المذاهب والفرق وتأثيراتها الثقافية بين المغرب والمشرق
عندما كانت عمليات فتح المغرب تأخذ مجراها في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، كان المغرب يعج بالتيارات السياسية التي تبلورت خلال صراعها مع السلطة السياسية الأموية على شكل مذاهب اعتقادية، ضمن إطار الدين الإسلامي، وعند عزيمتها في تورثها المعلنة على السلطة السياسية، كانت تلجأ للتنظيم السري ونشر مبادئها بواسطة دعاة، توجههم إلى سائر أنحاء ديار العرب والمسلمين.
وقد أفاد الدعاة الموجهون للمغرب، من عدة ظروف مواتية، منها بعده عن المركز ورغبة القبائل المغربية البربرية الاستقلال، بشأنهم في ذلك شأن غيرهم ممن ينتمون إلى قبيلة تربط بين أفرادها رابطة العصبية، التي تسعى إلى الملك الذاتي، إضافة لكون بعض هذه المذاهب، تعرف على وتر المساواة بين المسلمين، وعدم تفضيل قريش على غيرها كالخوارج، وأجاز بعضها الثورة على أئمة وولاة الجور ضمن مبادئها بضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكل حيث وجد زعماء القبائل المغربية أن بينهم وبين هذه الأحزاب ودعواتها قضية مشتركة هي العداد للسلطة، وأصبحت مبادئ هذه الأحزاب منتشرة ومترسخة، وأصبح لها بين المغاربة أتباع كثر متحمسون، مستغلا هذه الأحزاب الإسلام السطحي للمغاربة في تلك المرحلة.
استغل الخوارج هذه الظروف المواتية في بلاد المغرب، حيث ظهر في أواخر النصف الثاني من القرن الأول الهجري داعية كبير، وهو عكرمة مولى الصحابي الشهير عبد الله بن العباس، ومثل اتجاها يدعى الصفرية، ظهر في القيروان، وكان مقامه في مؤخرة المسجد، وتخرج في إقامة اتصالات من أناس من قبائل مغربية شتى، ومن أماكن عدة فبرز بين أتباعه مسيرة المطغري الذي نجح في إشعال انتفاضة انطلقت من طنجة في أقصى بلاد المغرب عام 122هـ/740م، وهددت سلطان الأمويين في المغرب كله، وممن لقي عكرمة سعد المكناسي، الذي أسس حفيده عيسى بن يزيد أو مزيد الأسود، مع ما يزيد على أربعة ألاف من الصفرية دولة، أتخدت من سجلماسة في أقصى جنوب المغرب الأقصى على حدود الصحراء دولة صفرية سنة 140هــ/757م، وامتدت مواطن انتشار الصفرية نحو المغرب الأوسط، عندما انتشرت بين بني يفرن الزناتيين المقيمين حول تلمسان، والذين بايعوا أميرهم أبا قرة، إماما لهم حوالي سنة 140هــ/757م. و امتدت مواطئ انتشار الصفوية نحو المغرب الأوسط عندما انتشرت بين بني يفرن الزيانيين المقيمين حول تلمسان ، و الذين بايعوا اميرهم ابا قرة اماما لهم حوالي سنة 140ه/ 757 م .
لقي المذهب الخارجي الثاني الاباضي، انتشارا مماثلا في سعة النطاق، لكنه كان أكثر تعمقا في الأفكار وأكثر رسوخا، حيث انتشر وربما نتج ذلك عن حسن تنظيم دعوته وطريقته في أعداد أتباعه وأفراده، فقد لجأ شيوخ هذا المذهب للسرية، فقد نجح الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي بكر التميمي، في نشر المذهب الاباضي هناك، عندما أرسل مسلمة بن سعد الحضرمي إلى بلاد المغرب، فقد تمكن هذا الأخير من إقناع الكثيرين من البربر في جبل نفوسة باعتناق الاباضية، كما أرسل عددا منهم إلى البصرة ليدرسوا أصول المذهب وتعاليمه على الأمام أبي عبيدة مسلم، وقد ساهم هؤلاء بعد عودتهم إلى ديارهم في نشر المذهب الاباضي بين القبائل البربرية، كهوارة وزناتة وسدراته ولواتة، الأمر الذي دفع دعاة الاباضية الأوائل إلى إرسال المزيد من البعثات إلى البصرة للتفقه في أصول المذهب، وأول بعثة ضمت أربعة أشخاص: أبو درار اسماعيل بن درار الغدامسي، عبد الرحمن بن رستم وعاصم السدراتي وأبو داوود القبلي النظراوي، ودعى هؤلاء حملة العلم، واستمرت مهمتهم خمس سنوات، عادوا بعدها إلى المغرب "حملة للعلم"، ثم قاموا بتدريس ما حصلوه بالمشرق في حلقاتهم، التي انتشرت في جهات كثيرة من بلاد المغرب، وفي تلك الحلقات تلقى الأتباع، الأصول والفروع والسير والتوحيد والشريعة وآراء الفرق، إلى جانب علوم اللغة والفلك والرياضيات، فكانت بمثابة مدارس للعلوم النقلية والعقلية في آن واحد، ومراكز لتعريب البربر ونشر الحضارة العربية أيضا.
وما من شك أن الصلة لم تنقطع بين خوارج المشرق والمغرب، فكانت فقهاء المذهب في المشرق وتصانيفهم تقد إلى المغرب بشكل دائم، فقد نسخ إباضية البصرة لعبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم ألاف الكتب لتزويد المكتبة "المعصومة" بتاهرت، كما أن ديوان نقوسة كان يحوي تلاثمئة وثلاثين أف جزء من مؤلفات المشارقة، كما أن أعلام العلم المشارقة كانوا يزورون بلاد المغرب للتدريس والافتاء.
وعليه فإن ذلك الاتصال الثقافي بالمشرق أثرى الحياة الثقافية في بلاد المغرب، فظهر كثيرون من الأعلام المغاربة في شتى حقول العلم والمعرفة، كالمهدي النفوسي الذي ذكر الشماخي عنه أنه له اليد العليا في علم الجدال (علم الكلام)، حيث كانت له القدرة الكبيرة في البرهان والاستدلال، وأبو الحسن الأبداني، فقيه وعالم نفوسة الكبير.
ولاشك أن انتشار أراء الخوارج بين البربر، أحدث ثورة فكرية في بلاد المغرب، وساعد على التنافس الفكري بين الخوارج وبين غيرهم من أتباع المذاهب والفرق الإسلامية الأخرى، التي وفدت إلى بلاد المغرب، وأهم المجالات الفكرية التي جرت في هذا الصدد كانت من السنة المالكية والمعتزلة، ثم مع الشيعة الفاطميين.
ولعله من المفيد التذكير أن افريقية سادها مذهب مالك، إلا أن مذهب الخوارج تسرب اليها بشقيه الصفري والاباضي، وكانت حلقات المذهب تعقد في مساحد افريقية يسودها النقاش الحر بينهم وبين مخالفيهم، إلى أن جاد الامام سحنون التنويضي الذي قام بتفريقهم، وكانوا في حلقات من الصفرية والاباضية، وأدب جماعة منه لمخالفتهم أمره وأطافهم، وأمره أن لا يجلسوا في حلقة.
وعلى خلاف ذلك حظي المالكية في دول الخليج بتسامح إلى أبعد الحدود حيث كانت لهم الحرية التامة في ممارسة شعائرهم في ساحة مساحد تاهرت ما عدا المسجد الجامع.
وحسب البكري، فإن تاهرت كانت تضم في روابضها جماعات من الواصلية، بلغ عددها الثلاثين ألفا، وعلى الرغم مما قاموا به من دور معاد لأئمة بني رستم، فقد حظوا بتسامح ديني إلى ابعد الحدود، وحسبنا ما كان يحدث بين شيوخهم وزعماء الاباضية من محاورات على غرار ما كان يحدث بالمشرق بين زعيمهم واصل بن عطاء وبين أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة شيخ اباضية المشرق.
وتفيدنا مصادر الاباضية بالمساجلات التي كانت تدور بين متكلمي المعتزلة ونظرائهم من الاباضية في تاهرت، وكيف أن المعتزلة أفحموا الامام عبد الوهاب ذاته في نقاشاتهم، فلم يجد عبد الوهاب من وسيلة لرد محاجاتهم في كثير من المسائل الجدلية المتعلقة بالعقائد والشرائع، غلأا الاستعانة بمشايخ في جبل نقوسة وكانت المعارك الجدلية بين الاباضية والمعتزلة لا تغير أبدا، ومع ذلك نعم المعتزلة في العصر الرستمي الأخير بتسامح كبير، فكانوا يلتقون في مناظرات ومساجلات مشهورة مع مشايخ الابضاية على نهر "مينة"، خارج تاهرت، وكان قطب الاباضية المدافع عن مذهبهم، ويدعى عبد الله بن اللمطي، له معهم مواقف مشهودة.
وفي هذا المجال يقدم لنا النفوسي، نصا في غاية الأهمية، يدعم فكرة انتشار المحاورات والنقاشات بين أعلام المذاهب والفرق: "وكثرث الاقوال وانتحل البحث في المذاهب، وعظم الجدال وفشت المناقشة في المسائل الخلافية، واتهمها مسألة الإمامة، فقام كل فريق يطلب الاختصاص بها ويدعي أنه أولى وأحق بها، ويقيم على ذلك الحجج ويرتب الأدلة.