تمهيد:

استمدت العصور الوسطى حضارتها من ثلاثة أصول كبرى هي: التراث الكلاسيكي بوجه عام والروماني بوجه خاص، والثاني هو المسيحية وكنيستها، والثالث الجرمان الذين كانوا جزءا من العالم البربري الذي أحاط بالإمبراطورية الرومانية، وكان له الأثر في تغيير مصير هذه الإمبراطورية، وكان اختراق الجرمانيين لحدود الإمبراطورية الرومانية لعدة أسباب، في مقدمتها الانبهار بتلك الحضارة وتطلعهم للاستقرار، فوجدوا أنفسهم جنودا في جيشها وفلاحين في أراضيها، وقد سبق هذا التغلغل السلمي تلك الغارات العسكرية التي اجتاحت العالم الروماني وغيرت معالمه.

1-الموطن والتسمية:

ويرجح أن الجرمان  تركوا موطنهم الأصلي باسكندنافيا بسبب نقص الأقوات الناتج عن تزايد عدد السكان  وبسبب الحروب  المستمرة بين القبائل حيث كان المهزومون فيها يبحثون عن مواطن جديدة.

إن لفظ بربرية لا يرادف لفظ همجية أو وحشية، لأن المقصود بالبربرية مرحلة من التنظيم الاجتماعي القبلي الذي لم يرق بعد إلى مرحلة الاستقرار المدني وإقامة الدول ذات الحدود الثابتة، فالمجتمع البربري يعتمد على أساس رابطة الدم أكثر من اعتماده على رابطة المواطنة بين أفراده.

أخذ الرومان كلمة بربري من اليونانيين الذين استخدموها للدلالة على الأجنبي، أي من هو أدنى في مستواه الحضاري من الرجل اليوناني، أما الرومان فقد استخدموا كلمة بربري بمدلول الازدراء والتحقير للدلالة على الشعوب التي وفدت لتعيش على حدود الراين والدانوب وأطلق الرومان على هذه الشعوب جميعا اسم الجرمان.

كان الجرمان أقرب عناصر البرابرة إلى حدود الإمبراطورية الرومانية حيث انتشروا في القرنين الأول والثاني في أواسط أوروبا وشرقيها عبر نهري الراين والدانوب لكن استحكامات الإمبراطورية الرومانية حالت دون تقدمهم ما وراء المناطق الواقعة بين نهري الراين والألب التي استقروا بها بعد تحركهم جنوبا.

2-النظم الاجتماعية والسياسية للجرمان:

لقد احتفظ الجرمان بكثير من التقاليد والنظم التي تميزهم فكانت قوة الفرد وشخصيته هي التي تحدد أهميته ونفوذه وكان هذا الفرد متمسكا بطاعة زعيمه وتميزوا في أخلاقهم بالشجاعة والقسوة واحترام العهد وترابط أفراد الأسرة ورعاية المرأة، أما ديانتهم فكانت خليطا من الأساطير وعبادة قوى الطبيعة مثل الشمس والقمر والرعد وغيرها، لكنهم لم يقيموا معابد أو تماثيل لآلهتهم ولم يؤلف الكهنة طبقة خاصة في مجتمعهم.

وفي الحروب كان يتولى القيادة قائد معروف بالشجاعة والإقدام ويتمتع بسلطات استثنائية تنتهي بانتهاء الحرب، وإذا كانت الحرب طويلة أو شبه مستمرة أصبح يتكرر انتخاب هذا القائد، ووصل الأمر إلى اختيار ابنه من بعده ما أدى تدريجيا إلى قيام نظام ملكي وراثي في الدول والجماعات الجرمانية، ويلقب الزعيم العسكري بأمير الأمراء، وكانت الحرب هي الشغل الشاغل للجرمانيين والخدمة العسكرية إجبارية، كما وجد لديهم نظام عرف بنظام الرفقاء في حالة القيام بحملات عسكرية وكان كل محارب يحلف اليمين لزعيمه ويخلص في خدمته إخلاصا مطلقا مقابل أن يؤمن له زعيمه الطعام وقسما من الغنائم.

كانت القبائل الجرمانية خلال القرون الثلاثة  التي سبقت سقوط الإمبراطورية الرومانية في الغرب في حركة مستمرة وقد مكنت الحروب بين الشعوب الجرمانية نفسها الحكومة الرومانية من استخدام قبيلة ضد أخرى وتحريك زعيم ضد آخر للاحتفاظ بنوع من السيطرة والنفوذ عليهم جميعا؛ لكن بنهاية القرن الرابع كان هناك عدد كبير من الجرمان قد اجتازوا الحدود الرومانية بصورة سلمية واستقروا فيها، وفي هذه المرحلة ساهم حدثان في تغيير طبيعة العلاقة السلمية بين الرومان والجرمان:

1- الضغط الذي تعرضت له القبائل الجرمانية جراء زحف قبائل الهون الآسيوية نحو أراضيها وهو ما اضطرها إلى التوغل داخل الأراضي الرومانية.

2- تزايد ضعف الإمبراطورية الرومانية وافتضاح هذا الأمر أمام القبائل الجرمانية التي استفادت من هذه الفرصة.

1-الهون:

اندفع الهون في النصف الثاني من القرن الرابع من خلال المنفذ الواقع بين جبال أورال وبحر قزوين نحو جنوب روسيا وكان هجوم مهم عنيفا وشديدا، واشتد خطرهم تحت زعامة آتيلا بين سنتي 430 و 433م مما اضطر الإمبراطور ثيودوسيوس إلى دفع جزية مالية سنوية مقابل عدم اعتدائهم على أراضي دولته، ووجه الهون نشاطهم نحو الغرب وخربت عدة مدن مهمة مثل ميتز وشالون وغيرها، وفي هذه المرحلة تحالف القوط الغربيون مع الجيوش الرومانية لدفع خطر الهون وألحقوا الهزيمة بجموع آتيلا قرب شالون 451م وهي المعركة التي أنقدت غرب أوروبا من وحشية الهون.

وفي العام الموالي داهم آتيلا روما لكن بتدخل البابا ليو في المفاوضات، قام آتيلا بإخلاء إيطاليا 452م مقابل جزية سنوية تدفع له. وبعد وفاته 453م انتهزت الشعوب الخاضعة للهون الفرصة وألحقت بهم الهزيمة وكان ذلك إيذانا بنهاية إمبراطورية الهون.

2-الوندال :

عبر الوندال نهر الراين 406م نحو بلاد الغال، لكن ضغط الفرنجة دفعهم للتوجه إلى اسبانيا لكن دحروا على يد القوط الغربيين هناك، فعبروا البحر إلى شمال إفريقيا سنة 429م تحت زعامة ملكهم جزريك ( Gaiseric ) واستولوا على جميع البلاد من طنجة إلى طرابلس وقرطاجة التي كانت تعتبر من أهم المدن 439م وكان نهج جزريك في حكم المنطقة استبداديا عنيفا وزاد خطر الوندال مع امتلاكهم قوة بحرية كبيرة في البحر الأبيض المتوسط، ووصل نفوذ الوندال إلى روما نفسها 455م، لكن بعد وفة جزريك 477م ضعف الوندال، فبتولي هلدريك الحكم الذي تربى في بيئة رومانية لكن عزل سنة 523م بعد ثورة أحد أقربائه عليه. وسرعان ماستطاع بلزاريوس قائد جيوش الإمبراطور جستنيان من طردهم من شمال إفريقيا والقضاء على دولتهم التي عمرت خمسا وتسعين سنة سنة 534م.

3- القوط الغربيون:

سمحت لهم الحكومة الرومانية بالإقامة في مواشيا وتراقيا بعد أن عبروا نهر الدانوب سنة 376م فرارا من خطر الهون، وكانت موافقة الإمبراطور فالنز (Valens) على ذلك يتخذ منهم ستارا يحمي حدود الإمبراطورية، لكن قتل هذا الإمبراطور في معركة أدرنة التي كانت ضد القوط الغربيين سنة 378م وهما دفع خليفة الإمبراطور ثيودوسيوس إلى عقد الهدنة معهم وهو ما يعد نقطة تحول في العلاقات بين الرومان والجرمان.

4- القوط الشرقيون:

وقع القوط الشرقيون تحت سيطرة الهون ولم يتحرروا إلا بعد وفاة أتيلا 453م، أبرز قادتهم ثيودوريك الذي تمكن من الفرار من القسطنطينية بعد أسره ثم نجح في دخول مدينة رافنا وقتل أودواكر عام 493م تميز بتسامحه الديني ورعايته للفنون والآداب، بعد وفاته أرسل الإمبراطور جستنيان جيشه لاسترداد إيطاليا من القوط الشرقيين.

5-البرجنديون:

ظهروا على مسرح الأحداث الأوروبية منذ النصف الثاني من القرن الثالث في حوض الراين سنة 277م، وأمام خطر الهون استخدمتهم الإمبراطورية الرومانية في جيوشها وشاركوا في معركة شالون 451م، ويعتبر البرغنديون أضعف الممالك الجرمانية وأقصرها عمرا وهي أولى الممالك الجرمانية التي تركت الآريوسية واعتنقت الكاثوليكية واتخذت اللغة اللاتنية لغة التخاطب بدل الجرمانية وكان ملوكهم متسامحين مع السكان الدومان ويعتبر كونوباد أشهر ملوكهم اكتسحت مملكتهم من قبل الفرنجة وضموها إلى مملكتهم.

6-اللومبارديون:

هم آخر الشعوب الجرمانية التي دخلت حدود الإمبراطورية الرومانية.بدأت حركتهم في القرن الخامس نحو نعر الدانوب تحالفوا مع الإمبراطور الروماني جستنيان ضد القوط الشرقيين، وتميزوا بقلة قوتهم العددية مقارنة مع نظرائهم من الشعوب الجرمانية.


المراجع:

سعيد عبد الفتاح عاشور، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، دار النهضة العربية، بيروت، 1972م،

-نور الدين حاطوم،تاريخ العصر الوسيط في أوروبة،دار الفكر ،دمشق،1982م

نعيم فرح ،الحضارة الأوروبية في العصور الوسطى،منشورات جامعة دمشق،سورية،ط2،- 2000م 

 عبد الأمير محمد أمين ومحمد توفيق حسين،التاريخ الأوروبي في العصور الوسطى،مطبعة جامعة بغداد،العراق،1980م،ص91.

 نور الدين حاطوم،تاريخ العصر الوسيط في أوروبة،دار الفكر ،دمشق،1982م.

- محمود محمد الجويري، اللومبارديون في التاريخ والحضارة، 568- 774م، مطبعة المعارف، القاهرة، ط1، 1986م.


Last modified: Saturday, 23 December 2023, 1:22 PM