المحاضرة الثامنة: ضمانات المحاكمة العادلة(الخاصة بالمتهم ذات صلة بالقاضي-ضمانات المحاكمة العادلة ذات صلة بمجريات المحاكمة):

يعتبر حق المتهم في محاكمة عادلة من حقوق الإنسان التي كرسته المواثيق الدولية والتشريعات العقابية، والتي تستمد قوتها من المبادئ العامة للقانون.

ويقصد به تلك المكنة التي تستوجب مقاضاته بشأن الاتهام الجنائي الموجه إليه ، أمام محكمة مستقلة محايدة منشأة بموجب القانون قبل اتهامه، طبقا لإجراءات العلانية ، مع احترام حق الدفاع عن نفسه وتمكينه من مراجعة الحكم الصادر ضده والطعن فيه . وكل ذلك مستند على مقتضيات قرينة البراءة التي يتمتع بها طيلة مراحل المتابعة الجزائية.

وعلى ذلك تتعدد أوجه الحماية الإجرائية المقررة للمتهم في إطار المحاكمة العادلة.

أولا: الضمانات القضائية الإجرائية الخاصة بالمتهم ذات صلة بالقاضي:

1-استقلالية القاضي الجزائي:

يقصد باستقلالية القاضي الجزائي تحرره من أي مؤثرات خارجية .فتحقيق العدالة لا يكون إلا باستقلال القضاء . وقد نص الدستور على استقلالية القضاء .فبالرجوع إلى المادة 163 من التعديل الدستوري 2020 نصت على مايلي:"القضاء سلطة مستقلة."كما نصت المادة 173 على أنه:" يمتنع القاضي عن كل ما يخل بواجبات الاستقلالية والنزاهة ، ويلتزم بواجب التحفظ."كما نص الدستور في المادة 178  على أن القانون يعاقب على كل مساس باستقلالية القاضي أو كل ما يعرقل حسن سير العدالة وتنفيذ قراراتها. 

وتفعيلا للحماية الدستورية لمبدأ استقلالية القضاء نص المشرع في المادة 144 من القانون 20-06 المعدل والمتمم للأمر 66-156 المتعلق بقانون العقوبات على عقوبة الحبس من 6 أشهر إلى 3 سنوات وغرامة من 100.000دج إلى 500.000دج أو إحدى هاتين العقوبتين كل من أهان قاضيا...بالقول أو الإشارة أو التهديد أو بإرسال أو تسليم أي شئ إليهم أو الكتابة أو الرسم غير العلني أثناء تأدية وظائفهم أو بمناسبة تأديتها، وذلك بقصد المساس بشرفهم أو اعتبارهم أو بالاحترام الواجب لسلطتهم.

وتشدد العقوبة من سنة إلى ثلاث سنوات وغرامة من 200.000الى 500.000دج إذا كانت الاهانة الموجهة إلى قاض أو إلى عضو محلف أو أكثر قد وقعت في جلسة محكمة أو مجلس قضائي.

ومن مقتضيات استقلالية القضاء المساواة بين السلطة القضائية وباقي السلطات الأخرى التنفيذية والتشريعية ، وعدم تدخل أي سلطة في اختصاصها أو تبعيتها لها.

كما نتصرف استقلالية القضاء الجنائي من خلال عدم تجميع سلطة الاتهام وسلطة الحكم .إذ من غير العدل أن يكون قاضي الاتهام هو نفسه قاضي الحكم وهو ما أكده المشرع في المادة 38 ق ا ج :" تناط بقاضي التحقيق إجراءات البحث والتحري ، ولا يجوز له أن يشرك في الحكم في قضايا نظرها بصفته قاضيا للتحقيق وإلا كان ذلك الحكم باطلا."

2- مبدأ حياد القاضي:

يقصد بحياد القاضي تجرده من أي مصلحة ذاتية حيال النزاع المعروض عليه، أي التحلي بالموضوعية والتجرد من المصالح الشخصية ،فلا يميل أثناء نظر النزاع إلى أحد الخصوم أو يكون رأي مسبق أو تحت أي مؤثر مهما كان.ويعتبر حياد القاضي مكمل للاستقلالية مما يستوجب التجرد من الميول الذاتية والانتماءات الحزبية والسياسية . كما يجب ألا يفصل في دعوى قد سبق وأن كون رأيا فيها.من خلال عدم الجمع بين قاضي الاتهام وقاضي الحكم وفق ما ورد في المادة 38 المشار إليها سابقا.

كما يستوجب الحياد عدم وجود القاضي ضمن تشكيلة الدرجة الثانية وقد شارك في تشكيلة الدرجة الأولى . وقد أورد المشرع ذلك ضمن حالات رد القاضي حيث نصت المادة 554 ق ا ج على أنه:"..ويجوز طلب رد أي قاضي من قضاة الحكم للأسباب التالية:...إذا كان القاضي قد نظر القضية المطروحة كقاض أو كان محكما أو محاميا فيها أو أدلى بأقواله كشاهد على وقائع في الدعوى."

 3-مبدأ تخصص القاضي الجزائي كضمان لحقوق المتهم:

يقصد بتخصص القاضي الجزائي أن تكون ممارسة العمل القضائي مقصورة على فئة معينة مؤهلة علميا بتكوين متخصص . وتخصص القاضي الجزائي يعني التخصص الدقيق للقاضي في القضايا الجزائية. فالقاضي المتخصص له القدرة على الاضطلاع بمهامه وفهم حقيقة وظروف القضية المطروحة عليه لاسيما ما يرتبط بمصلحة المتهم.

4-نظام المحلفين كضمان للمحاكمة العادلة:

يعتبر نظام المحلفين صورة من صور تكريس المشاركة والرقابة الشعبية على أعمال القضاء، لكنه في نفس الوقت قد يعتبر خروجا عن مبدأ التخصص.وبين مؤيد ومعارض فالنظم التي أخذت بهذا النظام بما فيها الجزائر تعتبره معلما للعدالة الجنائية. وبالتالي الغاية منه هو إشراك الشعب في السلطة وفي نفس الوقت يسمح برقابة شعبية على أعمال القضاء.

وقد نص الدستور على تكريس نظام القضاء الشعبي عن طريق إشراك المحلفين في تشكيلة الحكم . حيث نصت المادة 170 من التعديل الدستوري على أنه:" يمكن أن يساعد القضاة في ممارسة مهامهم القضائية مساعدون شعبيون وفق الشروط التي يحددها القانون. كما نصت المادة 258 من ق ا ج على أن من ضمن تشكيلة محكمة الجنايات الابتدائية والاستئنافية  أربعة محلفين.باستثناء الجنايات المتعلقة بالإرهاب والمخدرات والتهريب تتشكل من قضاة فقط.

5-مبدأ القضاء الطبيعي كضمان للمحاكمة العادلة:

يقصد بمبدأ القضاء الطبيعي أن كل مواطن له الحق في أن يعلم مسبقا بالمحكمة التي سيحال عليها، وأنها محكمة منشأة طبقا للقانون ووقت ارتكاب الجريمة، والاعتراف بأن حق التقاضي مكفول للجميع.وقد نص الدستور على هذا المبدأ في المادة 165/2 :" القضاء متاح للجميع."

ثانيا:ضمانات المحاكمة العادلة المتعلقة بمجريات المحاكمة:

تتمثل في مجموعة من الإجراءات التي تحقق محاكمة عادلة للمتهم من خلال:

1-مبدأ علانية المحاكمة:

يقصد به تمكين عامة الناس من حضور مجريات المحاكمة دون تمييز ومتابعة ما يجري فيها من مناقشات ، وما يتخذ خلالها من إجراءات وما يصدر فيها من أحكام وقرارات.وبالتالي السماح للجمهور بحضور الجلسات داخل قاعة الجلسات وليس قاعة المداولات.وقد نص المشرع على مبدأ علانية الجلسات في المادة 285ق ا ج.

والهدف عموما من هذا الإجراء هو ضمان أن تتم المحاكمة أمام مرأى الجميع ، مما يتيح فرض رقابة المواطن على إجراءات العدالة ومن ثم دعم الثقة في عدالة القضاء . مع الأخذ بعين الاعتبار أن علانية الجلسات قد يترتب عنه فوضى داخل القاعة الأمر الذي يستدعي ضرورة ضبط وتنظيم الجلسات من طرف الرئيس ،وهو ما عالجه المشرع تحت اطار الأحكام المتعلقة بجرائم الجلسات من المواد 567 إلى 571 ق ا ج .

ولايمكن اللجوء إلى السرية في المحاكمة إلا في حالة النظام العام والآداب العامة والواردة في المادة 285 من ق ا ج (الحجب القضائي لعلانية الجلسة)، أو الحالة الواردة في المادة 82 من القانون 15-12 المتعلق بالطفل (الحجب القانوني).

2-شفوية إجراءات المحاكمة:

يقصد بذلك أن تجرى كافة إجراءات المحاكمة شفاهة ، وأن تتم مناقشتها بذات الكيفية مما يطمئن الجمهور بحسن سير العدالة.والشفوية تقتضي سماع الشهود ومناقشة الوقائع المعروضة في الدعوى ، وبالتالي لا يجوز للشاهد تقديم شهادته مكتوبة ولا المتهم تقديم إفادة خطية إلا إذا تم تلاوتهم أثناء الجلسة ومناقشتهم .ولتسهيل مبدأ شفوية المحاكمة  مكن القانون من الاستعانة بمترجم  ونص على ذلك في مواد متفرقة (المادة 298، 314، 343).

3-ضمان مبدأ الوجاهية:

مؤدى هذا المبدأ أن يتم حضور الخصوم مجريات المحاكمة ، وبالتالي تمكين الخصوم من مناقشة جميع الأدلة المقدمة أمام المحكمة وجها لوجه ، فهو بذلك ممارسة عملية لحق الدفاع.وهو ما نص عليه المشرع في المادة 212 ق ا ج.

4-ضمان سرعة الفصل في الدعوى:

من خلال العمل على سرعة إنهاء إجراءات المحاكمة الجزائية تحقيقا للردع العام وذلك تجنبا للنفقات الباهضة من جهة، ومن جهة أخرى تحقيق المصلحة الخاصة للمتهم وكذلك تجنب ضياع الأدلة بالتلف أو نسيان الشهود نتيجة إطالة المحاكمة.


آخر تعديل: السبت، 29 يونيو 2024، 7:54 PM