إن دراسة تاريخ أوروبا في العصور الوسطى يتطلب الإشارة إلى تأثير الإسلام بعد انتشاره  في أجزاء من حوض البحر الأبيض المتوسط الذي كان يشكل وحدة حضارية لكن امتداد الإسلام إلى بلاد الشام ومصر وشمال إفريقيا أدى إلى تحطيم تلك الوحدة الحضارية وإدخال المنطقة في مرحلة جديدة.

ولما كان الإسلام عالميا أرسل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم رسائل إلى ملوك العالم، وكان من بينها رسالة إلى هرقل ملك الروم، ولعلها أول إشارة إلى الاحتكاك بين العالم الروماني والإسلام، لكن لما بعث الرسول صلى الله عليه وسلم الحارث بن عمير الأزدي إلى ملك بُصرى قام بقتل  رسول رسول الله وهو ما اشتد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان هذا سببا لتجهيز جيش إلى مؤتة بهدف تأديب عامل هرقل على بصرى الذي اعتبر ما قام به اعتداءا مباشرا على الإسلام.

وتجددت الوقائع بين المسلمين والروم لعل أبرزها موقعة أجنادين 634م وإلحاق الهزيمة بالقوات البيزنطية ثم اتسعت الفتوح الإسلامية في عهد الخليفة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- فتم فتح دمشق 635م، وبعد حشد هرقل لجيشه لقتال العرب، أنزل خالد بن الوليد هزيمة جديدة بجيوش البيزنطية في موقعة اليرموك 636م وكان بعدها فتح بيت المقدس 637- 638م، وجاء الدور على فتح مصر 641م وهو ما بعد خسارة عظيمة منيت بها المسيحية، ودليلا على مدى ضعف الإمبراطورية وانحلالها السياسي.

 

معابر الحضارة الإسلامية إلى أوروبا:

من أهم المعابر الحضارة الإسلامية إلى أوربا ما يلي:

الأندلس وصقلية ومن خلال الحروب صليبية في الشرق

1- الأندلس:

يعتبر الفتح الإسلامي للأندلس بداية لعصر جديد حيث طرأ تحول عظيم في حياتها العامة وفي نظمها الاجتماعية، فقد جمع الإسلام شمل عناصر المجتمع المختلفة ومزج بينها رغم ماكانت تعيش به من الأهواء والنزاعات وفوارق الجنس والعصبية، فبغد أن استقر الحكم للمسلمين ظهر ت في الأندلس حركة أسلمة واسعة النطاق بفضل سياسة التسامح المنتهجة من قبلهم، الأمر الذي دفع سكان البلاد اعتناق دين الفاتحين الجدد إما عن إيمان وقناعة أو طمعا منهم في الاستفادة من ظروف مادية أفضل والتخلص من الجزية.

وقد كفلت الدولة الإسلامية حرية العقيدة للذين احتفظوا بديانتهم من مسيحية ويهودية، فأبقت أهم كنائسهم وأديرتهم ولم تتعرض لهم، وبدورهم تعلموا العربية، وأخذوا بأسلوب العرب في حياتهم، وعرفوا بالمستعربين، واهتموا بالتراث العربي من آداب وشعر، وكان لهم دور فعال في نقل الحضارة العربية إلى اسبانيا المسيحية.

وشارك اليهود في الحياة الثقافية مشاركة فعالة خاصة بما ترجموه من كتب عربية، وعندما سقطت طليطلة في أيدي المسيحيين ازداد تدفق طلاب العلم من مختلف أرجاء غرب أوروبا على اسبانيا ونشطت حركة الترجمة استمرت إلى غاية القرن الخامس عشر  فترجم إلى اللاتنية كثيرا من مؤلفات العرب في مختلف العلوم والفنون، وترجم عن العربية كثير من المؤلفات اليونانية مثل كتب جالينوس وبقراط وأفلاطون وأريسطو واقليدس وقد وجد من حكام اسبانيا المسيحيين من قدروا الثقافة العربية الإسلامية ومن هؤلاء ألفونسو الخامس ملك قشتالة وليون (1252- 1284)م.

وما تجدر الإشارة إليه أيضا أن الثقافة العربية انتشرت تدريجيا في غرب أورويا عن طريق التواصل التجاري والحضور السياسي للعرب في اسبانيا وصقلية، وغلى الرغم من اتصال غرب أوربا مباشرة مع الدول البيزنطية إلا أنها استفادت من المسلمين من استفادتها من البيزنطيين.

2-  صقلية:

    المعبر الثاني الذي انتقلت منه علوم المسلمين إلى الغرب الأوروبي فكان جزيرة صقلية، فقد اهتم المسلمون فيها بالزراعة من حيث أنظمة السقي وإدخال محاصيل جديدة كزراعة القطن وقصب السكر ، وفي الصناعة استغلوا ثروة الجزيرة الطبيعية كالفضة والحديد والنحاس والكبريت وأدخلوا أيضا صناعة الحرير، واتسعت تجارة صقلية في ظل الحكم الإسلامي على نطاق واسع.

3- دور الشرق الإسلامي في نقل الحضارة الإسلامية إلى أوروبا:

كان لبلاد الشام والشرق الأدنى دور كبير في نقل بعض مظاهر الحضارة الإسلامية إلى الغرب الأوروبي في العصور الوسطى، وترتبط في هذا الشأن بالحروب الصليبية وما نشأ عنها من صلات سياسية وحضارية وتجارية بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي مع الأحد بعي الاعتبار أن الصليبيين انتقلوا إلى الشرق للحرب لا لطلب العلم، ولم تتح لهم فرصة الاستقرار والظروف اللازمة للنشاط الفكري والحضاري، وبالتالي لم يكن الاتصال بالقدر الذي كان بين الأوروبيين والمسلمين في الأندلس وصقلية.

لقد اختلفت الآراء حول دور الشرق الإسلامي في نقل الحضارة الإسلامية إلى أوروبا، فهناك من يرى أن الصليبيين جاؤوا محاربين لا طلاب علم، في حين يؤكد مؤرخون آخرون على أهمية الشرق كمصر من معابر الحضارة الإسلامية تمكن من خلالها العلماء الصليبيون على الثقافة الإسلامية، خاصة طبقة النبلاء والأمراء والكنسيين.

ومن بين أهم المجالات التي استفاد منها الصليبيون من خبرة المسلمين هي بناء القلاع والحصون بما شاهدوا من نماذج خلال الحروب الصليبية إلى جانب تأثرهم بالفنون الحربية في طرق الحصار واستخدام المنجنيق والدروع وإرسال الرسائل عن طريف الحمام الزاجل  كما استفادوا من الخبرة الإسلامية في الكثير من الصناعات مثل صناعة الزجاج والفخار والصابون والنسيج وصباغته وصناعة البسط والأصباغ والعقاقير الشرقية، كما أدخلوا إلى زراعتهم فواكه ومحاصيل لم تكن معروفة لديهم مثل الأرز والسمسم والثوم والليمون والبطيخ وقصب السكر.

وفي مجال الطب أعجب الصليبيون كثيرا بتقدم الطب الإسلامي، وكانوا يبعثون في طلب الأطباء المسلمين لمعالجة مرضاهم، وأخذوا عن المسلمين بعض العادات ونظم الحياة مثل الحمامات العامة والحرص على النظافة الشخصية واستعمال العطور والمرطبات واستخدام التوابل وطرق الطهي.

فما نخلص إليه هو أن تأثير العرب والإسلام واضح في تاريخ أوروبا في العصور الوسطى في مختلف الجوانب السياسية والحضارية وأصبحت الأماكن التي حل بها المسلمون مراكز حضارية قصده طلاب العلم من كل مكان ما أدى إلى تغيرات جذرية فيها وأبرز مثال على ذلك أوضاع اسبانيا وصقلية مثلا قبل وبعد مجيء الإسلام إليها.

المراجع:

سعيد عبد الفتاح عاشور، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، دار النهضة العربية، بيروت، 1972م،

-نور الدين حاطوم،تاريخ العصر الوسيط في أوروبة،دار الفكر ،دمشق،1982م

نعيم فرح ،الحضارة الأوروبية في العصور الوسطى،منشورات جامعة دمشق،سورية،ط2،- 2000م 

 عبد الأمير محمد أمين ومحمد توفيق حسين،التاريخ الأوروبي في العصور الوسطى،مطبعة جامعة بغداد،العراق،1980م،ص91.


 

 




آخر تعديل: السبت، 23 ديسمبر 2023، 1:23 PM