أثر الفتوحات الإسلامية في الروابط الثقافية بين القطرين
كان العرب قد أتموا فتح مصر سنة 21هــ/642م ومنذ هذا التاريخ تصبح مصر قاعدة لكل الفتوحات المتوجهة غربا على طول سواحل بلاد المغرب حتى الأندلس، نجح عمرو بن العاص في فتح برقة ثم طرابلس سنتي 22هــ/643م، 23هـ/644م، ثم تلتها فتوحات عقبة بن نافع وحسان بن النعمان وموسى بن نصير، واستمرت انتصارات الفاتحين المسلمين، حتى انتهى الأمر إلى قيام حكم إسلامي في بلاد المغرب والأندلس.
لكن ينبغي أن ننتبه أن الفتح الإسلامي أثر في تاريخ الثقافة واتجاهاتها في بلاد المغرب، فقد بدأت الثقافة الإسلامية يوم الفتح نفسه، لأنه فتح جاء بكتاب سماوي صالح لكل زمان ومكان وهو كتاب دين قويم، دستور وسياسة، وقاموس لغة، ومجمع ثقافة وتاريخ أمم لذا كان الفتح فتحا ثقافيا جامعا، وكانت اللغة العربية هي لغة القرآن وقد وجدت طريقها إلى قلوب المغاربة دون مشقة وعناء.
وتتابعت الفتوحات الإسلامية صوب بلاد المغرب، لتزيد في ترسيخ أقدام المسلمين وتزيد في مساحة الأراضي التي يتم بسط النفوذ عليها، ويتم تبعا لذلك نشر الثقافة الإسلامية.
ومن ناحية أخرى ضم الجيش في جملة أجهزته جهازا يمكن تسميته بالجهاز المعنوي وهم قراء القرآن، وعلى الرغم من إسناد مهمة القراءة لقارئ واحد، إلا أنه يمكن الاعتقاد بأن القراء في الجيش قد تعددوا تبعا لتضخم عدد أفراده وتمايز فرقه، كما أن انتشار تعلم قراءة القرآن الكريم وحفظه في أواسط الناس جعل أعداد القراء كبيرة، حتى أننا نجد في ثنايا روايات الأخبار بين المهتمين بفرق جيوش الفتح، وحدات خاصة بالقراء، أما القاضي فكان ممن يحمسون الجند أثناء الاستعداد لدخول المعركة، فمثلا حملة عبد الله بن أبي السرح عام 27هـــ/647م، كان من ضمنها عدد كبير من علماء الإسلام، منهم عبد الله بن العباس المتوفى سنة 68هــ/687م وهو جد الأمة، وأضاف إلى ذلك أن الجيش كمجموعة من المسلمين، اقتضى قيامهم بفروضهم الدينية، كنشوء بعض المهام التي يعين لها موظفون معرفون بمكانتهم الدينية والعلمية منها جمع الصدقات التي عين لها لأول مرة في صفوف الجيش الفاتح جيش الصنعاني، وهو تابعي أشتهر بغزارة علمه وسعة درايته وشدة حماسته لنشر الإسلام، وقد أخد عنه الناس حيثما صار، من مصر حتى الأندلس مرورا بالمغرب.
ولعله من المفيد الإشارة أن أول اتصال علمي منظم بين المشرق والمغرب، كان تلك التعبئة التي أرسلها الخليفة الأموي عمر بن العزيز 99-101هــ/718-720م، وساهمت إلى حد بعيد في بداية إرساء إسلام المغاربة على أسس صحيحة
كما أن الوالي موسى بن نصير، وأثناء عمليات الفتوحات التي أنجزها، ترك على البحر في بلاد تونس، خلقا يسير من العرب لتعليمهم القرآن وفرائض الإسلام، وممن تدخلهم الرواية ضمن أصحاب هذا الفاتح، صالح بن منصور الحميدي، الذي نزل في منطقة الريف ونشر الإسلام في صفوف قبائله من عمارة وبعض فروع صنهاجة، وأنشأ أحفاده فيما بعد دولة لهم في منطقة عاصمتها نكور.
ومع انتقال الخلافة من دمشق إلى بغداد منذ قيام الدولة العباسية عام 132هــ/749م، أصبح ولاة المغرب يشعرون في أحيان كثرة بنوع من الاستقلالية، وخاصة عندما حكم أحفاد عقبة بن نافع والمصالبة، وكان لابد من تحقيق بهذه الغاية، أن تنشط الحركة الثقافية ليزاحم العلم المغربي العلم المشرقي، ولذا أنكب الولاة على تأسيس معاهد العلم، وتسجل في هذه المرحلة تأسيس جامع الزيتونة بتونس عام 144هــ/761م، وإنشاء أول مكتبة في بلاد المغرب حتى تاهرت وهي مكتبة المعصومة في عهد عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم 171-208هـ/787-823م، ودعوة المشهورين من اللغويين والنحويين والفقهاء والأدباء والأطباء والمبدعين عموما، وقد اشتهرت هذه الظاهرة في بلاد المغرب والأندلس لتكوين جهاز علمي قادر على حمل لواء الثقافة الإسلامية.
وهكذا سوف تصطلح الحوافز السياسية والعلمية، التي قامت في بلاد المغرب والقيروان وتلمسان وتانوت وفاس وسجلماسة بدور علمي وثقافي كبيرين، جعل من هذه الحوافز ضارة للعلم والمعرفة وتساهم بدورها لفي إثراء الحضارة العربية الإسلامية كما مثيلاتها الحواضر المشرقية.