ظهور المسيحية:

ولد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام في بيت لحم بفلسطين في عهد الإمبراطور أغسطس (ت 14م)،  في وقت كان فيه  اليهود في القرن الأول قبل الميلاد يعتقدون أنهم "شعب الله المختار" وينتظرون مجيء المسيح الذي تعدهم به التوراة ليحقق لهم الظفر والانتصار على جميع الشعوب، في وقت أخذ العالم الروماني يشعر بنوع من الفراغ أو الجدب الروحي، فبدأ الرومان أنفسهم بالنظر إلى عبادة الدولة الرسمية وتقديس الأباطرة على أنها أمور شكلية ما دفع المتعلمين منهم بصفة خاصة إلى الاستخفاف بالعقائد الدينية السائدة سواء كانت يونانية أو رومانية الأصل وفي وسط هذا الفراغ الروحي لم يجد أهالي الإمبراطورية وسيلة سوى الاتجاه نحو ديانات أخرى مثل مثرا إله النور الفارسي، عبادة إيزيس وأوزوريس المصرية، عبادة يهوه اليهودية إلى جانب العقائد الفلسفية مثل الرواقية والأفلاطونية الحديثة وبصفة أخص المسيحية، فتعاليمها مستمدة من كتاب مقدس، وهي دين سماوي عام لا يختص بطائفة، وكان هذا الأمر  من عوامل سرعة انتشارها.

عوامل انتشار المسيحية:

وقد انتشرت المسيحية باتجاه الغرب على طول طرق التجارة في شرق البحر المتوسط وقد ساعد يهود الشتات الذين كانوا يعيشون في كبريات مدن البحر المتوسط في انتشار المسيحية.

فالدعوة المسيحية بدأت أساسا بين اليهود ونظر مؤرخون الكنيسة منذ أوائل القرن الرابع إلى أن تشتت اليهود تمهيد إلهي لنشر المسيحية.

من جهة أخرى امتازت الإمبراطورية الرومانية بشبكة واسعة من الطرق التي ربطت بين مدنها وأطرافها فضلا عن توفر  الأمن فيها ونشاط التبادل التجاري بين مختلف أجزائها إلى جانب انتشار اللغة اللاتينية في الأجزاء الغربية، واللغة اليونانية في الأجزاء الشرقية، والآرامية في الوطن العربي من الإمبراطورية الرومانية، وهو ما سهل انتقال الآراء والأفكار والمعتقدات  بين مختلف أنحائها، حيث وجد مبشرون يتقنون هذه اللغات.

المواقف المختلفة من المسيحية:

أما بالنسبة للمواقف المختلفة من المسيحية فقد كان بعض اليهود قد آمنوا بالتعاليم الجديدة في حين عارضها آخرون واستاؤوا منها وعملوا على إثارة السلطة الرومانية بفلسطين ضد أتباعها والتي رأت بدورها في تلك التعاليم تحريضا يمكن أن ينقلب إلى حركة ثورية ضد الحكم الروماني، فقد رفض أتباع المسيحية إقامة الشعائر باسم ألوهية الإمبراطور وامتنعوا عن تمجيد صورته بإحراق البخور أمامه ورفضوا الخدمة في الجيش الروماني وهو ما رأت فيه السلطات الرومانية أمرا يفكك روابطها مع شعوبها، ويشكل خطرا على سلطاتها الحاكمة، وأدى هذا الوضع إلى اتهام من يقوم  به بالتآمر الذي كان الحكم فيه إن ثبت هو القتل.

كما نظرت الطبقات الغنية المسيطرة في المجتمع الروماني إلى الدعوة المسيحية إلى الدعوة المسيحية إلى العدل والمساواة تهديدا لها، وخشيت من انقلابها ثورة شعبية تقلب الأوضاع الاجتماعية القائمة على الفروق الطبقية.

فشنت حملات اضطهاد متكررة ضد المسحيين منذ القرن الأول للميلاد، ولكن تلك الاضطهادات فشلت في تحقيق أهدافها وزاد انتشار المسيحية حتى حظيت بالاعتراف بشرعية وجودها من قبل السلطات الرومانية

. وكانت الخطوة الأولى في عهد الإمبراطور قسطنطين سنة 313م بموجب مرسوم ميلان والذي أصبحت بموجبه المسيحية من الأديان المعترف بها في الإمبراطورية الرومانية، وفي عهد الإمبراطور ثيوديسيوس سنة 395م رفعت المسيحية إلى مستوى الديانات الرسمية للدولة.

وقد اتبع قسطنطين اعترافه بالمسيحية بنقل عاصمة الإمبراطورية من روما إلى القسطنطينية 330م وهجر روما إلى عاصمته الجديدة بالشرق وهو ما يعتبر تغيرا أساسيا في العالم القديم وأن العالم على أبواب عصور وسطى جديدة لم تعد فيها روما مركز الإمبراطورية، وأصبحت المسيحية ورجالها بمثابة القوة الفعالة في المجتمع الأوروبي.

وقد شهدت المسيحية منذ أوائل عهدها خلافات مذهبية خطيرة كان لها أثر كبير في تاريخ الشرق والغرب ، وغيرت مجرى الأحداث التاريخية، وكانت المشكلة الكبرى التي قسمت المسيحيين وبالتالي العالم الروماني دينيا وسياسيا هي تجديد العلاقات بين المسيح الابن والإله الأب، وحدث هذا الاختلاف بين اثنين من رجال الكنيسة بالإسكندرية حول تحديد تلك العلاقة:

فقال آريوس بأن المنطق يحتم وجود الأب قبل الابن ، ولما كان المسيح الابن مخلوقا للإله الأب فهو إذا دونه، ولا يعادله في المستوى والقدرة أي أن المسيح مخلوق لا إله والتالي يكون للمسيحيين إلهين اثنين.

أما أثناسيوس فدعا إلى أن الابن مساو للأب تماما في كل شيء بحكم أنهما من عنصر واحد، ولما كان أتباع المسيحية يرون أن دعوتهم تعتمد على مكانة المسيح ذهبوا إلى أن أي اتجاه نحو التقليل من مركزه يؤذي إلى إضعاف الدعوة المسيحية.

فاتفق رأي آريوس القائم على المنطق مع منطق الفلاسفة والأدباء والمثقفين، في حين اتفق رأي إثناسيوس مع تفكير عامة الناس.

وعندما اشتد الجدل بين الطرفين خشي الإمبراطور قسطنطين أن يؤثر ذلك على وحدة الإمبراطورية، لكن جهوده للتوفيق بين المذهبين لم تنجح فدعا إلى عقد مجمع ديني في نيقيه سنة 325م، وهو أول مجمع عالمي في تاريخ الكنيسة حضره حوالي 300 رجل دين من الشرق والغرب برئاسة الإمبراطور قسطنطين وأدين فيه آريوس وحرمت كتاباته واضطهد أتباعه، ومع ذلك بقيت الآريوسية قائمة وانتشرت في الأجزاء الشرقية من الإمبراطورية ومنها انتقلت إلى القبائل الجرمانية.

ولما عزم الإمبراطور قسطنطين نقل عاصمته إلى القسطنطينية سنة 330م عمل على استرضاء أهالي الجزء الشرقي من خلال استدعاء آريوس وإعلان تغيير عقيدته نحو المذهب الآريوسي بعقد مجمع ديني جديد في صور سنة 334م ألغى بموجبه قرارات مجمع نيقيه وقرر العفو عن آريوس وأتباعه، وبالمقابل عزل اثناسيوس ونفي وأطلق صراحه في عهد الإمبراطور جوليان (361 - 363)م الذي بحكم وثنيته لم يهتم لا بالآريوسيين ولا الاثناسيوسيين، وبعد وفاة الإمبراطور قسطنطين 337م قيمت الإمبراطورية بين أبنائه الثلاثة الذين انقسموا بين الآريوسية والإثناسوسية، لكن حسم الأمر مع الإمبراطور ثيوديسيوس الذي أعلن نهائيا عن عدم شرعية المذهب الآريوسي في مجمع القسطنطينية سنة381م وفرض عقوبات مشددة على أتباع المذهب الآريوسي في جميع أنحاء الإمبراطورية.

المراجع

-نورمان ف. كانتور، التاريخ الوسيط: قصة الحضارة البداية والنهاية، ترجمة: قاسم عبده قاسم ، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، ط5، 1997م

-شارل جنيبير، المسيحية نشأتها وتطورها، ترجمة: عبد الحليم محمود، المكتبة العصرية، بيروت، ب.ت

-  سعيد عبد الفتاح عاشور، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، دار النهضة العربية، بيروت، 1972م

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



 

آخر تعديل: السبت، 23 ديسمبر 2023، 1:15 PM