عرفت العصور القديمة نشأة إمبراطوريات الكبرى كالأشورية والفارسية والإغريقية والمصرية والرومانية، هذه الأخيرة التي اعتبرت وحدة حضارية وسياسية عظيمة إذ بلغت درجة كبيرة من القوة والاتساع، فقد ضمت بين حدودها عددا من مراكز الحضارة القديمة وسيطرت على شعوب وأمم ذات أصول مختلفة، وأصدرت العديد من القوانين والتشريعات التي تتناسب مع تلك الشعوب المختلفة عن بعضها البعض في تراثها التاريخي ولغاتها ودياناتها، وامتدت على شواطئ البحر  المتوسط الذي عدّ شريانا رئيسيا يربط بين مختلف  أجزائها، كما ساعدت الأنهار الداخلية على الربط بين أطراف الولايات  إلى جانب الطرق المعبدة  التي اشتهرت بها حضارة الرومان والتي أقاموا منها شبكة واسعة كان لها الفضل في نشاط الحركة التجارية، ولفهم التاريخ الأوروبي في العصر الوسيط نستعرض أحوال الإمبراطورية الرومانية في مختلف الجوانب:

1-الوضع السياسي:

كانت الملامح الرئيسية للتنظيم السياسي لمدينة روما (التي تأسست سنة753ق.م) في القرن الأول لا تختلف كثيرا عما كان شائعا في أية مدينة من المدن  التي عرفها العالم القديم، وكانت في هذه المرحلة المبكرة من تاريخها لا تزال خاضعة  لبقايا نظام قبلي بسيط وينتمي سكانها إلى ثلاث أو أربع قبائل فقط، والتي يسودها عادة حكم رؤساء العشائر الكبيرة، ووجد هذا النظام في روما باسم مجلس السناتوس (Senatus) ومعناها مجلس الشيوخ ، وكان يضم أشراف الأسر الكبيرة وكانت بيدهم جميع مقاليد الحكم.

وينقسم تاريخ روما القديم إلى ثلاث عصور:

1- العصر الملكي: ويشمل الفترة الأولى منذ تأسيس المدينة حتى عام 509ق.م حيث يبدأ العصر الجمهوري.

2- العصر الجمهوري: بدأ منذ عام 509ق.م بثورة وطنية واستمرت الجمهورية الرومانية حوالي خمسة قرون انتهت بسلسلة من الصراعات الحزبية والحروب الأهلية حتى وضع لها أوكتافيانوس حدا عام 27 ق.م.

3- النظام الرئاسي:  استحدث أوكتافيانوس نظاما دستوريا وسياسيا جديدا عرف  بالنظام الرئاسي منذ عام 27 ق.م، حافظ فيه على هيكل النظام الجمهوري حيث استمرت الانتخابات لجميع مناصب الحكم، وبقيت المجالس التشريعية إلا أنه اتخذ لنفسه منصبا جديدا هو منصب رئيس الدولة وأصبح أوكتافيان (أغسطس كما سيلقب لاحقا) الحاكم الفعلي والمتصرف في جميع شؤون الدولة، وجمع في يده السلطات السياسية والقضائية والعسكرية والدينية؛ لكن أخطر صفة ملازمة  لشخصية رئيس الدولة  الجديد كانت السلطة المطلقة في القيادة العسكرية فغلب على المؤرخين إطلاق اسم الإمبراطورية الرومانية على العصر الذي بدأه أغسطس والذي استمر  إلى غاية تاريخ سقوط روما في القرن الخامس الميلادي.

   لكن هذه الإمبراطورية لم تبق محافظة على هذا النظام طيلة تاريخها القديم، بل طرأت عليها تعديلات جوهرية في النظام والدين وميز المؤرخون بين مرحلتين مختلفتين عهدي كل من الإمبراطورين دقلديانوس وقسطنطين.

و يعتبر القرن الثالث الميلادي من أخطر  فترات التاريخ الروماني لأنه يمثل مرحلة الانتقال من الحضارة القديمة إلى العصور الوسطى ومن أبرز معلمه  كثرة الانقسامات  السياسية والتنازع حول العرش وتدخل الجيش في تعيين أو عزل الأباطرة، وهذا ما ينطبق على الإمبراطورية الرومانية خلال القرن الثالث الميلادي حيث تعرضت لأزمات عنيفة هددت كيانها، فقد تفاقمت المشاكل السياسة والاقتصادية والاجتماعية والدينية واشتد خطر الجرمان والفرس وازداد ضغطهم على حدود الإمبراطورية.

وأمام غياب قانون  وراثي ثابت ينظم وظيفة الإمبراطور ، ظهر ضعف الإمبراطورية الرومانية في القرن الثالث  بانعدام النظام وتحكم القوات  العسكرية في إقامة الأباطرة وعزلهم فأصبح الوضع بحاجة إلى إصلاح النظام الإدارية ونظم الضرائب والعملة، وهذا ما سنفصل فيه المحاضرة المتعلقة بالإمبراطورية الرومانية في عهدي الإمبراطورين دقلديانوس قسطنطين.

2-الوضع الاجتماعي:

على الجبهة الاجتماعية عمت روح الاستياء والغضب على الأهالي، ونشبت عدة ثورات في معظم أقاليم الإمبراطورية الرومانية ، ونتيجة لكثرة الحروب الأهلية أصبحت الطرق التجارية غير مأمونة في البر والبحر، وزاد نقل الضرائب على الطبقات الدنيا في المجتمع الروماني الذي اختل توازنه، فالطبقة الأرستقراطية المؤلفة من كبار  ملاك الأراضي ازدادوا غنى وازداد الفقراء فقرا، وتدهور الإنتاج وانخفضت قيمة العملة، فعم الفساد وهجر المزارعون أراضيهم  وتعرضت المدن للنهب واتسعت أعمال السلب والقرصنة.

3-الجانب الديني:

أما من الناحية الدينية فقد وجدت  المجتمعات الإمبراطورية الرومانية نفسها أمام فراغ روحي على الرغم من انتشار عقائد دينية متنوعة أهمها عبادة الإمبراطور الروماني الذي فقد كثيرا من صلاحياته.

فكانت الأوضاع التي سادت أرجاء الإمبراطورية الرومانية أكبر  عامل ساعد على سرعة انتشار المسيحية داخل المجتمع،ولعل أهم التطورات بالنسبة للكنيسة المسيحية خلال القرنين الرابع والخامس الميلاديين وهي فترة انحطاط الإمبراطورية الرومانية هو ارتفاع منزلة أسقف روما الذي صار يعرف بالبابا وظهرت سيادة البابوية في الكثير من المجالات.

المراجع

سعيد عبد الفتاح عاشور، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، دار النهضة العربية، بيروت،- 1972م

 عبد الأمير محمد أمين ومحمد توفيق حسين،التاريخ الأوروبي في العصور الوسطى،مطبعة- جامعة بغداد،العراق،1991.

نورمان ف. كانتور، التاريخ الوسيط: قصة الحضارة البداية والنهاية، ترجمة: قاسم عبده قاسم ،   عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، ط5، 1997م 

 

           

 

 

 



 

Modifié le: samedi 23 décembre 2023, 13:12