنه:" لا يدان أي فرد بأية جريمة بسبب فعل أو امتناع عن فعل لم يكن وقت ارتكابه يشكل جريمة..."
2-مبدأ الشرعية الجنائية في الدساتير الجزائرية:
بالرجوع إلى الدساتير الجزائرية ، وبداية من أول دستور للجزائر بعد الاستقلال يلاحظ أنه قد أسس لمبدأ الشرعية الجنائية ، وان كان النص الدستوري قد جاء في مضمونه لينص على مبدأ الشرعية الإجرائية ، حيث نصت المادة 15 على لأنه:" لا يجوز متابعة أي شخص أو توقيفه إلا في الحالات التي ينص عليها القانون."
أ- مبدأ الشرعية الجنائية في دستور 1976:
ورد النص على المبدأ في المادة 45 التي نصت على انه:" لا تجريم الا بقانون صادر قبل ارتكاب الفعل الاجرامي."
والمادة 71 التي نصت على أنه:" يعاقب القانون على المخالفات المرتكبة ضد الحقوق والحريات وعلى كل مساس بالسلامة البدنية أو المعنوية للانسان.""
ب- التعديل الدستوري 1989:
نص في المادة 43 منه على مايلي:" لا ادانة الا بمقتضى قانون صادر قبل ارتكاب الفعل المجرم."
ج- التعديل الدستوري 1996:
المـادة 45 : "كلّ شـخص يعتـر بريئـا حتـى تثبـت جهـة قضائيـة نظاميـة إدانتـه، مـع كلّ الضامنـات التـي يتطلبها القانـون.
المادة 46 :" لا إدانة إلا بمقتضى قانون صادر قبل ارتكاب الفعل المجرم."
المادة 140:"أساس القضاء مبادئ الشرعية والمساواة."
المادة 142:" تخضع العقوبات الجزائية إلى مبدئي الشرعية والشخصية."
د- مبدأ الشرعية الجنائية في التعديل الدستوري 2016:
بالرجوع إلى ما ورد في هذا التعديل يلاحظ أنه نص على مبدأ الشرعية الجنائية الموضوعية في نص المادة 58 :" لا إدانة إلا بمقتضى قانون صادر قبل ارتكاب الفعل المجرم."
ه-مبدأ الشرعية الجنائية في التعديل الدستوري 2020:
كرس هو الأخر مبدأ الشرعية الجنائية من خلال ماورد في المادة 41 بنصها:" كل شخص يعتبر بريئا حتى تثبت جهة قضائية إدانته، في إطار محاكمة عادلة."
والمادة 43 التي نصت على أنه:" لا إدانة إلا بمقتضى قانون صادر قبل ارتكاب الفعل المجرم."
3-مبدأ الشرعية الجنائية في قانون العقوبات:
بالرجوع الى نص المادة الأولى من قانون العقوبات نجدها تنص على أنه:" لا جريمة ولا عقوبة ولا تدبير أمن بغير قانون ."
وبالرجوع الى مصطلح قانون نجد أن المقصود بهذا المصطلح التشريع الصادر عن السلطة المختصة بالتشريع -البرلمان -.اذ نصت المادة139 من الدستور على أنه:" يشرع البرلمان في الميادين التي يخصصها لها الدستور، وكذلك في المجالات التالية:
القواعد العامة لقانون العقوبات والإجراءات الجزائية لاسيما تحديد الجنايات والجنح والعقوبات المختلفة المطابقة لها، والعفو الشامل وتسليم المجرمين ونظام السجون."
وعليه تحديد مضمون الجنايات والجنح والعقوبات المرتبطة بها من اختصاص السلطة التشريعية ممثلة في البرلمان.
وقد يستثني البرلمان من تحديد مضمون المخالفات والعقوبات التي ترتبها حيث أن المادة139 من الدستور لم تنص على اختصاص البرلمان في مجال المخالفات.والتي قد يرجع صلاحية إصداره الرئيس الجمهورية حيث نصت المادة 141 على أنه:" يمارس رئيس الجمهورية السلطة التنظيمية في المسائل غير المخصصة للقانون.
يندرج تطبيق القوانين في المجال التنظيمي الذي يعود للوزير الأول أو لرئيس الحكومة ، حسب الحالة ."