المحور الثاني: الشرعية الدستورية في قانون الإجراءات الجزائية:

بعد التطرق في المحور الأول الى الشرعية الجنائية في قانون العقوبات ، سيتم في المحور الثاني تناول الشرعية الدستورية الاجرائية ، اذ ترتكز الشرعية الدستورية في قانون الاجراءات الجزائية على ضمانات دستورية لابد أن يتقيد بها المشرع في قانون الاجراءات الجزائية والقاضي الجزائي في مختلف مراحل الدعوى العمومية ، ولعل أبرز هذه الضمانات قرينة البراءة ، وضمانات المحاكمة العادلة أو المنصفة .

المحاضرة الخامسة: الأصل في المتهم البراءة (مفهوم قرينة البراءة)

إن حماية الحقوق والحريات التي يقررها الدستور ، يفترض البراءة في المتهم من حيث الأصل ، ذلك أن قاعدة شرعية الجرائم والعقوبات أكدت أن الأصل في الأشياء الإباحة وأن الاستثناء هو التجريم والعقاب، وعليه لا تنتفي البراءة إلا عندما يخرج الإنسان من دائرة الإباحة إلى دائرة التجريم. 

أولا: تعريف قرينة البراءة:

وجدت عدة تعريفات فقهية بقرينة البراءة إذ عرفت على أنها:"التعامل مع شخص المتهم على أنه برئ مهما بلغت جسامة الجريمة المنسوب إليه ارتكابها، وفي أي مرحلة من مراحل الدعوى سواء في مرحلة الاستدلال أو التحقيق أو المحاكمة ، إلى أن يصدر حكم قضائي بات بإدانته لايمكن الطعن فيه ، مع توافر الضمانات القانونية لهذا الشخص في كافة مراحل الدعوى."

وعليه فالأصل في المتهم البراءة يعني ضرورة معاملة المتهم وكأنه بريء وبالتالي تمتعه كأصل عام بجميع الحقوق والحريات المكرسة دستوريا.

وعلى ذلك فقرينة البراءة هي استنتاج المجهول من المعلوم ، والمعلوم هو الأصل في الأشياء الإباحة ، مالم يتقرر العكس بحكم قضائي وبناء على نص قانوني ، والمجهول المستنتج هو البراءة حتى تثبت الإدانة بحكم قضائي نهائي.

وبهذا يلعب مبدأ قرينة البراءة دورا مزدوجا من خلال أنه يعتبر من القواعد التي تحكم مراحل الخصومة الجنائية ، مما يقتضي عدم وصف المتهم بأوصاف الإدانة طيلة مراحل الخصومة الجنائية.ومراعاة جميع ضمانات المحاكمة العادلة ، أما الدور الثاني للمبدأ فمرتبط بالإثبات الجنائي ، ويقصد به إعفاء المتهم من إثبات براءته ، وأن اليقين القضائي هو أساس الحكم بالإدانة.

ثانيا: الأسس التي تبنى عليها قرينة البراءة:

1- قرينة البراءة في الشريعة الاسلامية 

بالرجوع إلى الشريعة الإسلامية ، نجد أنها كرست مفهوم قرينة البراءة ، فمن القران الكريم قوله تعالى:" ياأيها الذين امنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ." سورة الحجرات الآية 6.وقوله تعالى:" وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وان الظن لا يغني من الحق شيئا." سورة النجم الآية 28.

 ومن السنة النبوية قوله عليه الصلاة والسلام:" ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فان كان له مخرجا فاخلو سبيله ، فان الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة."

2- قرينة البراءة في المواثيق الدولية:

اهتمت المواثيق الدولية بقرينة البراءة ، فقد ورد النص عليه في إعلان حقوق الإنسان والمواطن لعام 1789 في المادة 9 والمادة 11 /1 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 إذ نصت على أنه:" كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته قانونا."والمادة 14 من العهد الدولي من الحقوق المدنية والسياسية وغيرها.

3-  قرينة البراءة في الدستور الجزائري: 

تستمد قرينة البراءة أساسها في المجال الجنائي من الدستور ، إذ تبنى المؤسس الدستوري قرينة البراءة في جميع الدساتير الجزائرية، إلا أنه في دستور 1963 لم ينص عليها بصورة صريحة، أما دستور 1976 فقد تناول المبدأ في المادة 46 التي جاء فيها:" كل فرد يعتبر بريئا ، في نظر القانون ، حتى يثبت القضاء إدانته طبقا للضمانات التي يفرضها القانون."

أما دستور 1989 فقد نص عليه في المادة 42 اذ جاء فيها:" كل شخص يعتبر بريئا حتى تثبت جهة قضائية نظامية إدانته ، مع كل الضمانات التي يتطلبها القانون."

كما كرسه دستور 1996 في المادة 45 بقولها:" كل شخص يعتبر بريئا ، حتى تثبت جهة قضائية نظامية إدانته، مع كل الضمانات التي يتطلبها القانون."

وفي التعديل الدستوري 2016 ورد النص على المبدأ في المادة 56 بقولها:" كل شخص يعتبر بريئا حتى تثبت جهة قضائية نظامية إدانته ، في إطار محاكمة عادلة ، تؤمن له الضمانات اللازمة للدفاع عن نفسه."

أما التعديل الدستوري الأخير لسنة 2020  فقد نص على المبدأ في المادة 41 بنصها:" كل شخص يعتبر بريئا ، حتى تثبت جهة قضائية إدانته في إطار محاكمة عادلة.

4-قرينة البراءة في قانون الإجراءات الجزائية:

لم ينص المشرع الجزائري صراحة على قرينة البراءة إلا بعد تعديله بموجب القانون 17-07 المعدل والمتمم للأمر 66-156 المتضمن قانون الاجراءت الجزائية، إذ ورد ذلك في نص المادة الأولى بنصها:"يقوم هذا القانون على مبادئ الشرعية والمحاكمة العادلة واحترام كرامة وحقوق الإنسان ويأخذ بعين الاعتبار على الخصوص :

-أن كل شخص يعتبر بريئا مالم يثبت إدانته بحكم قضائي حائز لقوة الشئ المقضي فيه...."

وبالرجوع إلى اعتبارات الأخذ بقرينة البراءة لعل أبرزها مايلي:

-حماية أمن الأفراد  وحريتهم الشخصية ضد تحكم السلطة عن افتراض الجرم في حق المتهم  

-قرينة البراءة من شأنها أن تجنب الكثير من الأضرار التي يصعب تعويضها في حالة ثبوت براءة المتهم.

-الأخذ بقرينة البراءة يسهم في تفادي الأخطاء القضائية بإدانة الأبرياء خاصة وأنها تؤدي إلى فقدان الثقة في النظام القضائي في الدولة.

 ثالثا:النتائج المترتبة على قرينة البراءة:

يترتب على تطبيق مبدأ الأصل في المتهم البراءة جملة من النتائج القانونية الهامة أبرزها:

1- حماية الحرية الشخصية للمتهم:

من مقتضيات قرينة البراءة أن المتهم برئ حتى تثبت ادانته ، وعلى هذا الأساس يجب معاملته في جميع مراحل الدعوى العمومية بصرف النظر عن خطورة الجريمة ونوعها والعقوبة المقررة لها، وبغض النظر عما اذا كان المتهم مبتدئ أو معتاد الاجرام.لكن عند متابعة المتهم تظهر مصلحتان الأولى تتمثل في المصلحة العامة ، وهي قرينة موضوعية غايتها اقتضاء حق المجتمع في العقاب، أما المصلحة الثانية فتتمثل في حماية الحرية الشخصية وهي قرينة قانونية على براءة المتهم ، وللتوفيق بين قرينة البراءة وحق المجتمع في العقاب ، لابد من تأطير ضمانات المتهم بقرينة البراءة حتى تتم المحافظة عليها من خطر الاخلال بها.وعليه ما يلاحظ أنه لابد من خلق توازن بين قرينة موضوعية تتمثل في حق المجتمع في العقاب من جهة، وقرينة قانونية التي تقضي ببراءة المتهم حتى تثبت ادانته. ولتحقيق هذه الموازنة لابد من ايجاد ضمانات اجرائية ضد أي اجراء يتخذ في حق المتهم في اطار حماية الحرية الشخصية للمتهم.كالاجراءات التي أحاطها المشرع مثلا باجراء التوقيف للنظر، أو الحبس المؤقت كما سيأتي بيانه لاحقا وما الى ذلك من اجراءات.

 2- الشك يفسر لمصلحة لمتهم:

من متطلبات قرينة البراءة ، أن الشك لابد أن يفسر لمصلحة المتهم ، وأن الادانة في المسائل الجزائية لابد أن تبنى على اليقين والجزم، وليس مجرد التخمين والظن. فلا بد من توافر أدلة وحجج قطعية ، ومن هنا يتضح أن الحكم بالادانة يختلف عن الحكم بالبراءة ، حيث يجب أن يحتوي الحكم بالادانة على أدلة قطعية ، في حين أنه يكفي للحكم ببراءة المتهم مجرد تشكيك المحكمة في أحد أدلة الاثبات المتوفرة لديها.

3- عب الاثبات يقع على عاتق النيابة العامة: 

على اعتبار أن الأصل في المتهم البراءة ، فعلى من يدعي العكس أن يثبت ذلك ، ومن ثمة عدم مطالبة المتهم بتقديم أي دليل على براءته.

 

 

 

 

 

 

 

آخر تعديل: الثلاثاء، 26 مارس 2024، 12:10 AM