الرحلة بين المشرق والمغرب وأثرها الثقافي

عندما استقبل المغاربة موجات العرب الفاتحين، أخذوا عنهم دينهم ولغتهم واجتهدوا ما استطاعوا لمنافستهم أو التفوق عليهم، واعتبروا أن العلم ليس حكراً على أحد، وأن تلقي العلم حق للجميع، وأن لطالبه الحق في الاتصال بالعلماء والأخذ عنهم، ومن ثم حرص المغاربة على تلقّي العلم من منابعه، فجالسوا مشاهير العلماء وأخذوا عنهم ما ألّفوا من كتب و ما ألّفوا من دروس.

كانت رحلة المغاربة إلى المشرق على وجه العموم أكثر من رحلة المشارقة إلى المغرب، فرحلاتهم في الغالب تتزامن مع موسم الحج لتأدية الفريضة ومقابلة العلماء ومناظراتهم و الأخذ عنهم، وكان ملتقى المسلمين في الحج، إضافة إلى تشاورهم في أمور دينهم ودنياهم، فإنه ملتقى لأصحاب المذاهب الفقهية والسياسية، كما أنه ملتقى لاستقطاب العلماء أو القادة، وبخاصة أن ذلك العصر كان عصر التنافس بين الأمراء والخلفاء في احتضان العلماء والفقهاء والأدباء والشعراء وأرباب الصنائع من نقاشين مهرة ونحاتين وخطاطين وبنّائين، وكل ما هو فريد نادر ولّد في نفوس العلماء الرغبة في الرحلة لتحقيق الأغراض التي يرسمها العلماء لأنفسهم ووفق إمكانياتهم.

لكن كانت هناك رحلة أخرى – بالاتجاه المعاكس -، أي هجرة المشارقة إلى بلاد الغرب الإسلامي، والتأثيرات العلمية والثقافية المختلفة التي أحدثتها. ولعل الشيء الجدير بالتسجيل في هذا المجال هو الاتصالات بين تاهرت والمشرق، فقد توافد على المدينة مجموعات هامة من أهل العلم، ويبدو أن عددهم كان معتبراً على درجة أن أحياء ومساجد بنيت بتاهرت عرفت بأسمائهم مثل مسجد الكوفيين والبصريين. وكان حكام تاهرت الإباضية ينحدرون من أصول فارسية، فإن الكثير من العناصر الفارسية تشجعت وهجرت إلى المدينة واستوطنتها.

من جانب آخر، فإن ديمقراطية المذهب الإباضي، خاصة ما تعلق منه باختيار الحاكم أو الإمام الذي لا يشترط فيه أن يكون قريشيا، بل الكفاءة والصلاح لتولي المنصب حتى ولو كان زنجيا، شجع الناس القادمين من مختلف الأصقاع على العيش تحت ظلال الدولة الرستمية، فقد سجّل لنا صاحب كتاب السّير أن بعض هؤلاء الغرباء حظي بمكانة كبيرة، فتم اختياره من بين المرشحين للإمامة التي فاز بها عبدالوهاب بن رستم، منهم مسعود الأندلسي وعمران الأندلسي، خاصة الأول الذي نافس عبدالوهاب بن رستم حتى آخر مرحلة في التنافس على الإمامة.

المؤثرات العلمية المغربية في بلاد المشرق

حظي العديد من العلماء المغاربة بسمعة طيبة، ويحظون بثقة أهل البلد الذي يحلون به ويعيشون بين أهله، وتفيض كتب التراجم التي يرد فيها ذكر المغاربة بالثناء على مؤهلاتهم وإشعاعهم مع حرص هؤلاء على احترام تقاليدهم الدينية وتعاملهم بحسن الخلق، وهذه الصفات السائدة لدى معظمهم.

في ميدان العلوم العربية

يظهر اسم بارز. كان لإنتاجه النظري تأثير في المغرب والمشرق، وهو ابن مالك الطائي الجياني، ولد سنة 600 هـ، عاش ابن مالك معظم حياته في بلاد المشرق، إذ لم يعد إلى الأندلس منذ أن رحل عنها، وقد تتلمذ على يد علماء المشرق. وحسب رواية ابن شاكر، فإن تضلّعه في النحو والتصريف كان فيهما بحراً لايشق لجّه، وأقام بدمشق مدّة من الزمان عكف فيها على التأليف والتدريس، وتخرج على يديه جماعة كبيرة، صنّف كتاب " تسهيل الفوائد" وكتاب " سبك المنظوم وفك المختوم" وكتاب " الشافية الكافية" وغيرها. إن هذه الغزارة في التأليف وقيمتها العلمية الكبيرة، هي التي جعلت ابن مالك يفرض نفسه ويلقى الترحيب والثناء من العلماء المشارقة والمهتمين بالعلم وكذا رجال الحكم والسياسة، توفي ابن مالك سنة 672 هـــ، قال عنه الذهبي " تصد لإقراء العربية، وصرف همته إلى إتقان لسان العرب، حتى بلغ فيه الغاية، وحاز قصب السبق وأربى على المتقدمين، وكان إماما في القراءات وعللها، وأما اللغة، فكان إليه المنتهى في الإكثار من النقل غريبها والاطّلاع على حوشيها، وأما النحو والتصريف، فكان فيهما بحراً لا يجارى، وحبراً لا يبارى، وأما أشعار العرب التي يستشهد بها على اللغة والنحو، فكان الأئمة الأعلام يتحيرون فيه، ويتعجبون منه أين يأتي بها.

وفي هذا الفن أيضا، يبرز اسم الجزولي أبي موسى عيسى بن عبد العزيز من أهل السوس في المغرب الأقصى. درس بالسوس قبل أن يتلّقى على كبير الشيوخ لسبتة ابن عبد لله الحجري الأندلسي، كما درس بمصر خصوصا على عبدالله بن برّي، وهو من كبار علماء العربية، وعنه تلقّى شرح جمل الزجاجي.

وفي رجوعه اشتغل بالتدريس في المرية بالأندلس، وكان بين تلامذته الشلوبين الأزدي، وابن حوط الله وابن معطي، ثم تابع مهمته هذه بمراكش، حتى تولّى خطاباتها أيضا من مؤلفاته:  المقدمة المعروفة بالجزولية التي خلّدت اسمه، وهي نفسها شرح لجمل الزجاجي، أي أنها من بين عشرات الشروح الأخرى للجمل، لكنها صياغة جديدة للنحو بتعديلات ورموز وحدود، بهر الدّارسين على دقّة فهمها ويسر الاستفادة منها.

وقد اعترف المشارقة للجزولي بهذه العبقرية إذ اعتبره ابن خلكان، إماما في علم النحو، كثير الاطلاع على دقائقه وغريبه وشاذه، وسُجّل للجازولي أن مقدمته التي أتى فيها بالعجائب، وهي في غاية الإيجاز مع الإشتمال على شيء كثير من النحو، ولم يٌسبق إلى مثلها. مما حدا بالكثير إلى الاعتناء بها مغرباً ومشرقا، توفي الجزولي حوالي سنة 610 هـــــ.

في ميدان الفقه

في هذا العلم برز من المؤثرين المغاربة في الديار المصرية، أبو العباس القيسي المالكي، المعروف بابن القسطلاني، نسبة لقسطيلة من إقليم إفريقية، كان من أعيان الفقهاء المالكية، أقرأ أصول الفقه على الفقيه أبي منصور المالكي، والمذهب على خاله، القاضي الحسن بن أبي بكر بن الحسن القسطلاني، ودرّس في موضعه بعد وفاته. وصحب الشيخ الزاهد أبا عبدالله القرشي، واختص بخدمته ودوّن كلامه. وولّي أبو العباس القيسي التّدريس بمدرسة المالكية بمصر ، كنتيجة حتمية لتفوقه العلمي، خاصة في مجال الفقه، بالإضافة إلى تكوينه على يد علماء بارزين كالعالم النحوي ابن برّي في مصر، يونس القاسمي بمكة، التي توفي بها سنة 636 هــــ.

ومن المغاربة الذين أثروا علميا في الديار المصرية، أبو أحمد بن أبي بكر المالكي، الشهير بابن زيتون، المولود سنة 621 هـــ، كان قاضيا للجماعة بتونس، تلقى تكوينا قاعديا بمدينة تونس، على يد أبي عبدالله الشوبسي، وأبي القاسم بن المروّس وغيرهما.

ورحل إلى بلاد المشرق رحلتين: الأولى في سنة 648 هـــ، اتصل بعلماء مصر البارزين وقتذاك، وأخذ عنهم كسلطان العلماء العز بن عبدالسلام ، المتوفي سنة 660 هــــ، وفخر الدين البندهي. أدى فريضة الحج، عاد بعدها إلى تونس الحضرة بعلم كبير ورواية واسعة، ثم رحل ثانية سنة 656 هــــــــــــ، فأقام بالقاهرة يدرّس بمدارسها، ثم حج ورجع إلى تونس اشتغل بالقضاء والتدريس، وانتفع الناس به، كان حسب رواية ابن فرحون، إماماً عالماً ذا فضل ودين وخلق.

وينقل صاحب كتاب " نيل الابتهاج" رواية عن التيجيبي صاحب الرحلة، أن ابن زيتون كان عالماً بارعاً محدثا حافظا متقنا عارفا بالحديث، قيّماً على أنواعه ضابطا ثقة. توفي سنة 730 هــــ.


Modifié le: samedi 12 novembre 2022, 19:11