الضمانات المقررة لحماية قرينة البراءة
المحاضرة السادسة: ضمانات المقررة لحماية قرينة البراءة (الضمانات المقررة في مرحلة التحري الأولي):
أقر المشرع الجزائري تجسيدا للشرعية الدستورية الإجرائية جملة من الضمانات مقررة للمتهم لحماية المبدأ الدستوري -قرينة البراءة-.
وسيتم معالجة هذه الضمانات على مرحلتين الأولى في مرحلة التحري الأولي والثانية في مرحلة التحقيق الابتدائي.
تعرف مرحلة التحري الأولي على أنها مجموعة من الإجراءات التي يقوم بها ضباط الشرطة القضائية عند علمهم بارتكاب الجريمة ، وتكون من خلال البحث عن الدلائل والقرائن التي تثبت ارتكاب الجريمة ، والبحث عن الفاعل والقبض عليه واثبات ذلك في محاضر تمهيدا للتصرف في الدعوى من طرف النيابة ، وهو ما نصت عليه المادة 12 من قانون الإجراءات الجزائية بقولها:" يناط بالشرطة القضائية مهمة البحث والتحري عن الجرائم المقررة في قانون العقوبات وجمع الأدلة عنها، والبحث عن مرتكبيها مادام لم يبدأ فيها بتحقيق قضائي ".
وبالرجوع إلى إجراءات التوقيف للنظر فقد أحاطه المشرع بمجموعة من الضمانات حتى لا يكون في ذلك مساس بالحرية الشخصية للمتهم، على اعتبار أن ضمان حماية الحرية الشخصية يعتبر من أهم النتائج المترتبة على قرينة البراءة . وللحفاظ على هذه الحرية ، وفي نفس الوقت ضمانا لعدم إهدار حق المجتمع في العقاب لابد من إحاطة هذا الإجراء بمجموعة من الضمانات.والتي تعتبر تكريسا لمبدأ الشرعية الدستورية في المجال الاجراءات الجزائية . حيث أنه بالرجوع الى المادة 44 وما يليها من التعديل الدستوري لسنة 2020 نجدها تنص عبى مجموعة من الضمانات الدستورية في مجال المتابعة الجزائية وتحديدا مرحلة التحري الأولي . حيث نصت المادة 44 على أنه :" لا يتابع أحد ولا يوقف أو يحتجز الا ضمن الشروط المحددة بالقانون ، وطبقا للأشكال التي نص عليها.
لتؤكد نفس المادة في الفقرة الثانية على ضرورة تسبيب التوقيف للنظر بنصها:يتعين اعلام كل شخص موقوف بأسباب توقيفه."
كما نصت المادة 45 من الدستور على مدة التوقيف للنظر وحقوق الشخص الموقوف للنظر حيث نصت على أنه:"يخضع التوقيف للنظر في مجال التحريات الجزائية للرقابة القضائية ، ولا يمكن أن يتجاوز مدة 48 ساعة.
يملك الشخص الذي يوقف للنظر حق الاتصال فورا بأسرته
يجب اعلام الشخص الذي يوقف للنظر بحقه أيضا في الاتصال بمحاميه، ويمكن القاضي أن يحد من ممارسة هذا الحق في اطار ظروف استثنائية ينص عليها القانون.
لايمكن تمديد مدة التوقيف للنظر الا استثناء ، ووفقا للشروط المحددة بالقانون
عند انتهاء مدة التوقيف للنظر ، يجب أن يجرى فحص طبي على الشخص الموقوف ،ان طلب ذلك ، على أن يعلم بهذه الامكانية في كل الحالات.
يخضع القصر للفحص الاجباري...."
تجسيدا لهذه الأجكام الدستورية ، حرص المشرع في قانون الاجراءات الجزائية على تفصيل هذه الضمانات ، تكريسا للشرعية الدستورية من جهة ، و لحماية قرينة البراءة من جهة والتي تعتبر من مقتضيات الشرعية الاجرائية.
1-تحديد حالات التوقيف للنظر:
حددت المادة 51 من ق ا ج الحالات التي يجوز فيها اتخاذ إجراء التوقيف للنظر حيث نصت على أنه:" إذا رأى ضابط الشرطة القضائية لمقتضيات التحقيق أن يوقف شخصا أو أكثر للنظر ممن أشير إليهم في المادة 50 ، توجد ضدهم دلائل تحمل على الاشتباه في ارتكابهم جناية أو جنحة يقرر لها القانون عقوبة سالبة للحرية ، فعليه أن يبلغ الشخص المعني بهذا القرار ويطلع فورا وكيل الجمهورية ..."
وعليه ما يلاحظ على نص المادة أن المشرع قد حصر الأشخاص المعنيين بإجراء التوقيف للنظر ،ويتعلق الأمر بالأشخاص المشتبه ارتكابهم جناية أو جنحة يقرر لها القانون عقوبة سالبة للحرية.مع ضرورة تبليغ المعني بالأمر كضمانة أخرى لهذا الإجراء.
كما يمكن اتخاذ إجراء التوقيف للنظر إذا دعت إلى ذلك مقتضيات تنفيذ الإنابة القضائية وهو ما نصت عليه المادة 141 بقولها:"إذا اقتضت الضرورة لتنفيذ الإنابة القضائية ، أن يلجأ ضابط الشرطة القضائية لتوقيف شخص للنظر ، فعليه حتما تقديمه خلال ثمان وأربعون ساعة إلى قاضي التحقيق في الدائرة التي يجري فيها تنفيذ الإنابة..."
2-تحديد الأشخاص الموكول لهم إجراء التوقيف للنظر:
أقر المشرع في المادة 51 أن إجراء التوقيف للنظر موكول لضباط الشرطة القضائية فقط وبالرجوع إلى المادة 15 فقد حددت على سبيل الحصر الأشخاص الذين يتمتعون بصفة ضباط شرطة قضائية حيث جاء فيها:"يتمتع بصفة ضابط شرطة قضائية :
رؤساء المجالس الشعبية البلدية
ضباط الدرك الوطني
الموظفون التابعون للأسلاك الخاصة للمراقبين، ومحافظي وضباط الشرطة للأمن الوطني
ضباط الصف الذين أمضوا في سلك الدرك الوطني ثلاث سنوات على الأقل ، وتم تعيينهم بموجب قرار مشترك صادر عن وزير العدل حافظ الأختام ، ووزير الدفاع الوطني بعد موفقة لجنة خاصة.
الموظفون التابعون للأسلاك الخاصة للمفتشين وحفاظ وأعوان الشرطة للأمن الوطني الذين أمضوا ثلاث سنوات على الأقل بهذه الصفة والذين تم تعيينهم بموجب قرار مشترك صادر عن وزير العدل ووزير الداخلية والجماعات المحلية ، بعد موافقة لجنة خاصة.
ضباط وضباط الصف التابعين للمصالح العسكرية للأمن الذين تم تعيينهم خصيصا بموجب قرار مشترك صادر عن وزير الدفاع الوطني ووزير العدل."
3-تسجيل كافة الإجراءات المتخذة خلال التوقيف للنظر:
ألزم المشرع ضباط الشرطة القضائية بتسجيل كافة الاجراءت المتخذة من قبلهم خلال التوقيف للنظر حيث نصت المادة 18 على أنه:" يتعين على ضباط الشرطة القضائية أن يحرروا محاضر بأعمالهم وأن يبادروا بغير تمهل إلى إخطار وكيل الجمهورية بالجنايات والجنح التي تصل إلى علمهم..."
كما ألزمت المادة 52 ضابط الشرطة القضائية بتحرير محضر سماع يتضمن مدة استجوابه وفترات الراحة التي تخللته واليوم والساعة الذين أطلق سراحه فيه ، أو قدم إلى القاضي المختص.
كما يجب أن يدون على هامش المحضر توقيع الموقوف للنظر ويشار فيه إلى امتناعه ، ووجوب بيان أسباب توقيف الشخص للنظر، مع ضرورة ذكر هذا البيان في سجل خاص ترقم وتختم صفحاته ويوقع عليه من قبل وكيل الجمهورية ،ويوضع لدى مراكز الشرطة أو الدرك التي يحتمل أن تستقبل شخصا موقوفا للنظر.
4-تحديد حالات تمديد إجراء التوقيف للنظر:
الأصل العام أنه لاينبغي أن يتجاوز التوقيف للنظر 48 ساعة ،حيث نصت المادة 51 على أنه:" ...لايجوز أن تتجاوز مدة التوقيف للنظر 48 ساعة
...يمكن تمديد آجال التوقيف للنظر بإذن مكتوب من وكيل الجمهورية المختص :
-مرة واحدة عندما يتعلق الأمر بجرائم الاعتداء على أنظمة المعالجة الآلية للمعطيات.
مرتين إذا تعلق الأمر بالاعتداء على أمن الدولة.
ثلاث مرات إذا تعلق الأمر لجرائم المتاجرة بالمخذرات.والجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية وجرائم تبييض الأموال والجرائم المتعلقة بالتشريع الخاص بالصرف.
خمس مرات إذا تعلق الأمر بجرائم موصوفة بأفعال إرهابية أو تخريبية."
5-تحديد الأماكن المخصصة للتوقيف للنظر:
وفق ماجاء في المادة 52 فانه لايتم التوقيف للنظر إلا في أماكن معلومة مسبقا من طرف النيابة العامة ومخصصة لهذا الغرض ، تضمن احترام كرامة الإنسان .مع تبليغ وكيل الجمهورية بالأماكن المخصصة للتوقيف للنظر المختص إقليميا ، الذي يمكنه أن يزورها في أي وقت.
6-حق الموقوف للنظر في الاتصال والزيارة:
وفق ما جاء في المادة 51 مكرر 1 يلزم ضباط الشرطة القضائية وضع تحت تصرف الموقوف للنظر كل وسيلة تمكنه من الاتصال فورا بأحد أصوله أو فروعه أو إخوته أو زوجه حسب اختياره ، وتلقي زيارته أو الاتصال بمحاميه ، مع مراعاة سرية التحريات.
وإذا كان الموقوف للنظر أجنبيا ، يضع تحت تصرفه كل وسيلة تمكنه من الاتصال فورا بمستخدمه أو الممثلية الدبلوماسية أو القنصلية لدولته بالجزائر.
7-الحق في الخضوع للفحص الطبي:
ألزمت المادة 51 مكرر 1 فحص الموقوف للنظر وجوبا بعد انقضاء مواعيد التوقيف للنظر إذا ما طلب ذلك مباشرة أو بواسطة محاميه أو عائلته.