تمهيد:

شكلت طبقة رجال الدين مئة من أهم فئات المجتمع الأوروبي في ظل النظام الإقطاعي خلال العصور الوسطى، وتمثل دورها في التعبد وإشباع حاجة الناس الروحية، وقد انقسمت طبقة رجال الدين إلى فئتين:

الفئة الأولى:

               تضم رجال دين يعيشون في المدن والقرى ويقومون بالصلوات والواجبات الدينية الأخرى في الكنائس ويأتي على رأس هذه الفئة البابا ويليه الكرادلة والأساقفة وفي أسفل درجات السلم الكهنوتي القسيس الذي  يخدم في كنيسة القرية.

الفئة الثانية:

             تضم رجال الدين النظاميين الذين يتبعون نظاما معينا في الصلاة والعمل ويعيشون في الأديرة ويرأس الرهبان الدير يين في كل دير مقدم الدير أو رئيسه وقد حصلت الكنائس والأديرة على أقطاعات كبيرة جعلت من رجال الدين طبقة ثرية ذات امتيازات كثيرة.

1-نشأة الكنيسة وتنظيمها:

                الكنيسة لفظ مأخوذ عن الكلمة اليونانية (إكليزا) وتعني المجلس أو الجماعة ، والكنيسة مكان العبادة والصلاة عن المسيحيين كما تطلق أيضا على جماعة المؤمنين بالدين المسيحي.

وكانت الكنيسة في بادئ أمرها هيئة بسيطة تختار واحدا من كبرائها ليكون كاهنا يرشدها ومساعدين له في إقامة الصلاة والحفلات الدينية كحفلة التعميد أو الزواج وغيرها.

ثم اختير في كل مدينة رئيس ديني سموه إبسكوبس(Episcops) أي مشرفا أو أسقفا ولما ازداد عدد الأساقفة أصبحوا بحاجة إلى من يشرف على أعمالهم وينسقها فاختاروا في كل مدينة ولاية رئيس أساقفة (Archepiscops) وسموه مطرانا وفي القرن الرابع م صار يشرف على جميع رجال الدين في العالم المسيحي بطاركة يقيمون في القسطنطينية وروما وأنطاكية والقدس والإسكندرية وقرطاجة وفي أدنى السلم الكهنوتي يأتي القسيس أو الكاهن .وهكذا ظهر سلم كهنوتي متدرج  يشبه إلى حد كبير سلم الوظائف الإدارية في الإمبراطورية الرومانية.

وكان الأساقفة يجتمعون بناء على دعوة من البطريك (البطرك) أو الإمبراطور في مجامع دينية، فإذا كان المجمع الديني يمثل أساقفة ولاية بمفردها سمي مجمع الولاية، وإذا كان المجمع يمثل جميع ولايات الإمبراطورية في الغرب والشرق سمي مجمعا عاما أو مسكونيا .

وإذا كانت قرارات المجمع الديني ملزمة لجميع المسيحيين في العالم سمي المجمع الأكبر.

وبعد الإعتراف بالمسيحية في عهد قسطنطين تحولت الكنيسة من منظمة بسيطة إلى هيئة إداريين مركزية على رأسها شخصية عظيمة تماثل الإمبراطور على رأس الإمبراطورية، وأدت الثورات الكبيرة والهبات التي أغدقت على الكنيسة إلى اختفاء روح البساطة والأخوة والمساواة وحلت مكانها مظاهر  الأبهة والتعالي وتشبه الأساقفة بالأمراء وأحاطوا أنفسهم بالحشم والخدم والموظفين وأقاموا في قصور فاقت قصور الحكام.

وفي القرون الثلاثة الميلادية الأولى لم يكن يطلب إلى القسيس أن يظل عازبا بل كان بمقدوره أن يحتفظ بزوجة إن كان تزوجها قبل أن يلبس الثياب الكهنوتية لكن لم يكن يجوز له أن يتزوج بعد ذلك، وفي القرن الرابع ظهرت دعوات إلى معارضة زواج القسيس، وفي عام 387م أمر البابا سيريسوس بتجريد كل قسيس متزوج، ولكن هذا القرار لم يطبق بصرة مطلقة في الغرب الأوروبي.

ولعل أهم التطورات بالنسبة للكنيسة المسيحية خلال القرنين الرابع والخامس وهي فترة انحطاط الإمبراطورية الرومانية ارتفاع منزلة أسقف روما الذي صار يعرف بالبابا وظهرت سيادة البابوية في الكثير من المجالات مثل محاربة الهرطقة وغيرها من أشهر من حمل لقب البابا البابا ليو الأول الكبير (440- 461)م البابا جلاسيوس الأول (492- 496)م الذي قسم السلطة إلى دينية وزمنية والبابا غريغوري الكبير الذي اعتبر أعظم البابابوات في تاريخ الكنيسة اعتلى عرش القديس بطرس سنة 590م:

-البابا ليو الأول الكبير(440-461م)

ولد أواخر القرن الرابع الميلادي وعرف بموقفه في مواجهة آتيلا وإقناعه بالانصراف عن روما وله أثر في إرغام القسطنطينية على الاعتراف بالسيادة البابوية وانتزع من الامبراطور فالنتين سنة445م اعترافا بسلطة البابا العليا على جميع أساقفة الغرب كما تميز بعمله على رفع المستوى التعليمي والأخلاقي لرجال الكنيسة وتحسين خدمة القداس الكنسي .

-البابا جلاسيوس الأول(492-496م)

اشتهر بنظريته الخاصة بثنائية السلطة ويوجد بموجبها سلطتين لهذا العالم دينية وزمنية.

-البابا غريغوري الكبير(590-604م)

يعد من أعظم الباباوات في تاريخ الكنيسة ولد في روما حوالي 540م وتولى في شبابه عدة مناصب حكومية لكنه وهب كل ما يملك للكنيسة وفضل قضاء حياته في دير لكن البابا استدعاه إلى روما وعهد إليه بمناصب دينية رفيعة واختير سنة 590م ليجلس على عرش القديس بطرس.

 2-ظهور الديرية:

يمثل تاريخ الديرية المسيحية محاولات للرجوع إلى الصرامة والبساطة الأولى فبفضل قوتها ونفوذها في هذه المرحلة كان للرهبان أدوار متعددة كالتعليم والزراعة والعمارة إلى جانب دورهم الديني لكن تراجع ذلك النفوذ بعد أن أصبحت الأديرة في يد البابوية .

ومن الشخصيات الهامة في تاريخ الديرية في غرب أوروبا القديس اثناسيوس أسقف الاسكندرية (296-373م) حيث يرجع إليه الفضل في إدخالها إليها،ومن أكثر أديرة الغرب شهرة دير مونت كاسينو الذي أسسه القديس بندكت النورسي (ت543م)بالقرب من نابلي وفي عام 529م وضع قانونه المعروف باسمه وصار النظام البندكتي طابع الديرية الغربية ،وهو عبارة عن قائمة من اللوائح العملية لتنظيم حياة جماعته  التي كرست نفسها للعبادة ومن أبرز ما ورد فيه:

-حرم على الرهبان الملكية الخاصة ودعا إلى الطهارة ونكران الذات وعدم المغالاة في تعذيب الجسم وإذلال النفس.

-أدخل نظام العمل اليدوي والذهني في النشاط اليومي للرهبان.

-أوجد في كل دير مكتبة ومكانا للنسخ.

وكان لطريقة بندكت أثر في المجتمع الأوروبي في العصر الوسيط وأصبحت نموذجا للحياة العامة في أوروبا.

 

المراجع


سعيد عبد الفتاح عاشور، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، دار النهضة العربية، بيروت، 1972م،

-نور الدين حاطوم،تاريخ العصر الوسيط في أوروبة،دار الفكر ،دمشق،1982م

نعيم فرح ،الحضارة الأوروبية في العصور الوسطى،منشورات جامعة دمشق،سورية،ط2،- 2000م 

 عبد الأمير محمد أمين ومحمد توفيق حسين،التاريخ الأوروبي في العصور الوسطى،مطبعة جامعة بغداد،العراق،1980م،ص91.




آخر تعديل: السبت، 23 ديسمبر 2023، 1:23 PM