المحاضرة العاشرة: الرقابة على دستورية أحكام القانون الجنائي ودورها في تكريس الشرعية الدستورية.

تعتبر الرقابة على دستورية القوانين الجنائية آلية مهمة من أجل تقويم التشريعات الجنائية في شقيها الموضوعي والإجرائي.ومن ثمة ضمان عدم المساس بالحقوق والحريات العامة المقررة دستوريا.

أولا:مفهوم مبدأسيادة القانون كأساس للشرعية الدستورية

يعتبر مبدأ خضوع الدولة للقانون من الأسس التي يبنى عليها مفهوم مبدأ الشرعية الدستورية. ويقصد بمبدأ خضوع الدولة للقانون هو أن تكون السلطات العامة الثلاثة في الدولة تتماشى ومقتضيات الدستور, وهو ما نص عليه الدستور فتطبيق سيادة القانون يقتضي تطبيق مبدأ تدرج القواعد القانونية ، ويعتبر مبدأ سمو الدستور بدوره خاصية من خصائص دولة القانون.وهو ما أكدته ديباجة الدستور بنصها:" الدستور فوق الجميع وهو القانون الأساسي الذي يضمن الحقوق والحريات الفردية والجماعية ، ويحمي مبدأ حرية اختيار الشعب...

هذا ويعتبر مبدأ الفصل بين السلطات من أهم الضمانات القانونية لنفاذ القاعدة الدستورية وتحقيق مبدأ الاستقلالية مما يضمن عدم تعسف السلطات وضمان حماية أكبر للحقوق والحريات.

ثانيا: دور آلية الرقابة على دستورية القوانين الجنائية في تفعيل الشرعية الدستورية:

تعتبر الرقابة على دستورية القوانين من أهم آليات تفعيل الشرعية الدستورية . ذلك أن السلطة العامة قد تنحرف بمبدأ الشرعية الجنائية لذلك تحتاج الشرعية الجنائية ذاتها إلى ضمانات ، والتي من أهمها الرقابة على دستورية القوانين الجنائية.

وباعتبار أن التشريع المتعلق بالتجريم والعقاب وقانون الاجرءات الجزائية هدفه هو اقتضاء حق الدولة في العقاب وضمان حماية الحقوق والحريات من الاعتداء ، فلا بد أن تكون نصوص القانون الجنائي في شقيها الموضوعي والاجرائي مرتكزة على أحكام الدستور.لذلك سعت معظم الدول إلى تكريس الرقابة على دستورية القوانين من خلال اعتماد هيئات تمارس مهمة الرقابة على مدى مطابقة النصوص القانونية بصفة عامة بما فيها نصوص القانون الجنائي لأحكام الدستور. هذه الهيئات التي قد تأخذ شكل هئيات ذات طبيعة سياسية-المجلس الدستوري-أو قضائية-المحكمة الدستورية-.

وبالرجوع إلى التجربة الجزائرية في هذا الإطار فقد كرس الدستور الجزائري منذ سنة 1963 فكرة الرقابة الدستورية ، لكن هذه الرقابة كانت تتم بواسطة المجلس الدستوري إلى غاية التعديل الدستوري لسنة 2020.كما أنها كانت محصورة في نطاق ضيق إذ لايمكن تحريكها إلا بواسطة هيئات الاخطار، وهو ماكان يؤدي إلى إفلات العديد من النصوص القانونية الجنائية من الرقابة.

 إلى أن وسع المؤسس الدستوري من آلية الإخطار بعدم الدستورية عن طريق تقرير الرقابة عن طريق الدفع ، والتي تعد قفزة نوعية في مجال الرقابة الدستورية وذلك بموجب التعديل الدستوري لسنة 2016.لتبدأ ملامح الرقابة القضائية في الظهور إلى أن صدر التعديل الدستوري لسنة 2020 الذي ألغى  الرقابة عن طريق المجلس الدستوري، ونص على إنشاء محكمة دستورية باعتبارها مؤسسة مستقلة مكلفة بضمان احترام الدستور.-المادة 185-وأبقى على الرقابة عن طريق الدفع.

ثالثا: دور المحكمة الدستورية في الرقابة على شرعية قواعد القانون الجنائي.

بالرجوع إلى أحكام الدستور لانجد نصا صريحا باختصاص المحكمة الدستورية بالرقابة على دستورية نصوص الجنائية..ذلك أنها تنص على اختصاص المحكمة الدستورية في مجال مطابقة المعاهدات والقوانين والتنظيمات مع أحكام الدستور.لكنها تستشف ضمنيا في مجال الرقابة على النصوص التشريعية الصادرة عن البرلمان بما فيها نصوص قانون العقوبات وقانون الاجراءات الجزائية.

وفي غير الحالات المحددة دستوريا بإخطار المحكمة الدستورية_(رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الأمة أو رئيس المجلس الشعبي الوطني أو الوزير الأول أو رئيس الحكومة حسب الحالة أو الاخطار المقدم من طرف 40 نائبا أو 25 عضوا من مجلس الأمة)_ ،أقر الدستور كما سبق ذكره توسيع مجال الرقابة على دستورية القوانين والمتعلقة بتلك الماسة بالحقوق والحريات عن طريق آلية الدفع بعدم الدستورية.

رابعا: الجهات التي يمكن أن يثار أمامها الدفع بعدم الدستورية وشروطه:

يعرف الدفع بعدم الدستورية بأنه حق أحد أطراف الدعوى بالمطالبة في نظر مدى     مطابقة النص التشريعي للدستور باعتباره يمس بالحقوق والحريات المكرسة دستوريا . ووفق ما ورد في المادة 16 من القانون 22-19 المحدد لإجراءات وكيفيات الإخطار والإحالة المتبعة أمام المحكمة الدستورية يمكن أن يثار الدفع بعدم الدستورية في المسائل الجنائية أمام محكمة الجنايات الابتدائية وأمام محكمة الجنايات الاستئنافية..كما يمكن أن يثار لأول مرة في مرحلة الطعن بالنقض أمام المحكمة العليا.

وعن أبرز شروط الدفع بعدم الدستورية يجب أن يقدم بمذكرة مكتوبة منفصلة ومعللة.-وفق ما جاء في المادة 19-.

كما نصت المادة 21 على أن الدفع بعدم الدستورية يتم إرساله إلى المحكمة الدستورية إذا استوفى الشروط التالية:

-أن يتوقف على الحكم التشريعي المعترض عليه مال النزاع أو أن يشكل أساس المتابعة.

-ألا يكون الحكم التشريعي المعترض عليه قد سبق التصريح بمطابقته للدستور من طرف المجلس الدستوري سابقا أو المحكمة الدستورية باستثناء حال تغير الظروف.

-أن يتسم الوجه المثار بالجدية.

ووفق ما ورد في المادة  25 فانه في حالة إرسال الدفع بعدم الدستورية ترجئ الجهة القضائية الفصل في النزاع إلى غاية توصلها بقرار المحكمة العليا أو المحكمة الدستورية عند إحالة الدفع إليها.

ووفق المادة 34 من نفس القانون  فانه عند إحالة الدفع بعدم الدستورية إلى المحكمة الدستورية يتعين على المحكمة العليا إرجاء الفصل إلى حين البث في الدفع بعدم الدستورية.

ووفق المادة 195 من الدستور يصدر قرار المحكمة الدستورية خلال 4 أشهر التي تلي تاريخ الإخطار.

ووفق المادة 198 إذا قررت المحكمة الدستورية عدم دستورية نص تشريعي يفقد أثره من يوم قرار المحكمة.

وعليه فتفعيل آلية الدفع بعدم الدستورية يعد مكسبا للأفراد للدفاع عن الحقوق والحريات المكرسة دستوريا وحمايتها من كل انتهاك . ورغم قصر تجربة الجزائر في هذا المجال بحكم أن هذه الآلية من الآليات المستحدثة ، إلا أنه تم تفعيل هذه الآلية في العديد من الدفوع في المسائل الجزائية خاصة ما يرتبط بنصوص قانون الإجراءات الجزائية من بين هذه القرارات:

 قرار رقم 01/ق. م د/  د.ع د   المؤرخ في 20 نوفمبر 2019 ،والذي قضى بالتصريح بالمطابقة الجزئية للمادة 416 من ق ا ج للدستور هذه المادة تنص على ما يلي :

" تكون قابلة للاستئناف:

1- الأحكام الصادرة  في مواد الجنح إذا قضت بعقوبة حبس أو غرامة تتجاوز عشرين ألف دينار بالنسبة للشخص الطبيعي و مائة ألف دينار  بالنسبة للشخص المعنوي  و الأحكام بالبراءة.

2- الأحكام الصادرة في مواد المخالفات القاضية بعقوبة الحبس  بما في ذلك تلك المشمولة  بوقف التنفيذ ".

  يفهم من هذا النص أن المشرع استثنى من حق التقاضي على درجتين كل الأشخاص  الطبيعيين المحكوم عليهم بغرامة تساوي أو تقل عن عشرين ألف دينار فالأحكام الصادرة في هذا الشكل تكون بذلك  غير قابلة للاستئناف .

المجلس الدستوري –المحكمة الدستورية حاليا-  صرح  بعد الدفع المحال إليه بعدم دستورية المادة 416 من قانون الإجراءات الجزائية لكون هذه المادة  تعارض المادة 160-2 من الدستور التي تضمن حق التقاضي على درجتين . وذكر أن  المؤسس الدستوري و حين  نص على أن القانون يضمن التقاضي على درجتين ،  فإنه يقصد إلزام  المشرع ضمان ممارسة هذا الحق بأن يحدد له كيفيات  تطبيقه دون أن تفرغه  تلك الكيفيات من جوهره ، و لا أن تقيد  أو تستثني  أحدا عند ممارسته. واعتبرت كذلك أنه فيما يتعلق بممارسة الحق في الاستئناف  في المسائل الجزائية  فإنه لا ينبغي إعاقة  أي طرف إما قانونا  أو بفعل إجراءات  في أن يلجأ إلى جهة قضائية أعلى.

بعد التصريح بعدم دستورية المادة 416 قانون الإجراءات الجزائية  في فقرتيها الأولى و الثانية ،  فإن المجلس الدستوري-المحكمة الدستورية حاليا-  قرر أن هذه المادة تفقد أثرها فورا  و أن هذا الأثر يسري على كل الأحكام الجزائية التي لم تستنفذ آجال الاستئناف عند تطبيق أحكام المادة 416 من قانون الإجراءات الجزائية تكون بذلك قد ألغيت و تصبح المجالس القضائية ملزمة بقبول الاستئنافات المرفوعة ضد الأحكام دون تمييز .

حيث جاء منطوق القرار كمايلي:

 أولا: التصريح بالمطابقة الجزئية للمادة  416 من قانون الإجراءات الجزائية للدستور

ثانيا:عدم دستورية الحكم التشريعي الوارد في الفقرة الأولى من المادة    416 من القانون المذكور أعلاه في شطرها المحرر كالتالي: "إذا قضت بعقوبة حبس أو غرامة تتجاوز  20.000 دج بالنسبة للشخص الطبيعي".

ثالثا:-عدم دستورية الحكم التشريعي الوارد في الفقرة الأولى من المادة   416 من القانون المذكور أعلاه  في شطرها المحرر كالتالي: "و 100.000 دج بالنسبة للشخص المعنوي".  

-عدم دستورية الحكم التشريعي الوارد في الفقرة الثانية من المادة   416 من القانون المذكور أعلاه في شطرها المحرر كالتالي: "القاضية بعقوبة الحبس بما في ذلك تلك المشمولة بوقف التنفيذ"

رابعا:تفقد الأحكام التشريعية المقرر عدم دستوريتها أعلاه أثرها فورا.

 

   


Modifié le: samedi 29 juin 2024, 22:56