في ميدان الجغرافيا:

 أ- ابن سعيد المغربي: يظهر في هذا العلم اسم الجغرافي والرحالة ابن سعيد المغربي، وهو علي بن موسى بن عبد الملك بن سعيد بن خلف الغرناطي، المولود سنة 610 هـــــــ، والمتوفي سنة 685 هـــــ، لم يتح لمصنّف عربي آخر، قبل ابن سعيد أو بعده، القيام بدور الشاهد الثقافي، الموسوعي المستقصي على التفاعل والتجاذب والجدل بين المشرق والمغرب، كما أتيح لهذا المؤرخ الفذ الناقد، والرحالة الجغرافي الأندلسي النشأة، التونسي الإقامة، المشرقي السياحة العلمية، شاماً ومصراً، عراقاً وحجازاً.

كان ابن سعيد موسوعيا في إنتاجه الفكري، نستنتج ذلك من المؤلفات الكثيرة التي ألفها، وسجلتها لنا الكتب التي ترجمت له، منها " المرقصات والمطربات" و " المقتطف" و " الطالع السعيد في تاريخ بن سعيد"، والكتابان البارزان " المغرب والمشرق"، في الواقع أنه ليس من المبالغة أن يقال أن "كتاب المغرب" كان مدرسة ابن سعيد الكبرى، وإنّ هذا الكتاب أساسا هو الذي حدّد له حدود علمه واتجاهاته.

يقول ابن سعيد محدّدا علاقته بهذا الكتاب، مبيّنا دوره فيه وفي توأمة كتاب " المشرق": " كان والدي، قد جمع المغرب في حلى المغرب، والمشرق في حلى المشرق". وجُلّ جهدي في تكميل هذين الكتابين على ما رسم لي".

لذلك عندما رحل ابن سعيد إلى المشرق، كان حاملا زادا ضخما من تراث الأندلس الفكري، فلاغرابة أن أقبل الناس على ابن سعيد إقبالا عظيما. وطار اسمه كل مطار، وكان هو نفسه رجلا ذكيا نشيطا مقبلا على العمل، فأصبح خلال النصف الثاني من القرن السابع هجري، علما من أعلام المجتمع والثقافة في بلاد المشرق كله، خاصة بمصر والشام، وذاع له الصيت العظيم.

ولعل سر شهرة ابن سعيد بالأدب، فترجع إلى أنه وفد إلى المشرق في عصر غلب على المثقفين فيه طابع الأدب، والرغبة في تسجيل كل بيت من الشعر يرد ذكره مخافة أن يضيع، وهو اهتمام غلب على الناس بعد سقوط بغداد في أيدي التتار، وضياع ألوف الكتب أثناء هذه الكارثة الكبيرة.

ويذكر أن الفرصة لم تسنح لابن سعيد لإخراج "المغرب" واتمام "المشرق"، إلا بعد أن تعرّف على صديق جديد، وهو كمال الدين ابن عمر بن أبي جرادة، المعروف بابن العديم صاحب " تاريخ حلب". فقد وفد هذا الأخير على القاهرة رسولا من الناصر الأيوبي صاحب حلب إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب، وهناك عرف ابن سعيد وما عنده من علم وفضل فدعاه إلى الرحلة إلى حلب والدخول في خدمة صاحبها، فذهب إلى هناك فقضى ثلاث سنوات من 644 هـــ إلى 646 هــــ، ربما كانت هذه أهدأ أيام حياته وأوفرها إنتاجا، فقد أتم إخراج " المغرب"، وربما جزء من "المشرق"، ويبدوا أنه لم يطمئن بعد ذلك للمقام في حلب، فاتجه إلى دمشق، وهناك دخل في خدمة السلطان المعظم توران شاه، لم يطل به المقام هناك أكثر من سنة، فرحل سنة 648 هـــ، ومر بطريقه بأرمينية، ثم غادر بغداد إلى الحجاز، ثم كرّ راجعا إلى تونس سنة 652 هـــ، حيث نزل عند صديقه أبي  عباس أحمد التغارشي، صاحب الموسوعة المعروفة.

 

وعلى العموم فإن تميز ابن سعيد، كان في مصنفاته العلمية في الميدان الجغرافي، والتي تبدو جليّة خلال كتابه الكبير في هذا المجال وهو " الجغرافيا في الأقاليم السبعة"، وإلى المختصرين عنه وهما " وصف الكون" و " بسط الأرض في الطول والعرض". ومن الواضح أن هذا الرجل الفذ سار بتيّار التأليف الجغرافي العلمي في الطريق الجاد متابعاً لتقليد الرازي والبكري والإدريسي، ومن إليهم من المنهجيين الأصوليين من أصل الأندلس، محافظا على جوهر العلم الجغرافي من أن ينحدر في الطريق السهل الفسيح، وكتابه في الجغرافيا، إنما هو في الحقيقة ابتكار في التأليف الموجز المركز، الغزير المادة، القائم على التفكير السّليم و الحساب الدقيق والتصور الواضح.

لقد أصرّ الرجل على مواصلة رسالته الثقافية، ووجد في انتمائه الأعمق إلى " دار الإسلام" وحضارته – مشرقا ومغرباً- ما يعوّضه عن ضياع داره وموطنه، وكانت رحلاته المشرقية المتتابعة رمزا لذلك التفاعل العميق والوحدة المتصلة بين قطري العالم الإسلامي – المشرق والغرب الإسلامي-.

ب- ابن جبير:

يعتبر ابن جبير أحد أبرز الرحالة الأندلسيين الذين قدموا إلى بلاد الشام، خلال القرن السادس الهجري/12م، مقدماً نموذج الرحالة المفكّر الذي شكل مظهرا مشرفا من مظاهر التواصل العلمي والحضاري بين الغرب الإسلامي ومشرقه، من خلال المعطيات العلمية النفيسة، التي تضمنتها كتاب حول الرحلة إلى المشرق، تناول فيها العديد من الجوانب السياسية والحربية والاجتماعية والاقتصادية والعقائدية في حياة بلاد الشام في عصر الحروب الصليبية، وفي بعض الأحيان نجده ينفرد بإيراد إرشادات لا نجد لها نظيراً في رحلات الرحالة المسلمين الذين زاروا بلاد الشام في ذلك العصر، ومن ثم تحتل رحلته مكانة خاصة من بين ما وصل إلينا من مؤلفات خاصة بالرحلة الإسلامية إلى هناك.

يرتفع نسب ابن جبير الكناني إلى أسرة عربية عريقة، فقد دخل أسلافه الأندلس في القرن الثاني الهجري مع القائد الشهير بلح بن بشير بن عياض القشيري، وهو من أسرة بلنسية التي ولد بها الرحالة ابن جبير عام 540 هــــ، ولقد اهتم والده بتربيته، فدرس العلوم الدينية واللغوية، وظهرت موهبته الأدبية فقرض الشعر، ولمع اسمه، ومن ثم اتخذه حاكم غرناطة أبو عثمان سعيد بن عبد المؤمن رفيقا له وجعله أحد كتاب ديوانه.

قام ابن جبير بثلاث رحلات إلى المشرق، إذ أنه غادر غرناطة في عام 587 هـــ في رحلته الأولى، ثم قام برحلة ثانية، إذ أنه علم بانتصار المسلمين على الصليبيين عام 583هـــ، فقرر الذهاب مرّة أخرى إلى الشرق من أجل أن يشاهد المناطق الإسلامية بعد أن تم تحريرها من قبضة الغزاة الصليبيين، فارتحل إلى هناك عام 585هـــ، وعاد إلى بلاده في عام 587هـــ، أما الرحلة الثالثة فكانت عام 614هـــ، وأقام بمكة المكرّمة فترة من الزمن ثم رجع إلى الإسكندرية، وأقام بها إلى أن أدركته منيته هناك سنة 616هـــ أو 617ه.

ويمكن القول أن هناك ناحية هامة تلفت انتباه القارئ لرحلة ابن جبير، وهي اعتماده في المقام الأول على المشاهدة والملاحظة، فكان لا يكاد يسمع عن شيء غريب إلاّ أسرع لرؤيته، ولا يتصل به طرف من خبر حتى يبادر إلى استقصاء تفصيله، ولا يترك أثراً أو مشهداً أو اجتماعاً إلاّ ذهب إليه، ثم هو حريص بعد ذلك على أن يدوّن كل ما يرى ويسمع على أدق صورة وأوفاها. ويورد بعض المفردات الدّالة على ذلك مثل " هذا ما شهدناه" و " عايناه" و " هذا ما حققناه".

أقام ابن جبير في دمشق قرابة السبعين يوما من عام 580هـــ، أي قريباً من المدة التي قضاها في الحجاز، وست مرّات ونصف، قدر المدّة التي قضاها في بغداد، وليس مرد هذه الإقامة الطويلة إلى مجرد البحث عن وسيلة من دمشق إلى عكا على طريق كانت إذ ذاك تحت سلطة الصليبيين. بل مرده في الحقيقة إلى هذا الأنس الذي كان الأندلسيون يجدونه في عاصمة الشام المشابهة في البيئة الطبيعية وأخلاق الناس ورابطة الأموية، وهذا الأنس مصداق لما يقوله الجغرافيون الأندلسيون عن بلادهم من أنها شامية، ولهذا لا نكاد نجد رحالة أو حاجاً أندلسيا إلاّ يطيل المقام والكلام في دمشق وغيرها من مدن الشام.

 

يلاحظ عند ابن جبير أن مقدار المشاهدة والملاحظة تتفوّق بشكل واضح في رحلته، لاسيما عن بلاد الشام، وهو لا ينقل عن رحالة آخرين، أو يقدم نصوصاً للسابقين؛ وإنما يقدم رؤيته الشخصية الخاصة به، ومن هنا كانت القيمة المتزايدة لرحلته. زد على ذلك أنه دخل مناطق الصّليبيين، وتناول أوضاع المسلمين الخاضعين لسيطرتهم، وتحدّث عن العلاقات السلمية بين الجانبين، وكل ذلك من خلال رؤية ناقدة وملاحظة واعية، وبأسلوب أدبي رفيع المستوى، على نحو ندرك معه أن الأدب والجغرافيا والتاريخ اجتمعوا سويّا، بتوافق فذ في رحلة ذلك الرحالة الأندلسي المتمكّن من أدوات الرحالة بجدارة.

فمن أبرز الأمثلة على يقظته وحرصه على أن يعلم – ويسجّل- دائما أين هو وفي أي اتجاه يسير قوله: " فكان مقامنا بحماة إلى عشيّ يوم السبت المذكور، ثم رحلنا منها، وأسرينا الليل كلّه وأجزنا في نصفه هذا النهر العصي المذكور على جسر كبير معقود من الحجارة، وعليه مدينة رستن. فوصلنا إلى مدينة حمص مع شروق الشمس من يوم الأحد الموفّى عشرين لربيع الأول، فنزلنا بظاهرها بخان السّبيل ".

وقد اكتسب ابن جبير من طول ملاحظاته لجري السفن وتسيير الربابنة لها، فهماً يستوقف النظر لشؤون السفن والرياح والأضواء، وحديثه حافل بما يدل على ذلك الفهم، وهو يستعمل فيه المصطلح الدّارج كما يسمعه دون محاولة للترجمة أو التعريب، مما يعطي كلامه في ذلك الموضوع قيمة خاصة.

أما أوصافه الجغرافية فهي غاية في الدقّة والصدق والفائدة، فهو لا يصل إلى بلد إلاّ أعطى عنه صورة دقيقة في كلمات مختصرة تضم عصارة الموضوع، فمن أمثلة ذلك قوله يصف المدينة المنورة " وللمدينة أربعة أبواب، وهي تحت سورين، في كل سور باب يقابله آخر، الواحد منها كلّه حديد ويعرف باسمه،  باب الحديد،  ويليه باب الشريعة،  ثم باب القبلة وهو مغلق،  ثم باب البقيع، وقبل وصولك صور المدينة من جهة الغرب بمقدار غلوة، تلقى الخندق الشهير الذي صنع النبي صلى الله عليه وسلم عند تحزب الأحزاب…." 

ومن أمثلة الدقة والتحديد الجغرافي وصف ابن جبير الطريق من مكة إلى المدينة ومنها إلى الكوفة والجزء الأول من هذا الطريق(:  إلى المدينة) موصوف بضبط لا نجده عند رحالة آخر، فهو يتحدث عن كل منزل من المنازل ويصفه وصفا موجزا، مع ذكر ما فيه من موارد الماء. والرجل يكتب من عند نفسه دون اعتماد على أحد.

 أما ملاحظاته التي تدخل في نطاق التاريخ، فربما كانت خير من أتى به شاهد عيان ممن كتبوا عن الحروب الصليبية، ومن محاسن الصدف أن رحلته الأولى -  وهي التي وصفها ودوّنها - وقعت في فترة حاسمة مشرقة من التاريخ الإسلامي، فقد كان السلطان إذ ذاك صلاح الدين الأيوبي، وكان يستجمع قواه لاستعادة بيت المقدس، وقد أعطانا ابن جبير صورة صحيحة محايدة لذلك البطل الإسلامي الأبي، تعتبر من وثائق التاريخ.

وجدير بالتقدير أن ابن جبير لم يغادر شخصية ذات أهمية مرّ بها في طريقه إلاّ وفّاها حقّها من الوصف والكلام، ولم تفته في مجتمعات الناس من ظاهرة ذات قيمة إلاّ أثبتها سواء أكان ذلك في مصر أو الحجاز أو العراق أو الشام.

وفي المحصّلة فإن الرحالة دوّن تفاصيل رحلته لبلاد المشرق بدقة كبيرة مركّزا على المكان والزمان وأبعادهما الجغرافية والعمرانية والإنسانية، فلم يكن مجرد رحالة عادي يسجّل بسطحية ما يراه، بل كان متميّزا من حيث كان تركيزه على الأحداث والأمكنة و تفاعلاتها مقدّما مادة تاريخية نادرة للأماكن التي زارها، استفاد منها اللاّحقون من المسلمين وغير المسلمين.

 ومن ناحية أخرى، فقد هيمن الحج بكل ما يحمله من قدسية على المحطات الرئيسية في الرحلة، وقد وصفها وصفا مفعما،حول تفاعل الحجاج مع قدسية المكان،  كما أن ابن جبير ظل طيلة الرحلة متمسكا بهويته الإسلامية، بانتمائها إلى الفضاء الجغرافي الغربي منها، وهو الغرب الإسلامي. 

 


Last modified: Saturday, 12 November 2022, 7:12 PM