المحاضرة الرابعة  : التجريم والعقاب في ضوء الضرورة والتناسب:

تقوم سياسة التجريم والعقاب على فكرة التوازن بين ضمان حق الدولة في العقاب من جهة، وضمان الحماية الدستورية للحقوق والحريات من جهة أخرى.

والدولة بطبيعة الحال من أجل ضمان حماية المجتمع تمتلك سلطة التجريم والعقاب بواسطة السلطة التشريعية الممثلة  للشعب، والتي لها وحدها هذا الحق كأصل عام.فالفرد باعتباره عضو في المجتمع عليه أن يراعي القواعد التي تضبط السلوكيات التي حددها المشرع. وفي نفس الوقت هذا الأخير ينبغي أن يضمن ممارسة الحقوق والحريات وفق مقتضيات المصلحة العامة ، وعليه فمسألة الحقوق والحريات لها مكانها في التشريع الجنائي. لكن التساؤل المطروح هو كيف يمكن الموازنة بين مقتضيات الضرورة الاجتماعية في التجريم والعقاب من جهة وحماية الحقوق والحريات المكرسة دستوريا من جهة أخرى؟

أولا: الضرورة الاجتماعية والتناسب لتحقيق التوازن المطلوب:

يقوم النظام القانوني في الدولة على فكرة التوازن بين الحقوق والحريات من جهة والمصلحة العامة من جهة أخرى.مما يحقق التناسب بين المسألتين.فالمصلحة العامة عادة تكون من خلال المحافظة على النظام العام الذي يقتضي تقييد حرية الفرد من خلال سياسة التجريم والعقاب ، فضرورة حماية المجتمع والحفاظ على النظام العام في حد ذاته قيمة دستورية لكن ينبغي أن لا يتسرع المشرع بالاكثار من استخدام هذا السلاح العقابي مما قد يؤدي الى ما يعرف بالتضخم العقابي الغير مستند الى ضرورة.ذلك أن الضرورة في التجريم تتحدد وفق الهدف منه ، فلا يجوز المساس بالحقوق والحريات من خلال التجريم الا اذا اقتضت ضرورة المصلحة العامة أو حماية الحقوق والحريات ذلك.فالتجريم الذي يتقرر بواسطة النصوص الجنائية هو من متطلبات الضرورة الاجتماعية ، والتي بدورها ليست ثابتة بل متغيرة بتغير الظروف والمصالح في المجتمع.

فبالمقابل الفرد يجد نفسه أمام مخاطر التجريم والعقاب الذي يعصف بالحقوق والحريات ، اذ لايجوز أن يتخذ من التجريم والعقاب كأداة لتهديد الحقوق والحريات الأساسية. اذ لابد من وجود تناسب بين قدر المساس بالحقوق والحريات والمصالح المحمية حتى يتحقق التوازن ولضمان وحدة النظام القانوني في حماية الحقوق والحريات والمصلحة العامة الأمر الذي من شأنه أن يحقق فكرة الأمن القانوني ، والتي هي من متطلبات دولة القانون ومظهرا من مظاهرها.

وفي تعريف فكرة التناسب فقد عرفها البعض على أنها:" الملاءمة التي يتخذها المشرع بين جسامة الجريمة وألم العقوبة للوصول الى الهدف المطلوب."كما عرف على أنه:" ارضاء لحاسة العدالة اذ يصبح الجزاء الجنائي عادلا حين يحقق التماثل بين الشر الذي يصيب المجتمع من وقوع الجريمة  ، والشر الذي تقرر انزاله بالجاني مرتكب الجريمة."

وبالرجوع الى مفهوم الضرورة والتناسب من الناحية التشريعية ، هو العلاقة بين سبب التشريع ومحله، أي مدى التوافق والتقارب بين الحالة الواقعية والقانونية التي دفعت بالمشرع وجعلته  يفكر في اصدار النص القانوني لتنظيم هذه الحالة  ، وبين موضوع التشريع أي الأثر المراد تحقيقه وفق متطلبات المصلحة العامة.

وتتحدد الضرورة في التجريم من خلال الهدف من التجريم الذي يتعين أن يكون موجها  أساسا لحماية المصلحة العامة أو الحقوق والحريات من كل ضرر أو خطر.اذ لابد أن تكون المصلحة جديرة بالحماية فعلا.فالضرورة يجب أن تقدر بقدرها،كما يجب مراعاة التناسب بين الحقوق والحريات المحمية دستوريا وما يلحقها من ضرر أو خطر.

ونفس الأمر بالنسبة للعقوبات التي ينبغي أن تكون متناسبة مع الهدف من التجرم والعقاب . فحقوق الانسان لا ينبغي التضحية بها من غير ضرورة تمليها المصلحة الاجتماعية لها اعتباراتها.

 ثانيا: تطور مفهوم فكرتي الضرورة والتناسب:

وسيتم معالجة ذلك من حلال الوقوف على عدة مذاهب حاولت التأسيس لمفهوم الضرورة والتناسب:

1-المفهوم التقليدي: 

ارتبط تطور مفهوم الضرورة والتناسب بتطور قانون العقوبات ، حيث كانت فكرة الانتقام السائدة في المجتمعات البدائية هي التي تؤسس لمفهوم الضرورة والتناسب.

وقد انعكست هذه المبادئ على السياسة الجنائية التقليدية ، والتي ظهرت منذ ظهور أفكار مونتيسكيو في كتابه روح القوانين لعام 1748 وروسو وبيكاريا وغيرهم . وقد كان الفضل لبيكاريا في التعبير عن التجريم القائم على سيادة القانون في كتابه الجرائم والعقوبات لسنة 1764. والذي استهدف اخضاع سلطة الدولة في العقاب لمجموعة من الضمانات منها مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات وأن تتقرر العقوبة بالقدر الضروري لتحقيق أهداف قانون العقوبات . وعلى هذا الأساس دعا بيكاريا المشرع الى الغاء كل ماهو غير ضروري من عقوبات والمتمثل أساسا في العقوبات الأشد قسوة ، وأن وظيفة العقوبة هي تحقيق الردع العام وكذلك الزجر للمجرم نفسه من خلال الردع الخاص ،معتبرا أن منع الجريمة والحد منها لا يكون بشدة العقوبة بقدر ماهو مرتبط بالعقاب اليقيني.مؤكدا على أن العقوبة لابد أن تكون نافعة وأن ذلك لن يتحقق الا إذا كانت متناسبة مع حجم الضرر الذي أحدثته في المجتمع.

وعليه فمفهوم الضرورة والتناسب في السياسة الجنائية التقليدية يقوم على اعتبارات مبدأ الشرعية القائمة على سيادة القانون من جهة ، واعتبارات مادية مرتبطة بحجم الضرر الذي ألحقته بالمجتمع بغض النظر عن شخص المجرم.ففي نظر هذه المدرسة المجرم خالف ارادة العقد الاجتماعي ، لذلك لابد من المساواة بين جميع المجرمين الذين يتمتعون بالادراك والتمييز أي اعتماد مبدأ العقوبة ذات الحد الواحد، فالقاضي دوره تطبيق العقوبة المقررة قانونا دون النظر الى ظروف كل مجرم على حدى أي عدم الأخذ بالتفريد العقابي.

2-مفهوم الضرورة والتناسب وفق السياسة الجنائية التقليدية الحديثة:

جاءت السياسة الجنائية التقليدية الجديدة (النيوكلاسيكية )لتنظر للمجرم من حيث عوامل شخصية مثل سنه وتعلمه وسوابقه وميولاته. على اعتبار أن من العدالة عدم معاقبة المجرمين بنفس قدر من العقاب اذا اختلفت الظروف الشخصية. وعليه تغير معيار تناسب العقوبة إذ أصبح قائما على معيار العدالة إذ لا يجوز أن تزيد العقوبة عن ماهو عادل.

3-المفهوم الوضعي للضرورة والتناسب:

سيطر المفهوم التقليدي للضرورة والتناسب في التجريم والعقاب في التشريعات العقابية خلال القرن التاسع عشر. الى أن ظهرت أفكار المدرسة الوضعية على يد لومبروزو عام 1881. وقد ركزت المدرسة الوضعية على أساسين الأول أن المجرم ليس حرا في ارتكاب أفعاله والثاني: أن المجرم تتوفر لديه خطورة اجرامية تتطلب ردة فعل ، وعليه وفق هذه المدرسة لايوجد مسؤولية أخلاقية مستندة الى حرية الاختيار ، بل مسؤولية قانونية أو اجتماعية يكون الانسان بموجبها مسؤولا كعضو في المجتمع  سواء أكان متوافرا على الادراك والتمييز ، أو اعترضه عارض من عوارض الأهلية .ومن هذا المنطلق ظهرت أفكار المسؤولية الشخصية وفكرة التدابير المانعة للجريمة قبل وقوعها ونظام التدابير الاحترازية أين تأثرت تشريعات القرن العشرين بالسياسة الجنائية الوضعية فعرفت نظام التدابير الاحترازية اذ كان لها الفضل في توجيه المشرع نحو شخص المجرم بعد أن كانت منحصرة في الفعل الاجرامي.

4-تطور مفهوم الضرورة والتناسب في السياسة الجنائية  الحديثة:

يتضح من بيان كل من السياسة الجنائية التقليدية والتقليدية الجديدة والسياسة الجنائية الوضعية أن مفهوم الضرورة في السياسة الجنائية الأولى يرتكز على مجرد ماديات الجريمة دون النظر الى شخصية الجاني، وأن التناسب بين الجريمة والعقوبة  يتصف بالتجريد والمساواة لتحقيق الردع العام.الا أن الافراط في المساواة أدى الى عدم التناسب بين العقوبة والجريمة . لتحاول السياسة الجنائية التقليدية الجديدة (نيو كلاسيك) تلافي هذا العيب فنادت بمراعاة هذه الظروف عند فرض العقوبة ، الا أنه رغم ذلك فان السياسة الجنائية التقليدية والتقليدية الجديدة لم تقدم نموذجا صالحا لقيام الضرورة والتناسب على اعتبارات سليمة .  

تحت تأثير الانتقادات السابقة ظهرالاتحاد الدولي لقانون العقوبات الذي أنشئ عام 1880.وعقد عدة مؤتمرات دولية على يد عدة فقهاء منهم البلجيكي برنس، والألماني لست، والهولندي هامل. وقد اعترفت بالعقوبة لتحقيق الردع العام مع نظام التفريد التنفيذي العقابي لاصلاح المجرم أو استبعاده كما اعترف بالتدابير الاحترازية عندما تعجز العقوبة عن مواجهتها لكن اشترطت ضرورة فرضها بحكم قضائي وبناء على قانون.

وبتأثير أفكار علم الاجرام ظهرت حركة الدفاع الاجتماعي على يد جراماتيكا مؤسس مركز دراسات الدفاع الاجتماعي ، اذ نادى بوجوب حماية المجتع من المجرمين من خلال اعادة التأهيل الاجتماعي باعتبار المجتمع مسؤول عن انحراف البعض.والملاحظ على فكر جراماتيكا أنه ركز على واجب الدولة في التأهيل الاجتماعي للفرد بدلا من حقها في العقاب الذي لم يعترف به.

وفي عام 1954 ظهرت حركة الدفاع الاجتماعي الجديد على يد مارك أنسل الذي جمع بين أفكار المدرسة الوضعية وحماية الحقوق والحريات. اذ أخذ بأفكار المدرسة الوضعية من خلال ضرورة مراعاة شخصية المجرم لتحقيق الردع الخاص، وبضرورة احترام حقوق الانسان والاعتداد بارادته الحرة كأساس المسؤولية الجنائية.

وفي الواقع أن الضرورة التي تدعو الى فرض عقوبة سالبة للحرية مبنية على أربع متطلبات: حماية المجتمع، معاقبة الجاني، اصلاح المحكوم عليه، اعادة الاندماج المحتمل داخل المجتمع.

 

 


Modifié le: samedi 27 avril 2024, 23:33