المحاضرة الثالثة:النتائج المترتبة على تطبيق مبدأ الشرعية الجنائية:

يترتب على تطبيق مبدأ الشرعية الجنائية النتائج القانونية التالية:

أولا: حصر مصادر التجريم والعقاب في النص التشريعي:

إن أول نتيجة قانونية مترتبة على تطبيق مبدأ الشرعية هي حصر مصادر التجريم والعقاب في النص القانوني المكتوب الصادر عن السلطة المختصة بالتشريع.

ثانيا: التفسير الضيق للنصوص الجنائية

 الأصل في النص القانوني أن يلتزم فيه المشرع بالوضوح والدقة وتجنب الغموض والعبارات الفضفاضة التي تحتمل أكثر من تفسير.وهو ما نصت عليه المادة  34 من الدستور :" تحقيقا للأمن القانوني تسهر الدولة عند وضع التشريع المتعلق بالحقوق والحريات على ضمان الوصول إليه، ووضوحه واستقراره ." وعليه فالقاضي الجزائي يلتزم بالتفسير الضيق ، بخلاف القاضي المدني الذي له أن يلجأ إلى مصادر القانون الأخرى للتفسير من شريعة إسلامية وعرف ومبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة.

ثالثا: حضر القياس :

كنتيجة حتمية عما سبق، يحضر على القاضي الجنائي إعمال القياس في تفسير النصوص الجنائية ، إذ لا يجوز للقاضي الجنائي تجريم فعل لم يرد نص بتجريمه قياسا على فعل ورد نص بتجريمه. لاتحادهما في العلة لما سيترتب عنه من خلق جرائم جديدة ومن ثمة هدم مبدأ الشرعية الجنائية.

رابعا: قاعدة الشك يفسر لمصلحة المتهم:

القاضي الجزائي وهو بصدد تطبيق النصوص الجنائية يلتزم بتطبيق النص على الوقائع المعروضة عليه، في حالة ما إذا كان واضحا ، أما في حالة غموضه فهو يلتزم بالتفسير الضيق.فتطبيق التفسير الموسع في حالة الشك قد يؤدي خلق القاضي لجريمة أو عقوبة غير منصوص عليها ، وفي ذلك هدم لمبدأ الشرعية الجنائية.

خامسا :عدم رجعية النص الجنائي:

يقصد به سريان نصوص قانون العقوبات بأثر فوري على الأفعال التي ترتكب بعد سريان النص الجنائي ، وهو مبدأ دستوري نص عليه الدستورفي المادة 43 التي جاء فيها:" لا ادانة الا بمقتضى قانون صادر قبل ارتكاب الفعل المجرم."وهو مانص عليه المشرع في نص المادة الثانية من قانون العقوبات بقوله:" لا يسري قانون العقوبات على الماضي."

وأساس هذه القاعدة هو المحافظة على فكرة الأمن القانوني واستقرار المراكز القانونية للأفراد، فالأصل في الأفعال الإباحة ،فلا يجوز بالتالي معاقبة الشخص على فعل كان مباحا وقت ارتكابه، ثم جرمه نص قانوني جديد. كما يقتضي هذا المبدأ عدم جواز تطبيق عقوبة أشد من تلك التي كانت مقررة وقت ارتكاب الفعل. ولتطبيق هذا المبدأ ينبغي الأخذ بعين الاعتبار قاعدتين:

1- تحديد وقت العمل بالقانون الجديد:

وفق القاعدة الواردة في المادة 4 من القانون المدني فان القانون غير ملزم الا من تاريخ العلم به ، وذلك بعد مضي يوم كامل من تاريخ النشر في الجريدة الرسمية، وفي النواحي الأخرى بعد مضي كامل من تاريخ وصول الجريدة الرسمية لمقر كل دائرة.

2- تحديد وقت ارتكاب الجريمة: 

الأصل أن تحديد وقت ارتكاب الجريمة يكون وقت ارتكاب الفاعل للنشاط الإجرامي . إذ لا إشكال في الجرائم الوقتية التي يبدأ ارتكاب الفعل وينتهي في فترة محددة ، وبالتالي يطبق القانون الجديد وقت ارتكاب النشاط الإجرامي بغض النظر عن تحقق النتيجة الإجرامية . أما الجريمة المستمرة فالعمل المادي يستغرق وقت كجريمة إخفاء أشياء متحصلة من جناية أو جنحة . فان القانون الجديد يطبق بشأنها وقت اكتشافها ، لا وقت بدايتها. 

 غير أن قاعدة عدم الرجعية يرد عليه استثناء وهو قاعدة القانون الأقل شدة أو ما يعرف بالقانون الأصلح للمتهم، والذي نص عليه المشرع في المادة 2 بقوله: "لا يسري قانون العقوبات على الماضي إلا ما كان منه أقل شدة."ولتطبيق قاعدة رجعية القانون الأصلح للمتهم ينبغي توافر الشروط التالية:

1- التأكد من أن القانون الجديد فعلا أصلح للمتهم : 

ولتقدير ذلك من طرف القاضي الجزائي ينبغي مراعاة جانبي التجريم والعقاب ، فمن حيث التجريم يكون أصلح للمتهم إذا ألغى نص التجريم ، وبالتالي أباح الفعل المجرم، أو إذا أضاف مانعا من موانع العقاب أو سببا من أسباب الإباحة، أو أضاف ركنا من أركان الجريمة لم يكن موجودا من قبل، أو أعطى وصفا مغايرا للجريمة من جناية إلى جنحة أومن جنحة إلى مخالفة.

  أما من حيث العقوبة فيكون القانون الجديد أصلح للمتهم إذا عدل من مقدار العقوبة  كأن يخفض من الحد الأدنى أو الأقصى أو منهما معا ،أو أن ينص على التخيير بين عقوبتين بعدما كان ينص على الجمع بينهما، أو أن تصبح عقوبة حبس بدلا من السجن، أو الغرامة بدلا من الحبس، أو نص على العقوبة مع وقف التنفيذ.

2-لابد من صدور القانون الجديد قبل صدور حكم نهائي:

حتى يستفيد المتهم من القانون الجديد ، لابد أن يصدر القانون الجديد قبل صدور حكم نهائي في الدعوى ، ويرجع السبب في ذلك الى استقرار المراكز القانونية ، واحترام حجية الشئ المقضي به.

3- ألا يكون القانون القديم من القوانين المحددة المدة: 

المشرع الجزائري لم ينص على هذه الحالة لكنها تستشف من التشريعات المقارنة ، وبقصد بالقوانين المحددة المدة تلك التي تصدر لمواجهة حالة ظرفية استثنائية كوباء صحي أو حالة حرب تمر بها الدولة، فهذه القوانين يبطل العمل بها بانقضاء المدة المحددة لها، فالأفعال التي ترتكب بالمخالفة لهذه القوانين والمعتبرة جرائم لا يسري عليها مبدأ القانون الأصلح للمتهم.


سادسا: ضرورة تحديد مكان سريان النص الجنائي: 

مبدأ الشرعية الجنائية يحتاج في تطبيقه إلى تحديد الإقليم الذي يطبق عليه النص القانوني ، ذلك أنه لا يكفي ارتكاب الجريمة لتطبيق النص بل لابد من أن ترتكب في إقليم الدولة وهو ما يعرف بتطبيق القانون من حيث المكان بما يعرف بمبدأ الاقليمية ،ومفاد هذا المبدأ أن قانون العقوبات يطبق على كل الجرائم التي ترتكب داخل إقليم الدولة بصرف النظر عن جنسية الجاني أو المجني عليه ،ولا يمتد تطبيق النص العقابي إلى خارج إقليم الدولة حيث نصت المادة 3 من قانون العقوبات :" يطبق قانون العقوبات على كافة الجرائم التي ترتكب في أراضي الجمهورية ." أي على إقليم الدولة سواء كان إقليمها البري أو الجوي أو البحري .

لكن يثور إشكال حول ما إذا ارتكبت أحد عناصر الجريمة –الركن المادي- ، في إقليم الجزائر وعنصر آخر في إقليم دولة أخرى. فهنا  أي قانون يطبق ؟أجاب المشرع على هذا الاشكال في المادة 586 من قانون الإجراءات الجزائية التي جاء فيها:" تعد مرتكبة في الإقليم الجزائري كل جريمة يكون عمل من الأعمال المميزة لأحد أركانها المكونة لها ارتكب في الجزائر."

غير أن مبدأ الإقليمية لوحده غير كاف لضمان مكافحة الجرائم ، وعدم الإفلات من العقوبة . لذلك وردت مبادئ أخرى مكملة لمبدأ الإقليمية:

1-مبدأ شخصية  قانون العقوبات: ويقصد به تطبيق قانون العقوبات على الجرائم المرتكبة من قبل جزائري خارج إقليم الدولة . وهو ما يسمى بمبدأ الشخصية الايجابي نصت عليه المادة 582 من قانون الإجراءات الجزائية على أنه:" كل واقعة موصوفة بأنها جناية معاقب عليها في القانون الجزائري ارتكبها جزائري خارج إقليم الجمهورية الجزائرية يجوز أن يتابع ويحكم فيها بالجزائر."

غير أنه لا يجوز متابعته ومحاكمته إلا إذا عاد الجاني إلى الجزائر ولم يثبت أنه حكم عليه نهائيا في الخارج. وأن يثبت في حالة الحكم بالإدانة أنه قضى العقوبة أو سقطت عنه بالتقادم أو حصل العفو عنها."

كما نصت المادة 583 على أنه:" كل واقعة موصوفة بأنها جنحة سواء في نظر القانون الجزائري أم في نظر تشريع القطر الذي ارتكبت فيه يجوز المتابعة من أجلها ، والحكم فيها في الجزائر اذا كان مرتكبها جزائريا"

2-مبدأ عينية قانون العقوبات : بقصد بالمبدأ أنه يطبق قانون العقوبات الجزائري على الجرائم المرتكبة من طرف أجانب خارج الجزائر متى كانت ماسة بالمصالح الأساسية للدولة حيث ورد في المادة  588:" يجوز متابعة ومحاكمة كل أجنبي وفقا لأحكام القانون الجزائري ارتكب جريمة خارج الإقليم الجزائري بصفة فاعل أصلي أو شريك في جناية أو جنحة ضد أمن الدولة الجزائرية أو مصالحها الأساسية أو المحلات الدبلوماسية والقنصلية الجزائرية وأعوانها أو تزييفها للنقود أو أوراق مصرفية متداولة قانونا بالجزائر أو جناية أو جنحة ترتكب إضرارا بمواطن جزائري."


Modifié le: samedi 29 juin 2024, 18:36