مظاهر أخرى لتأثير الحركة العلمية في التواصل
وكان من الطبيعي أن تأخذ العلوم المختلفة في التبلور في بلاد الغرب الإسلامي، خاصة وأن إقبال المغاربة على النهل من العلوم والمعارف كان كبيرا.
كما أن رجال الحكم قلّدوا الخلفاء في المشرق في الاهتمام بالعلوم وتشجيع العلماء، ونسجّل في هذا الجانب إقدام الأغالبة على خطوة علمية هامة سنة 264هــ/878م، تمثلت في إقامة أشهر مكتبة ومؤسسة للبحث هي "بيت الحكمة" بالرقادة، الذي جعل منها نموذجا مصغرا لبيت الحكمة العباسي الذي أنشأه المأمون ببغداد. وقد ضمّت مؤلّفات في العلوم الفلسفية والرياضية، فضلا عن العلوم الدينية والإنسانية، وقد اضطلع بيت الحكمة بجهود في ترجمة بعض المؤلفات اللاتينية في علم النّبات وغيرها، وممّن تردّدوا على بيت الحكمة للبحث توجيه الطلاب، الطبيب الفيلسوف إسحاق بن عمران، وتلميذه وأبوبكر، محمد بن الجرار، وإبراهيم أخو بكر هذا، والفضل بن علي بن المظفر، وهو طبيب وأديب. مع العلم أن الرستميين كانوا في تاهرت- قبل الأغالبة- قد أنشؤوا أول مكتبة عامة في بلاد الغرب الإسلامي قاطبة، أطلقوا عليها "المعصومة" في عهد عبد الرحمن الرستمي ( ت 208 ه).
علم القراءات:
استمر تأثير المشرق على المغرب في حقل العلم والثقافة تباعا، ففي ميدان علم القراءات كان تأثير أبي الحسن بن محمد الأنطالي (ت 377ه) كبيرا، عندما نزل الأندلس أصبح مقرئها ومسندها، وصنّف قراءة ورش التي ستصبح القراءة المعتمدة في الغرب الإسلامي بأكمله، واستطاع هذا النابغة أن يكوّن فريقا من القرّاء في تلك البلاد. منهم أبو الفرج الهيثم الصباغ، وإبراهيم بن مبشّر، وطائفة أخرى من قراء الأندلس.
ويورد لنا المقري نقلا عن ابن الفرضي، أن الأنطالي أدخل بلاد المغرب علمًا جمًّا، وكان بصيرا بالعربية والحساب وله حظّ من الفقه، كان رأسًا في القراءات لا يتقدمه أحد في معرفتها في وقته.
الموسيقى:
وفي ميدان الموسيقى، يرد ذكر زرياب أبي الحسن علي بن نافع ( ت238ه)، الذي وصل إلى بلاد المغرب، وانتقل بعدها إلى بلاد الأندلس استجابة لدعوة تلقاها من البلاط الأموي في قرطبة.
تفيدنا الرواية التي يقدمها المقرّي أن زرياب أدخل التراث الموسيقى إلى الأندلس- الذي ينتشر في الحواضر المغاربية الأخرى- ونشره بطريقة تؤكد النّدية التي كانت قائمة وقتذاك بين قرطبة وبغداد في الحقل الثقافي والعلمي، بأن زاد في أوتار العود وتراً خامسا اختراعا منه ،إذ لم يزل العود ذا أربعة أوتار على الصناعة القديمة التي قبلت بها الطبائع الأربع، فزاد عليها وتراً خامسا أحمر متوسط، فاكتسب به عوده ألطف معنى وأكمل فائدة - حسب تعبير المقرّي-.
لكن من المناسب الإشارة إلى أن الدراسات التاريخية المتأخرة حول الموسيقى الأندلسية وتأثير زرياب فيها تضع استفهاماً حول ما كان لذلك التجديد من فائدة علمية، لأن الوتر قد أضيف إلى الوسط، وحيث أنّه لم يرد ذكر لأي تغيير في التوافق اللّحني ليناسب هذا الوتر الدخيل، يغدو من الصعب أن نرى كيف ساعد ذلك في تقوية الكفاءة اللّحنية للآلة، لكن الذي يشار إليه هنا، هو لون الوتر (: الأحمر) الذي يرمز إلى النفس. وفي هذا تطوير إدخال الموسيقى في نظام الكون وهو ما كان الكندي في المشرق يتوسّع فيه في الحقبة نفسها، ويعبّر عنه بالإشارة إلى أوتار العود الأربعة، التي يرتبط بها مختلف أنواع القواعد الرباعية، وهكذا يكون للوتر الخامس مضمون فكري رمزي صرف يكمّل ما يعادله من رموز الألوان في نظرية الأمزجة الأربعة في الكيان البشري، التي تناظرها أوتار العود الأربعة.
من العوامل التي كان لها أثر في تطوّر هذا الفن يتمثّل في عناية الأندلسيين بالموسيقى، وبرز عدد من العلماء تأليفا، وصناعة، وتتمثّل هذه الظاهرة في انتشار المؤلفات المشرقية بالأندلس كرسائل الكندي وكتاب الموسيقى الكبير و إحصاء العلوم للفارابي والشفا والنجاة لابن سينا، ورسائل إخوان الصفا، و مفاتيح العلوم للخوارزمي. ومن ضمن العوامل أيضا التي ساهمت في تطور فن الموسيقى والغناء بالأندلس هو انتشار الجواري المغنيات سواء منهن الأندلسيات أو الوافدات إلى الأندلس من المشرق.
كما شهد القرنان السادس والسابع ، في ظل الحكم الموحدي خاصة، قدوم عدد المفكرين من المشارقة، إما بكيفية حرة، أو في مهمات دبلوماسية أو لأغراض ثقافية أو لمجرد الرغبة في الحصول على هبات سخية من الحكام الموحدين، الذين كانوا يعتبرون نظامهم خلافة شرعية، عليها التزامات معنوية وسياسية تجاه العالم الإسلامي. وفي كل الأحوال فإن الفتوح و عائدات تجارة الذهب والرقيق درّت على الموحدين أموالا دافقة، ظهر أثرها في بناءاتهم وفي التشجيعات المالية التي استفاد منها المشارقة الوافدون، الذين قصدوا البلاط الموحدي، كما وجدوا التشجيع في أوساط المثقفين في عموم بلاد المغرب الإسلامي.
ومن بين الوافدين:
· إبراهيم بن خلف بن منصور الدمشقي، ويعرف بالسنهوري، وسنهور من ديار مصر. كان من العلماء المحدثين، قدم اشبيلية سنة 603 هـ، وقبلها بسنة زار تونس، ثم توجه إلى المغرب، وأجاز عددا من الدارسين، سمّى كتاب الموطأ وصحيح مسلم والبخاري من جملة أسانيده .
· تقي الدين الموصلي الصوفي، أورد الغبريني أنه من أساطين الحكمة، وتوصل إلى ما يتوصل إليه أهل البراهين من خالص الصواب، كانت رحلته إلى صقلية، نظّم في مجالس ملوكها مناظرات في علم الأديان، أقام الحجة عليها، مما اضطرهم إلى صرفه بأدب خشية أن يفسد ملّتهم.
· أبو العباس الجدلي. من أهل أصبهان، رحّالة عالم وصل إلى الهند والصين ومناطق أسيويه أخرى، تنقل بين بجاية و مدن مغربية مثل سبتة، كان عالما بارعا في أصول الدين.
· كما قدم إلى بلاد المغرب، المحدّث أبو زكريا عبدالرحيم بن أحمد بن نصر بن إسحاق بن إبراهيم بن غياث التميمي البخاري، دخل إفريقية وصحب الزاهد المشهور محرز بن خلف (ت 413ه)، ودخل الأندلس وبلاد المغرب، وكتب بها عن شيوخها، وله رسالة " الرحلة وأسبابها". وذكر المقرّي أنه لم يدخل الأندلس من أهل المشرق أحفظ منه للحديث، وهو ثقة عدل (ت471ه).