المحاضرة الخامسة: التهديدات الأمنية الجديدة

تعريف الأمن:

       عرف باري بوزان Barry Buzan الأمن بأنه العمل على التحرر من التهديد ويشير حسبه من الناحية الدولية بأنه قدرة المجتمعات والدول على الحفاظ على كيانها وتماسكها الوظيفي ضد قوى التغيير، وقد ميز  بين خمسة أبعاد للأمن:

1_ البعد العسكري: يشير إلى القدرات الدفاعية والهجومية للدول وإلى مدركات الدول لنوايا بعضها البعض.

2_ البعد السياسي: يشير إلى استقرار الدول ومدى التزامها بمتطلبات التنمية السياسية

3_ البعد الاقتصادي: يدل على قوة الدولة ومدى اكتفائها ذاتيا، وبأن تكون من الدول التي تصنف مع الدول الرائدة اقتصاديا.

4_ البعد الاجتماعي: تشير  إلى مدى حفاظ المجتمع على خصوصياته الثقافية، اللغوية، الدينية وبما يضعها في عجلة تطور المجتمعات.

تطور واتساع مفهوم الأمن:

      حسب النظرية الواقعية التي تعتبر  من أبرز النظريات الكاشفة لطبيعة السلوك الدولي فإن الدراسات الأمنية تأثرت أيما تأثير بهذا المنظور، كون أن  الدولة هي الداعم الرئيسي والضامن الحقيقي للأمن والتي تتكفل من جهة أخرى بحماية السيادة الوطنية والأمن القومي ، ولكن يبقى هذا الطرح صالح فقط في الصراعات الشاملة بين الجماعات والدول على المستوى العالمي، واعتبار أن هذه الأخيرة هي وحدة التحليل الأساسية، غير  أن التحولات التي شهدتها البيئة الدولية بعد نهاية الحرب الباردة طرحت إشكالية رئيسية في مدى بقاء الدولة كوحدة تحليل أساسية في ظل تغير طبيعة مصادر التهديد التي لم تعد تستهدف الدولة ككيان فقط وانتقلت إلى استهداف الكيانات البشرية والفرد في حد ذاته، وهو ما يمكن التعبير عنه حسب الدراسات الأمنية الحديثة من خلال الجدول التالي بتحديد طبيعة الأطراف المعنية بالأمن وطبيعة القيم المهددة :

 

الكيان موضوع الأمن

القيم المهددة

الدولة

السيادة و القوة

المجموعة

الهوية

الفرد

الرفاه و البقاء

 

    وعليه حسب الباحث باري بوزان الذي سبقت الإشارة إليه فإن التهديدات التي تواجه المجتمع هي التناقضات على مستوى اللغة، الدين، الثقافة، الهوية بحيث تظهر مجموعات مختلفة ومتناقضة في الوقت نفسه تهدد التماسك المجتمعي الداخلي وتنتج مأزقا أمنيا داخليا، هذه الحالة هي الأخرى تؤثر على حياة الفرد وحريته وحتى بقائه مما يستدعي النزول في مستويات التحليل إلى المستوى الأخير الذي يركز على الفرد كوحدة للتحليل من أجل البحث على ما اصطلح عليه بالأمن الإنساني.

أنواع التهديدات الأمنية الجديدة:

يمكن رصد هذه التهديدات حسب وثيقة الاستراتيجة الامنية الاوروبية في الآتي:

1- الارهاب الدولي:

يعتبر مفهوم الإرهاب من المفاهيم المطاطية والمميعة في العلوم السياسية كونه يخضع للتوازنات والأقطاب الدولية المسيطرة بما يعني التدقيق في مفهومه ومعانيه يخضع لرؤية ومصالح الأطراف المهيمنة على النظام الدولي، ولم يتم التوصل إلى يومنا هذا إلى تعريف شامل ومتفق عليه، إلا أنه من الضروري الخروج من هذا اللبس بتقديم أهم تعاريف الباحثين والأكاديميين الذين تناولوا الظاهرة بموضوعية  بوصفه بأنه استخدام العنف من أجل تحقيق أهداف سياسية سواء كان مصدر العنف جهة رسمية أم غير رسمية، أما بالنسبة للإرهاب الدولي فيعتبر نوعا من أنواع الإرهاب الجديد الذي يصنف ضمن الجيل الثالث في تطور الظاهرة الإرهابية، وهو ما شهدته أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر والتي اتسمت بالتطرف الديني والقومي، ثم انتشرت الظاهرة في أمريكا اللاتينية والمنطقة العربية خلال سبعينيات القرن الماضي كنوع ثاني ، أما الجيل الثالث منها فقد ظهرمع مطلع التسعينيات من القرن الماضي، فأصبحنا نعرف ما عرف بتنظيم القاعدة، وبعد أحداث الحادي عشرة من سبتمبر 2001 التي ضربت الولايات المتحدة الأمريكية أخذت ظاهرة الإرهاب منعرجا هاما بحيث دخل مفهوم "الحرب على الإرهاب" قاموس الحياة السياسية بسبب الحملة التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية ضد تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن، وأحدثت حتى تصنيفا للدول منها الصديقة لأمريكا ومنها الدول المارقة التي اتهمتها بالدول الحاضنة للإرهاب.

2- أسلحة الدمار الشامل:

يعتبر اكتساب أسلحة الدمار الشامل نقلة نوعية في مجال تكنولوجيا اكتساب الأسلحة بالنسبة للدول بصفة عامة، وهذا نظرا للقيمة الاستراتيجية التي يمنحها هذا السلاح للدولة التي تكتسبه، وما زاده قيمة واهتماما أكثر بعد قدراته التدميرية الهائلة والتي وضحتها الصورة التدميرية لمدينتي هيروشيما وناكازاكي في الحرب العالمية الثانية هو سعي الكثير من الدول إلى الدخول إلى النادي النووي لتحقيق ما عرف بالتكافوْ الاستراتيجي، إضافة إلى السعي الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في منع انتشار  هذا السلاح ومنع اكتسابه خاصة من طرف الدول العربية والإسلامية، والتخوف أكثر  من احتمالية  حصول التنظيمات الإرهابية على هذه الأسلحة و استخدامها بطريقة فوضوية لضرب مصالح الدول.

3  -الهجر ة غير الشرعية:

        أصبحت هذه الظاهرة مصدر تهديد حقيقي سواء بالنسبة لدول المصدر التي تفقد طاقات تنموية يتم الاستفادة منها واستغلالها في الاقتصاد الوطني  وبناء الدولة الوطنية بصفة عامة ، أو  بالنسبة للدول المستقبلة التي عانت في الكثير  من الفترات من انتشار هذه الظاهرة التي فرضت عليها في الكثير من الأحيان اتخاذ تدابير  وإجراءات وقائية نظرا لازدياد إمكانية انضمام المهاجرين غير الشرعيين إلى الشبكات الإجرامية وحتى استغلالهم من طرف التنظيمات الإرهابية، وهو ما يستدعي ضرورة اتخاذ السياسات الملائمة من الطرفين من أجل حل هذه الظاهرة.


آخر تعديل: الجمعة، 19 أبريل 2024، 5:48 PM